علماء وفلاسفة

أسرة يونس الحراني الطبية التي اشتهرت في الأندلس

تميز أفرادها ببراعتهم الطبية وبقربهم من بلاط الخلفاء

يونس بن أحمد الحراني ، هو الطبيب الذي اُشتُهِرَ في الشَّام قبل أن ينتقل إلى الأندلس التي نزلها في عهد الأمير محمد عبد الرحمن الأموي المستولي على تلك الديار، والذي حكم الأندلس قرابة خمسة وثلاثين عاماً.

وعاش الأمير الأموي المذكور بين عامي 207 و273 هجري (823-886 م)، أي أنَّ الحرَّاني من أطباء القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي.

وينتسب الطبيب إلى حرَّان والتي ذكرها ياقوت الحموي في “معجم البلدان” بالقول: ” .. وهي مدينةٌ عظيمةٌ مشهورةٌ من جزيرة أقور، وهي قصَبة ديار مُضر، بينها وبين الرَّها يوم، وبين الرَّقة يومان، وهي على طريق الموصل والشَّام والرُّوم..”.

مكانة يونس بن أحمد الحراني الطبية:-

تعرَّض المؤرخون إلى شخصية ومساهمات يونس بن أحمد الحراني الذي حقَّق شهرة واسعة في الأندلس عموماً وقرطبة على وجه الخصوص، ومن بينهم:

  • ابن جلجل الأندلسي الذي قال عنه: “رأيت حكاية عند أبي الأصبغ الرازي بخطِّ أمير المؤمنين المُستنصر، وهي أن هذا الحراني أدخل الأندلس معجونًا كان يبيع الشُّربة منه بخمسين دينارًا لأوجاع الجوف، فكسَب به مالاً، فاجتمعَ خمسة من الأطباء مثل حمدين وجواد وغيرهما وجمعوا خمسين دينارًا واشتروا منه شُربة من ذلك الدواء، وانفرد كل واحد منهم بجزء يشمه ويذوقه ويكتب ما تأدى إليه منه بحسه، ثم اجتمعوا واتفقوا على ما حدسوه وكتبوا ذلك، ثم نهضوا إلى الحراني وقالوا له قد نفعك اللّه بهذا الدواء الذي انفردت به، ونحن أطباء اشترينا منك شربة وفعلنا كذا وكذا، وتأدى إلينا كذا وكذا وكذا، فإن يكن ما تأدى إلينا حقًا فقد أصبنا، وإلا فاشركنا في علمه فقد انتفعت، فاستعرض كتابهم فقال ما أعديتم من أدويته دواء، لكن لم تصيبوا تعديل أوزانه، وهو الدواء المعروف بالمغيث الكبير، فأشركهم في علم وعرف حينئذ بالأندلس”.
  • وقال المؤرِّخ جمال الدين القفطي عنه:” كَانَ فهماً ذكياً عالماً .. وجد فِي صفة دواء يؤخذ من التفا كذا وكذا فلم يعرف النقا فأتي إِلَيْهِ بالصفة وقيل لَهُ عندك التفا فقال نعم فقيل بكم زنة درهمين فقال بعشرة دنانير فلما أخذ الذهب أخرج إليهم الحرف فقيل لَهُ هَذَا الحرف ونحن نعرفه فقال لهم لَمْ أبع منكم الدواء العقار وإنما بعت تفسير الاسم وولداه أحمد وعمر هما اللذان رحلا إِلَى المشرق وأخذا عن ثابت بن سنان وأمثاله وابن وصيف الكحال..”.

ابنا يونس الحراني :-

على غير شاكلة والدهم المرتحل من المشرق إلى المغرب، فقد نسج ابناه  أحمد وعمر على غير منوال أبيهم يونس بن أحمد الحراني ، حيث انتقلا من قرطبة إلى بغداد حيث مكثا في الأخيرة عدة سنوات وذلك لأغراض الاستفادة من علماء وأطباء دار السَّلام.

فقد رحلا سنة 330 هجرية، بغية التتلمذ على يد ثابت بن سنان بن قرة، وقرآ عليه كتاب جالينوس، واستفادا من الطبيب والكحال ابن وصيف في عمل علل العين.

ثم قرَّرا العودة إلى الأندلس وذلك في عهد دولة المستنصر بالله، وصادف ذلك سنة 351 هجرية، وأشركهما في غزواته، ثُمَّ الحقهما بخدمة الطب، واسكنهما مدينة الزَّهراء (ينتسب إليها الطبيب الكبير الزهراوي)، فاستخلصهما المستنصر بالله لنفسه، متجاهلاً جمع الأطباء الذين اشتهروا في البلاد آنذاك.

يونس الحراني عاش في فترة ازدهار البلاد الأندلسية.

وفاة عمر واستمرار خدمة أحمد بن يونس الحراني :-

تعرَّض عمر بن يونس الحراني لأذىً في معدته، ما تسبب في ذبوله شيئاً فشيئاً إلى أن وافته المنية، فبقي أحمد وحيداً وهو الذي اعتاد على مرافقة أخيه الفقيد في الحِلِّ والترحال.

وهنا قرر المستنصر الإبقاء على عمر، بل وزيادة إكرامه، حيث أسكنه في قصره بمدينة الزهراء.

  • وفي هذا الصدد يقول ابن أبي أصيبعة المؤرخ والطبيب: “.. وكان لطيف المحل عنده، أميناً مؤتمناً، يُطلعهُ على العيال والكرائم، وكان رجُلاً حليماً، صحيح العقل، عالماً بما شاهد علاجه ورآنا عياناً بالمشرق (بغداد)، وتوجَّه عند المستنصر بالله لأنَّ المستنصر كان نهماً في الأكل، وكان يحدث له في أكلهِ تخمة لكثرة ما كان يتناول من الأكل، وكان صنع له الجوارشنات الجادة العجيبة وكان وافقه في ذلك موافقة وأفاد مالًا عظيماً، وكان ألكن اللسان، رديء الخط، لا يقيم هجاء حروف كتابه، وكان بصيرًا بالأدوية المفردة، وصانعًا للأشربة والمعجونات، ومعالجًا لما وقف عليه”.
  • وذكره ابن جلجل حينما قال: “ورأيت لهُ اثني عشر صبيًّا صقالبة، طباخين للأشربة، صنّاعين للمعجونات ما بين يديه، وكان قد استأذن أمير المؤمنين المُستنصر أن يعطي منها ما احتاج من المساكين والمرضى، فأباح له ذلك، وكان يداوي العين مداواة نفيسة، وله بقرطبة آثار في ذلك، وكان يواسي بعلمه صديقه وجاره والمساكين والضعفاء، وولاه هشام المؤيد باللّه خطة الشرطة وخطة السوق، ومات بحمى الربع وعلة الإسهال، وخلف عما قيمته أزيد من مائة ألف دينار..”.

تعرف أكثر هنا على  يوحنا بن ماسويه .. الطبيب النسطوري الأمين للخلفاء العباسيين

المصادر:-

  • طبقات الأطباء والحكماء، ابن جلجل.
  • طبقات الأطباء، ابن أبي أصيبعة.
  • أنباء الحكماء، القفطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى