علماء وفلاسفة

يوسف بن حسداي .. الطبيب اليهودي الأندلسي

سرى علاجه في العِلل الجسام، سريا لأرواح في الأجسام

هو أبو جعفر يوسف بن أحمد بن حسداي الطبيب والشارح اليهودي الشهير الذي انتقل من الأندلس إلى مصر، حيث القاهرة عاصمة الدولة الفاطمية.

وكغيره من علماء وأطباء ذلك العصر؛ كان لدى ابن حسداي اطلاع على الثقافة والعلوم الطبية اليونانية التي تم ترجمتها في المشرق الإسلامي، وتحديداً ببيت الحكمة في بغداد على يد حنين بن إسحاق ونجله إسحاق بن حنين وسواهما، لكنَّه بزَّ أقرانه في تعمُّقه في هذه العلوم التي استفاد منها وبنى عليها كثيراً من العلاجات التي استقى بعضها من كتب الطبيبين الإغريقييَّن جالينوس وأبقراط والصيدلاني ديسقوريدس.

أبو جعفر يوسف بن أحمد بن حسداي ومكانته المهنية:-

أبو جعفر يوسف بن أحمد بن حسداي كان صاحب مكانة علمية ومهنية واجتماعية بارزة، فبالإضافة إلى ذيوع صيته في أرجاء الأندلس ومن ثمَّ مصر وذلك بفضل براعته الطبية؛ فقد كان مقرَّباً من بلاط الآمر بأحكام الله أبي علي منصور الحاكم الفاطمي العاشر الذي عاش بين عامي 1069 و 1130 م والذي قضى طعناً.

وقد كان ابن حسداي أيضاً من خواص الوزير المأمون أبي عبد الله بن نور الدولة أبي شجاع الآمري، الذي كان مهتماً بالعلوم راعياً للمبرِّزين فيها، وهو الذي أوعز للأول بشرح بعض مؤلفات جالينوس، ففعل ذلك، كما عُثِرَ له على شروحاً لبعض فصول أبقراط.

أبو جعفر يوسف بن حسداي قصد الديار المصرية.

أقوال العلماء فيه:-

أثنى المؤرخون على علم يوسف بن حسداي ، رغم أنهم أشاروا إلى أنَّه دفَعَ ثمن إفراطه في تناول المُسكرات والتي أضرَّت بصحته.

  • ويقول عنه ابن فضل الله العمري: ” حكيم جلّ قدره، وجلا الظلماء بدره، تصدى طبه للأدواء فحسمها، وشدَّ بها بناء الأعضاء وقد حطَّمها، وسرى علاجه في العِلل الجسام، سريا لأرواح في الأجسام، وبهذا ثبت زلزالها وردّها إلى مصاحبة الجُسوم وقد نوت اعتزالها، وفعل في هذا الغاية بلُطف مداراته، وكف ما لم يقدر الثوب على مواراته، ثم لم يغن عنه طبه إذ حان حينه، وقرب ما بينه وبين الموت بينه.”.
  • وقال عنه ابن أبي أصيبعة: ” من الفضلاء في صناعة الطب، وله اعتناء بالغ بالاطلاع على كتب أبقراط، وجالينوس، وفهمهما، وكان قد سافر من الأندلس إلى مصر، واشتهر بها ذكره في أيام الآمر ، وكان خصيصا بالمأمون الآمري الوزير، وكان قد أمره المأمون بشرح كتاب الإيمان لأبقراط، فشرحه. وكان مدمنا للشراب، وعنده دعابة ونوادر..”.
  • وقال ابن أبي أصيبعة كذلك: ” وليوسف بن أحمد بن حسداي من الكتب الشرح المأموني لكتاب الإيمان لأبقراط المعروف بعهده إلى الأطباء، صنفه للمأمون أبي عبد اللّه محمد الأمري، شرح المقالة الأولى من كتاب الفصول لأبقراط، تعاليق وجدت بخطه كتبها عند وروده على الإسكندرية من الأندلس، فوائد مستخرجة استخرجها وهذبها من شرح علي بن رضوان لكتاب جالينوس إلى أغلوقن، من القول على أول الصناعة الصغيرة لجالينوس، كتاب الإجمال في المنطق، شرح كتاب الإجمال..”.
  • وعن بعض المواقف التي حصلت مع ابن حسداي في مصر؛ قال ابن أبي أصيبعة: ” وكان .. مدمنًا للشراب، وعنده دعابة ونوادر، وبلغني أنه لما أتى من الإسكندرية إلى القاهرة، كان هو وبعض الصوفية قد اصطحبا في الطريق فكانا يتحادثان، وأنس كل واحد منهما إلى الآخر، ولما وصلا إلى القاهرة قال له الصوفي أنت أين تنزل في القاهرة حتى أكون أراك؟ فقال ما كان في خاطري أن أنزل إلا حانة الخمار وأشرب فإن كنت توافق وتأتي إلي فرأيك، فصعب قوله على الصوفي وأنكر هذا الفعل، ومشى إلى الخانكاه، ولما كان في بعض الأيام، بعد مديدة، وابن حسداي في السوق، وإذا يجمع من الناس وفي وسطهم صوفي يعزر وقد اشتهر أمره بأنه وُجد سكران، ولما قرب إلى الموضع الذي فيه ابن حسداي ونظر إليه وجده ذلك الصوفي بعينه، فقال يا للّه قتلك النامس”.

اقرأ ايضاً.. ابن ملكا البغدادي .. الطبيب والفيسلوف الأوحد في زمانه

أسرة حسداي ونفوذها في الأندلس :-

أسرة حسداي اليهودية نالت حظها في الجوانب الإدارية في الأندلس نتيجة لسياسة الانفتاح التي انتهجها الخليفة عبد الرحمن الناصر وولده الحكم ، فضلاً عن براعة هذه الأسرة في الكثير من العلوم والتي كانت سبباً لاعتلائهم هذه المناصب، وبالتالي فقد ساهمت هذه الأسرة على قدر كبير  في ازدهار البلاد باعتبارها احد عناصر المجتمع الأندلسي أبان تلك الفترة.

عائلة حسداي والتي تعرف أيضا بأسرة شبروت أو شبروط واحدة من الأسر اليهودية التي كانت لها حظوة ومكانة وشرف في الأندلس، وأشهر أفرادها مؤسِّس الأسرة التي اتخذت التسمية منه أبو يوسف حسداي بن إسحاق بن شبروت وهو من كبار قومه ، ولد في جيان عام 915م، وتثقف ثقافة عالية في اللغة العربية وآدابها.

أفضت سياسة الخليفة عبد الرحمن الناصر وولده إلى إزالة الارستقراطية العربية إن أدى إلى فسح المجال أمام أهل الذمة عامة و اليهود خاصة أن يشغلوا العديد من المناصب الإدارية في دولة الأندلس ، فتولت أسرة حسداي منصبي الوزارة والسفارة ومسؤولية وتنظيم الحفلات داخل البلاط الحاكم وتنظيم رحلات الصيد الخاصة بالخليفة أو الأمير بعد سقوط الخلافة الأموية في الأندلس وظهور دويلات الطوائف.

كما امتهنت الأسرة الطب في الأندلس، فبالإضافة إلى أبي جعفر يوسف بن أحمد بن حسداي ؛ فقد كان منهم حسداي بن إسحاق الطبيب الخاص لعبد الرحمن الناصر وولده الحكم ، والذي يعد من أفاضل الأطباء.

سيطرة غير المسلمين على المجال الطبي:-

لم يكن يوسف بن أحمد بن حسداي الطبيب اليهودي أو غير المسلم الوحيد في بلاط أصحاب القرار في الدول الإسلامية المتتابعة، إذ أن الملاحظ أن الفترة الممتدة منذ بداية العصر الأموي وحتى النصف الأول من العهد العباسي على الأقل، قد شهد سيطرتهم على هذه المهنة التي تجعل منهم مؤثرين على أصحاب القرار، لا بل إنَّ الأمر استمر إلى عهد الدولة الأيوبية، فقد كان أطباء صلاح الدين بن أيوب من اليهود (موسى بن ميمون ، الموفق بن شوعة الإسرائيلي ، سلامة بن رحمون بن موسى..).

ففي العصر الأموي؛ سطع نجم ابن أثال المسيحي طبيب معاوية بن أبي سفيان، و تياذوق النصراني طبيب الحجاج بن يوسف الثقفي، كما كان ماسرجويه اليهودي أشهر أطباء البصرة في عصر الخليفة عمر بن عبد العزيز.

وفي العصر العباسي؛ برز الطبيب والصيدلي حبيش بن الأعسم الدمشقي النصراني، وخاله الشهير حنين بن إسحاق ونجل الأخير إسحاق بن حنين، بالإضافة إلى يوحنا بن ماسويه الطبيب السرياني الذي عهد إليه هارون الرشيد بترجمة الكتب القديمة، كما برز فرات بن شحناثا اليهودي، وهناك الكثير من الأسماء التي لا يتسع المقام لذكرها وخصوصاً أفراد أسرة بختيشوع التي نهلت أجيالها الأولى من علوم مدرسة جنديسابور الطبية (الأحواز في إيران حالياً).

ابن حسداي وأطباء العصور الوسطى استفادوا من علوم اليونان.

اقرأ ايضا ما الطعام الذي ينصحك ابن سينا بتناوله؟

المصادر:-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى