أعلام

يحيى الواسطي .. أحد أكبر أعلام مدرسة التصوير الإسلامي

تعكس تصاويره مدى الإتقان والدقة التي وصل إليها فن التزويق في عصره

يحيى الواسطي –اسمه ونسبه:

يحيى بن محمود بن يحيى بن أبي الحسن الواسطي ، شيخ المصورين في العراق في القرن الهجري السابع الموافق للقرن الميلادي الثالث عشر، أصله من مدينة واسط العراقية.

مكانته في علم الرسم والتصوير:

كان يحيى بن محمود الواسطي رساماً وخطَّاطاً ومُذهِّباً ومُزخرفاً، من أشهر فناني المدرسة العراقية في بغداد ، وأحد أهم الشخصيات التي قامت على أكتافهم تلك المدرسة، زعيماً لمدرسة في التصوير الإسلامي أُطلِق عليها أسماء مختلفة؛ هي: المدرسة البغدادية، مدرسة ما بين النهرين، المدرسة العباسية، المدرسة السلجوقية، المدرسة العربية.

هذه النسخة التي كتبها وزوقها الواسطي بنفسه

كتب سنة 634هـ-1237م مخطوطاً من مقامات الحريري ، وهو محفوظ الآن في المكتبة الأهلية بباريس، وتُعرَف بحريري شيفر؛ نسبة إلى مالكها الأول شيفر الذي أهداها إلى دار الكتب الوطنية في باريس، وقد كتبها وزوقها الواسطي بنفسه، كتبها بمداد أسود يميل إلى الحمرة، وبخط نسخ جميل متقن منقَّط ومشكَّل، وقد زيَّنها بأربع وتسعين منمنمة، وخط عناوين المقامات بالذهب وبحروف كبيرة، وجعل وقفات الجمل بشكل وردة ذات ستة فصوص وبالذهب، واستغل الفراغ على جانبي بعض المنمنمات وقام بملئه بكتابة عمودية بشكل أسنان المنشار، ولكن على مقياس أوسع.

وهي تُمثِّل تصاوير أروع ما أنتجته مدرسة بغداد ، وتعكس تصاوير هذه النسخة مظاهر الحياة اليومية والريفية، كما أن ألوانها كثيرة وغنية، ورسومها الآدمية تمتاز يتنوع الشخصيات، واختلاف الملامح، ووضوح التعبير عن العواطف المختلفة، وفيه ما يقارب مئة صورة لتوضيح الحكايات التي يرويها الحارث بن هُمام عن حِيَل أبي زيد السروجي ونوادره.

تَحدُثُ جميع النوادر في مدن مختلفة من أرجاء العالم الإسلامي أثناء عصر الحريري ، وكل منها عبارة عن لقاء يجري عادةً وسط جمع من سكان أهل الحضر، بين شخصيتين خياليتين هما الراوي الحارث بن همَّام والبطل السَروجي.

الواسطي منح لمسة فنية لمقامات الحريري

يحيى الواسطي – تجسيد للحياة الاجتماعية:-

وهذه الرسوم والقصص التي رسمها يحيى بن محمود الواسطي تعطي صورة واضحة عن صورة الحياة الاجتماعية في ذلك العصر، وهي بمثابة سجل يمكن أن تستنبط منه البيانات الكثيرة عن العادات والملابس فيه والأواني والأدوات والمباني.

كما تعكس تصاوير يحيى الواسطي وكل المنمنمات التي تنسب إلى مدرسته مدى الإتقان والدقة التي وصل إليها فن التزويق في عصره، تعد من أروع اللوحات الفنية التي وصلت إلينا من ذلك العصر، كما أنها بمثابة وثائق تاريخية تلقي الضواء على كثير من جوانب الحياة في ذلك الوقت، وتتجسم فيها أيضاً جميع السمات الفنية التي تُميِّز المدرسة العربية في التصوير الإسلامي عن غيرها من المدارس التصويرية، وهذا يكشف عن سعة اطِّلاع الواسطي وتمرسه في هذا الفن من الفنون، فنراه يشرح في لوحاته الانفعالات النفسية بطريقة يستطيع المشاهد أن يفهم منها الجو النفسي، فكانت لوحاته بمثابة العيون الناطقة والأصابع المتكلمة.

الواسطي

قيمة رسومه وتصاويره:

نالت تصاوير يحيى الواسطي إعجاب كل من شاهدها، قال بلوشيه يصفها: “إنها أكمل الأمثلة الموجودة من منمنمات هذه المدرسة”، وهي بحث من أروع ما أنتجته المدرسة البغدادية، وتحفة من تحف التصوير الإسلامي، وهذا ما جعل الأستاذ تالبوت رايس يصف هذه التصاوير، فيقول: “إنها ذات نوعية ممتازة، الرسوم الآدمية أو الأشكال معبرة لأقصى حد، والمواضيع والصيغ جميلة جداً، والألوان مفرحة ومشرقة ومؤثرة إلى درجة كبيرة”.

من تصاوير الواسطي للمقامات

وتتجلى أهميتها من خلال تميزها، فالواسطي لم يخضع للقواعد والأصول الفنية التقليدية المستقاة من الفن الساساني أو المسيحي، بل استوحي لوحاته مما كان يراه حوله من مناظر الحياة الإسلامية.

وبما أن المقامات الخمسين تقع أحداثها في مناطق وأقاليم مختلفة، فإن لوحات الواسطي أعطتنا فرصة للنظر في واقع الحياة في العالم العربي في ذلك العصر، فهي ذات قيمة تاريخية، خصوصاً بالنسبة للعراق؛ لأنها أُنتِجت هناك.

 حققت المقامات شهرة واسعة لتبلغ إلى الأندلس، ما دفع الحاخام يهوذا الحريزي (القرن الثالث عشر الميلادي)  إلى ترجمتها إلى اللغة العبرية تحت عنوان مابروث إيتيل، ثم قام لاحقاً بتأليف مقاماته الخاصة “تحكيموني” التي تُسمى المقامات العبرية.

خصائص مدرسة الواسطي:-

  • اعتماده على مبدأ استخدام اللون الواحد بنقائه وخصوصيته دون أن يلجأ إلى مزجه بلون آخر، كما كان يستعين بطيف من الألوان التي تلتقي بخاصية وأصل واحد.
  • أسلوبه في رسم المنمنمات يرتكز إلى تسطيح الأشكال المنمنمة، لينأى بذلك عن البعد الثالث، مع إغناء موضوع الرسم بقدر من الوحدات الزخرفية والكتابية التي نشرها حول العمل الواحد، ليمنح بذلك الصورة دلالة وبعداً وعمقاً جمالياً وفكرياً ودينياً واجتماعياً.
الإدريسي يتحدث عن واسط التي ينتمي إليها يحيى بن محمود

المصادر:

  • التصوير وأعلام المصورين في الإسلام (13).
  • نشأة التصوير الإسلامي (5).
  • دراسة حول دور الفن الرقمي في إخراج أعمال فنية مستوحاة من منمنمات الواسطي، عائدة حسين أحمد جوخرشة.
  • الواسطي، يحيي بن محمود بن يحيي – رسام وخطاط ومذهب ومزخرف (14).
  • الصور (المكتبة الأهلية – باريس).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى