أعلام

يوسف بن تاشفين .. ملك عظيم بسمات رجل متواضع

تميز بأخلاقه العالية، التي جعلته يكسب حُب الناس ومودتهم

تمكنت الدولة المرابطية من نشر الإسلام في ربوع السودان الغربي، وإشاعة ثقافته بين القبائل المختلفة، ثم لم تلبث أن توسعت نحو الشمال، فأرخت بظلالها على كل المغرب الأقصى والأندلس، وأنقذت بذلك الدين وتصدت للقوى المتربصة، وقد دُونَت أسماء أبطال المرابطين وفرسانهم في سجلات التاريخ، وكان من بين أشهرهم وعلى رأسهم؛ يوسف بن تاشفين.

من هو يوسف بن تاشفين ؟

هو يوسف بن تاشفين بن توقورت، ولِد بالصحراء سنة 400 هـ/ 1009 م، من قبيلة لمتونة التي عرفت بالسيادة، وبسط سيطرتها على قبائل صنهاجة الأمازيغية منذ بدأ دعوة عبد الله بن ياسين ( توفي سنة 1059 م ).

وتصِف المصادر التاريخية ابن تاشفين بأنه كان أسمر اللون، معتدل القامة، نحيف الجسم، خفيف العارضين، رقيق الصوت وأكحل العينين.

الرحالة شمس الدين المقدسي يصف اقليم المغرب
الرحالة شمس الدين المقدسي يصف اقليم المغرب

نما ابن تاشفين وترعرع على تعاليم الإمام الفقيه عبد الله بن ياسين، وتلقى العلوم مباشرة من المحدثين والوُعاظ، لأن المدارس كانت نادرة في الصحراء، لذلك، فإنه لم يكُن شخصاً متعمقاً في أحكام الدين.

صفاته يوسف بن تاشفين وأخلاقه:-

تميز يوسف بن تاشفين بأخلاقه العالية، التي جعلته يكسب حُب الناس ومودتهم، ما أدّى إلى إقبالهم عليه وإلتفافهم حوله خلال مدة قصيرة، كما تميز بالشجاعة والحزم والرأي السديد، وواظب طيلة فترة حكمه على الجهاد والحفاظ على البلاد ووحدتها.

وقد كان ابن تاشفين أميراً ورعاً تقياً وشخصاً زاهداً في الدُنيا رَغم عظمة ملكه،  وكان يعيش حياة بسيطة كسائر الرعية، فكان لِباسه الصوف وطعامه الخُبز والشعير ولحم الإبل وألبانها، إضافة إلى ذلك؛ عُرِف عنه تسامحه وعفوه عن الذنوب مهما كبرت، باستثناء من  يثبت عليه خيانة الدين أو من يبادر و يثور عليه ويهدد أركان الدولة.

سطوع نجم ابن تاشفين:-

كان يوسف بن تاشفين جنديا في الجيش المرابطي، وقد عينه ابن عمه زعيم المرابطين أبو بكر ابن عمر اللمتوني (توفيَ سنة 1087 م) مكانه، وفوَّض له الأمر من بعده وذلك بعد اضطراره للعودة إلى الصحراء بسبب نشوب نزاع بين القبائل الصنهاجية.

بعد توليه الأمر؛ شرع ابن تاشفين في استكمال مهمة توحيد المغرب الأقصى والقضاء على جميع الخصوم والإمارات الصغيرة المنتشرة هناك، كإمارة مغراوة وبورغواطة، كما عمل على تنظيم الدولة وتقوية الجيش، وفي المجال العمراني؛ شَرَع ابن تاشفين في بناء مدينة مراكش التي كان سلفه أبو بكر بن عمر اللمتوني قد أسَّسها سنة 462 هـ / 1070م، فبنى يوسف بمدينة مراكش داراً لإقامته، ومسجدا للصلاة، وحياً يحتوي على مساكن الأمراء المرابطين وقادة الجيش، وقصبة لإيواء الجنود وخزن السلاح وحماية المدينة، ومراقبة قبائل المصامدة المقيمة بجبال الأطلس الكبير الغربي.

الجهاد والنصر المبين في الأندلس:-

خلال زمن يوسف بن تاشفين؛ كانت سلطة الأمويين بالأندلس قد أخذت في الاضمحلال منذ بداية القرن 5 هـ/ 11 م، وتفككت البلاد إلى إمارات أطلق عليها اسم ” ملوك الطوائف ” فساهمت هذه الوضعية في تدخل الممالك المسيحية (قشتالة، آراغون، وكطلانيا)، حيث احتلت قوات قشتالة مدينة طليطلة سنة 478 هـ/ 1086 م.

بعد هذه الحادثة؛ استنجد ملوك الطوائف بيوسف بن تاشفين، الذي استفتى الفقهاء بهذا الشأن، فأجازوا له الجهاد بالأندلس، فعبر بجيشه البحر المتوسط إليها واصطدم بالقوات المسيحية بالقرب من مدينة بداخوص الحالية في معركة الزلاقة سنة 479 هـ/ 1086 م.

وعلى أثر هذا الانتصار؛ تلقّبَ يوسف بن تاشفين  بلقبيّ “أمير المسلمين”  و “ناصر الدين ” دون أن يدّعي الخلافة لنفسه، رافضا بذلك اقتراح الفقهاء وأشياخ المرابطين  الذين عرضوا عليه أن يحمل لقب أمير المؤمنين، باعتبار أن هذا الإسم يتسمى به الخلفاء العباسيون باعتبارهم من السلالة النبوية الكريمة، مفضِّلا الاحتفاظ بعلاقات ودية مع الخليفة العباسي بالمشرق.

المغرب خلال العام 1904 م
المغرب خلال العام 1904 م

تجدد المناوشات:-

وبسبب عودة المناوشات مع القوى المسيحية، عبر يوسف بن تاشفين مرة ثانية وثالثة إلى الأندلس لرد هجمات تلك القوى، بيد أن خيانة ملوك الطوائف وفسادهم، جعلته يعقد العزم على انهاء حكمهم، فقام بضم  الأندلس للدولة المرابطية.

بفضل الشجاعة والحنكة والدهاء السياسي والحزم الذي اتصف به يوسف بن تاشفين، ونتيجة لاهتمامه بشؤون البلاد والرعية، وتجنبه لحياة البذخ والمغريات والشهوات كما هي عادة أغلب الملوك، والاكتفاء بالزهد والتقشف رغم عظمة الملك؛ فقد عاشت بلاد المغرب الأقصى وبلاد الأندلس أزهى فتراتها، وعرفتا ازدهارا كبيرا في جل الميادين، ماتزال بعض آثاره شاهدة إلى اليوم على عظمة ابن الصحراء يوسف بن تاشفين.

المصادر:

  • ابن عذاري، البيان المغرب
  • أبو عبيد الله الادريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
  • الناصري، الاستقصا
  • امتنان عثمان الصمادي وآمنة سليمان البدوي، صورة يوسف بن تاشفين في ضوء الروايات التاريخية والأدبية، المجلة الأدبية للتاريخ والآثار، م 6 ، عدد 02 ، 2012 م
  • مريم عيساوي وزهية لعريبي، يوسف ابن تاشفين وقيام الدولة المرابطية بالمغرب والأندلس، رسالة ماجستير
  • https://cdn.loc.gov/service/pnp/agc/7a04000/7a04400/7a04420v.jpg
  • Photo by Annie Spratt on Unsplash

aziz

عزيز سليمان من مواليد عام 1988، مغربي الجنسية، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجغرافيا عام 2013، وعلى شهادة التربية والتكوين عام 2015، ويعمل مدرسا لمادة الاجتماعيات منذ 2015. كاتب محتوى عربي، مهتم بالقضايا التاريخية والثقافية والحقوقية والتربوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى