معلومات تاريخية

نظرية العقد الاجتماعي .. والتجربة الإسلامية المبكرة

وثيقة المدينة المنورة تعتبر فرضية هامة في إطار فلسفة نظرية العقد الاجتماعي

مقدمة:-

نظرية العقد الاجتماعي هي إحدى إفرازات الطروحات الفلسفية السياسية والاجتماعية خلال العصر الحديث، فيمكن القول: إنها أحدث المراحل الفلسفية التي تعتمد على وضع إطار أخلاقي سياسي بين الشعب وبين الحكومة والسلطة التي تحكم هذا الشعب.

حسناً؛ هذا المقال يبرز في نقاط معينة ومحددة كيف كان العقد الاجتماعي ومازال له أهمية في الفلسفة الاجتماعية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وكيف نرى أن الفلاسفة المحدثين لم يأتوا بجديد في الحقيقة، بل إن العقد الاجتماعي له العديد من الملامح خاصة في صدر الإسلام.

نظرية العقد الاجتماعي
المسلمون سبقوا سواهم في تنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية

ما هي نظرية العقد الاجتماعي ؟

نظرية العقد الاجتماعي هي النظرية الفلسفية التي تنظم ملامح العلاقة بين كل من الحكام أو السلطة السياسية والحكومة من جهة وبين المحكومين أو الشعب من جهة اخرى، وهذه الفلسفة قديمة قدم المدن اليونانية خاصة أثينا التي برزت في هذا المضمار من خلال القوانين والدستور الخاص بها الذي بيّن السلطات وعلاقتها بالشعب، إلا أن التطوّر زاد في ملامح هذا العقد خاصة في العصور الوسطى عندما نجد أن الصراع القائم بين البابوية والدولة العلمانية أو الزمنية كان على أشده، حيث أصرت البابوية على التحكم الفعلي وكان الحاكم السياسي صاحب سلطة زمنية فقط، وهنا يختفي فكرة العقد الاجتماعي الذي يبرز دور الشعب في توجه السلطة.

كل هذا تغيّر بالفعل مع بروز فلسفة الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679م) ومواطنه جون لوك (1632-1704 م) والسويسري – الفرنسي جان جاك روسو (1712-1778 م) خلال القرون التي تلت عصر النهضة حيث وضعوا بعض النظريات والفرضيات السياسية الفلسفية التي تعي بالصراع بين البابوية الدينية والدولة العلمانية وانتقاد هذه العلاقة وبالتالي إعطاء الشعب مساحته من فرض أدبيات الحكم وتوجيه دفة الصراع لصالح الدولة والسلطة الزمنية التي تحكم مجموعة من الرعايا وتنشد وجود ملامح وأطر لهذه الفرضيات الحاكمة.

ومن المهم في هذا الصَّدَد العودة إلى الرَّوافد الفلسفية التي غذَّت بشكلٍ مباشر أو غير مباشرٍ تطور وتبلور نظرية العقد الاجتماعي في القارة الأوروبية والعالم الغربي الحديث، وسنتناول هنا نموذج العقد الاجتماعي الذي وَضَعَ أُسس العلاقة بين الحاكم والمحكوم في دولة المدينة المنوَّرَة.

نظرية العقد الاجتماعي في دولة المدينة المنوّرة:-

نظرية العقد الاجتماعي بفلسفتها الحديثة نجدها جليّة واضحة في دولة المدينة المنوّرة التي أسسها الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، حيث نجد ( دون أن يذكر المسلمون ذلك في أدبياتهم) ملامح نظرية العقد الاجتماعي، وفلسفتها القائمة على تحديد دور الدولة في الحكم، ودور الحكومة في السلطات المنوطة لها، ودور الشعب في علاقته بالدولة أيضاً، وهذا عليه العديد من الأدلة والبراهين التاريخية في طيّات صحيفة المدينة أو ما يمكن تسميته بدستور المدينة الأول:

  • تحديد الواجبات الملقاة على رعايا الدولة.
  • تحديد لحقوق التي لابد من الحصول عليها من سلطات المدينة الحاكمة وفقاً لمبادىء الإسلام العليا أو مقاصد الشريعة.
  • تحديد العلاقة بين الدولة وبين الأقليّات الدينية خاصة اليهود وكان عنصراً سكانياً هاماً في بداية الأمر في التركيبة السكانية للمدينة قبل هجرة الرسول.
  • حماية الدولة من أي خروقات تتم خلال الحرب أو الحصار.
  • تحديد الأخلاقيات التي تحكم كل من السلطات الحاكمة وكذلك الرعايا.

وبالتالي؛ فإن وثيقة المدينة تعتبر تطبيقاً مبكراً يترجم فلسفة نظرية العقد الاجتماعي، كما وضعها كل من هوبز وجان جاك روسو ولوك والعديد من الفلاسفة الأوروبيين، لذلك يمكننا القول: إن ملامح نظرية العقد الاجتماعي تشكّلت عبر الوعي والتجربة الإنسانية وعبر أزمان مختلفة حتى تبلّورت في العصر الحديث في الدساتير والقوانين التي تحكم الدولة وتسير بها الأمم.

والتاريخ الدستوري في العالم يشهَدُ أنَّ أوَّلَ دستور مكتوبٍ هو الصَّحيفة التي كَتَبَها النبي صلى الله عليه وسلَّم لمَّا قدِمَ المدينة، ورَواهَا الإمام أحمد وغيره، ومنها اقتبسَ الغربُ بعدَ قرونٍ أوَّلَ دساتيره، وأفادَ منها الدُّستورُ الأميركي جداً، ولا تزالُ حُريَّة الاعتقاد أحَد مُنجَزَات القانون الدَّولي إلى اليوم، كَمَا أنَّ عِبارة الفاروق رضِيَ اللهُ عنهُ ” مَتَى استعبَدْتُم النَّاسَ وقد ولَدَتْهُم أُمهاتهِم أحراراً، لا تزالُ مادَّةً مِن موادِّ الدُّستور الأميركي، لا سيَّمَا ما أسموهُ وثيقة الحقوق المدنية، وإنَّمَا غيَّرَ الأميركانُ عبارةَ الفاروق إلى “يولَدُ النَّاسُ كُلهُم أحراراً متساويين”، هَب أنَّ ذلِكَ مُجرَّد توارُد خواطِر، فأيهُما الأسبق؟، ثمَّ أفادَت من ذلك عُصبة الأُمم ثمَّ هيئة الأُمَم في عصرنا الحاضر، ولكي تصِل أوروبا إلى هذه العقيدة التي دَعَا إليها الإسلام؛ كانَ عليها أن تخوضَ حُرُوباً دينية شَرِسَة لا سيَّمَا بين البروتستانت والكاثوليك.

— سفر الحوالي، المسلمون والحضارة الغربية.

العقد الاجتماعي والتوحيد:-

وتعتبر دولة يثرب “المدينة المنورة” بمثابة دولة العرب الأولى الأم، حيث يُعدُّ ميثاقها الإطار المؤسِّس والمدشِّن والمؤذن بولادة الأمة على قاعدة الوطنية والإيمان.

وكان الهدف من هذا الميثاق (العقد الاجتماعي الجديد)؛ صهر الجميع ضمن بوتقة واحدة تذوب فيها الفوارق القبلية والدينية (المسلمون واليهود) من الجوانب الاجتماعية والقانونية، كما جاء الميثاق ليُرسي برنامجاً سياسياً لمواجهة مستجدات السَّاعة.

وتعتبر الوثيقة تجسيداً لنهج توحيد الله، فالقبائل العربية التي كانت متشظية اجتماعياً ودينياً بعبادة كل منها لأله مختلف؛ باتت بعد صدور الوثيقة موحدة دينياً واجتماعياً وسياسياً.

ويقول الدكتور برهان زريق في هذا الصدد: ” وفي نظرنا؛ فالأسلوب الذي اتبعه محمد صلى الله عليه وسلَّم في إصدار الميثاق السياسي هو الأسلوب نفسه المُتَّبَع في الميثاق الأعظم الإيماني، فهُنا وهنالك-مع الاختلاف في الطَّبيعة والجوهر لا في الشَّكل والمظهر-كانت مبادرةً من محمد صلى الله عليه وسلم إلى النَّاس الأولى إيمانية روحية، والأخرى برنامج ومشروع سياسي “الصحيفة”.

الخلاصة:-

لقد أرست صحيفة المدينة صرحاً شامخاً لحقوق الإنسان الأساسية وحريَّاته العامة، وهي بذلك تعتبر أول إعلانٍ-على صعيد التاريخ البشري- لحقوق الإنسان-ولم يقتصر على تناول الحقوق المدنية والطبيعية، بل تعدَّاه إلى تقرير الحقوق الاجتماعية من قبيل كفالة الفقراء وفِداء الأسرى.

فالميثاق أو العقد الاجتماعي المبرم بين مختلف الأطراف في المدينة، هو ليس مجرَّد عقدٍ للألفة بين المهاجرين والأنصار، إنما هو يفيض بالذُّرى الخالدة القانونية والخلقية والإنسانية، بحسب ما وصفه الدكتور برهان زريق في كتابه “دستور المدينة المنورة- أول دستور لحقوق الإنسان”.

حرص المسلمون على حماية حريات الغير

المصادر:-

https://www.freepik.com/free-photo/sunset-with-muslim-mosque-foreground_1208380.htm#page=1&query=muslim%20&position=21

https://www.freepik.com/free-photo/muslim-boy-learning-how-make-dua-allah_2895105.htm#query=%20make%20dua%20allah&position=0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى