أعلام

ياقوت الحموي.. الجغرافي الرحّالة صاحب البصمة التاريخية

أصبح ياقوت يرتشف من بحر العلم شيئاً فشيئاً لتصبح العربية لغته الأم

من هو ياقوت الحموي؟

ياقوت الحموي هو رومي الأصل، ولد في بلاد الروم عام 574 هـ/ 1178 م، وهو شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي البغدادي الرومي، ولهذا الاسم معاني كثيرة وأسباب، فقد أُعطي اسمه الرومي بسبب أصل ولادته، أما ابن عبد الله فبسبب عدم معرفة اسم الأب اُعتبر عبداً من عبيد الله، ولقبه الحموي هو اسم مولاه الذي اشتراه، أما ياقوت فقد كان اسماً تطلقه العرب على الرقيق.

 نشأة ياقوت الحموي بين العلم والتجارة:-

وقع ياقوت الحموي في الأسر منذ بداية طفولته، ليباع في بغداد في سوق العبيد، وكان من اشتراه التاجر عسكر بن أبي نصر إبراهيم الحموي، وكان يعامله كابنه، وبسبب العمل بالتجارة والسفر فقد أصبح لياقوت خبرةً واسعةً في البلدان، وكان كلما كبر زادت معرفته وثقافته، فقد جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة، كان نابغة عصره.

أدخله مولاه المدرسة في سن العشرين ليتعلم الكتابة، ويستعين به في تجارته، فقد كان أمياً لا يعرف سوى التجارة والمحاسبة، وبذلك أصبح ياقوت الحموي يرتشف من بحر العلم شيئاً فشيئاً لتصبح اللغة العربية لغته الأم، وازدادت معرفته الإسلامية بشكلٍ جيد، وقد حفظ القرآن الكريم في مسجد الزيدي بدرب دينار الصغير، وحالما أتقن الكتابة والقراءة أصبح يتردد على مكتبة المسجد ويستعير الكتب من الإمام الذي كان يشجعه دائماً على ذلك.

اكتسب ياقوت الحموي الخبرة في التجارة والسفر بسبب سفره مع مولاه عسكر إلى عدة بلادٍ مختلفة ولاسيما جزيرة “قيس” المشهورة بالتجارة والتي تقع في جنوب الخليج العربي، وكان ينتقل في سفره نحو بلاد الشام ومصر والجزيرة العربية.

وصف الرحالة ياقوت الحموي لبلدة تكريت وقلعة تلعفر
وصف الرحالة ياقوت الحموي لبلدة تكريت وقلعة تلعفر

كانت ثقة التاجر عسكر تزداد نحو عبده ياقوت حتى استأمنه على تجارته وسفره لوحده، فلم يكن عبداً من الداخل أبداً، بل إنساناً حراً يبحث في كنوز المعرفة ويجول البلاد كلها فيكتب كل الملاحظات عنها بأدق التفاصيل من الأماكن وقصورها ومساجدها وآثارها حتى ما تشتهر به من أساطير وحكاياتٍ.

حصول الحموي على الحرية وتوسع رحلاته:-

في عام 596هـ/ 1199م حصل ياقوت الحموي على حريته عندما أعتقه سيده، ولكنه ترك العمل عنده بعد خلافٍ دب بينهما ليحصل على عملٍ خاص باستنساخ الكتب بسبب معرفته الواسعة بالخط وكان يبيعها في بغداد، وبعد ذلك تصالح مع سيده ليعود إلى عمله بالتجارة، وقد توفي التاجر عسكر أثناء سفر ياقوت وعندما عاد وجده قد ترك له بعضاً من ثروته.

الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب
الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب التي اقام فيها ياقوت

بعد وفاة التاجر عاد ياقوت لعمله بالكتب ولكنه لم يستمر طويلاً حتى بدأ بالتجوال عام 610هـ/ 1213م، وقد توسع بها حتى وصل إلى خراسان وآسيا الصغرى، وكان ينتقل بين البلاد من دمشق إلى حلب حتى أربيل وأورمية وتبريز، ليصل إلى إيران الشرقية ويغادرها إلى هرات وسرخس إلى أن وصل إلى مرو.

وكان ينوي زيارة خوارزم ولكن بسبب خروج التتار عام 616هـ/ 1219م؛ ألغى فكرته وهرب من طريقهم حتى وصل الموصل ولم يكن بين يديه أي شيء، فطلب المعونة من القاضي أبي الحسن الشيباني وزير الملك العزيز الأيوبي، فأعطاه الرعاية والمعونة ثم استدعاه إلى حلب.

الحموي .. المنهجية العلمية:-

  • كان شديد الحرص على الأمانة العلمية حينما ينقل من مصدر آخر، ويذكر التضارب في الآراء والأوصاف الذي يحيط بالمعلومة الواحدة إن تم نقلها من قبله من غير مصدر.
  • كان يسرد الأساطير والقصص والحكايات، متحفظاً في ذلك، فيُعقِّب على ذلك بالقول: ” هذا ما وجدته في كتب السابقين، ولولا أنني وجدته في كتبهم لما كتبته”، ويقول أيضاً في رواية أخرى : “قال عبيد الله الفقير إليه مؤلف الكتاب: هذا خبر شبيه بالخرافة وهو مستفيض، ووجوده في الناس كثير، والله أعلم بصحته، وإنما كتبتُ ما وجدت”.
  • كان شاهد عيان على كثير من الأحداث التي وثَّقها وهو مطمئن لها غاية الاطمئنان.
  • يتحرَّز ويحتاط لنفسه عندما يذكر حديثاً عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فيقول: “هذا معنى الحديث لا لفظه”.
  • يُصحح تحديد المواقع الجغرافية أو التفاصيل المتعلقة بشخصيات وتاريخ ولادتهم ووفاتهم، وذلك حينما ينقل من مصدر آخر سبقه، فيقول “قال الحازمي: جنابة ناحية بالبحرين بين مهرويان وسيراف، وهذا غلط عجيب، لأن مهرويان وسيراف من سواحل بحر فارس، وكذلك جنابة، أما البحرين؛ فهي في ساحل بر العرب قبال بر فارس من الجانب الغربي…”
  • في معجم البلدان؛ قام بترتيب الأسماء وفقا للأحرف الأبجدية، ويحدد جغرافية الموضع، وأقرب مدينة مهمة له، وما يحتوي الموقع ويحيط به من أنهار وجبال، ثم يأتي على ذكر أبرز أعلام الموضع الذي يتحدث عنه، بدءاً من رواة الحديث، مرورا بالأدباء والعلماء، وليس انتهاء بالشعراء والنوابغ المنتسبين للمكان.
وصفه لتوزر الواقعة في تونس

ياقوت الحموي .. السمات الشخصية:-

  • ثقافته كانت ثقافةً شخصية، بمعنى أنَّه لم يتلقَ العلوم من قِبَل أي من العلماء أو الشيوخ، معتمداً على اجتهاده الشخصي وقراءاته.
  • حَرِص على التردد إلى مكتبات مرو التي استعار منها عدداً هائلاً من الكتب، مبدياً إعجابه الشديد بها.
  • تأثَّر في إحدى مراحل حياته بأفكار الخوارج، وتعصَّب على الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهَهُ، وحينما قَصَدَ دمشق سنة (613 هجرية/1216 ميلادية)؛ خاض نقاشاً مع بعض المتعصِّبين للإمام أبي الحسن؛ فثار عليه الناس حتى كادوا يقتلونه، ليغادر على إثر ذلك مدينة الياسمين متجهاً صوب بلاد فارس.

مؤلفات ياقوت الحموي:-

  • معجم البلدان، والذي يعتبر أفضل مرجعٍ يمكن الاعتماد عليه حيث يضم أسماء البلدان بكل جغرافيتها من جبالٍ وأوديةٍ وأنهار..الخ مع ترتيبها حسب حروف الهجاء، وهو كتاب دقيق جداً يجمع بين الجغرافية والتاريخ والأدب والعلم.

وقد وقع كتابه المرجعي هذا في ثماني مجلدات، ووصل عدد صفحاته إلى 3894 صفحة، وقد تضمن 5000 بيتاً من الشعر، كما أحاط فيه الحموي بالجوانب الدينية والحضارية والإنسانية، وعِلم الأعراق والفصائل البشرية، والأدب الفلكلوري الشعبي، والأدب الفني، ليكون بمثابة وعاءً هائلاً للمعرفة، ولينفرد بكونه المؤلَّف الفريد من نوعه ليس على مستوى المكتوب بالعربية؛ وإنما في جميع لغات العالم.

  • معجم الأدباء.
  • المشترك وضعاً والمختلف صعقاً.
  • معجم الشعراء.
  • كتاب الدول.
  • كتاب في الديارات.
  • أخبار المتنبي.
  • المبدأ والمآل.
  • مجموع كلام أبي علي الفارسي.
  • المقتضب في النسب.

مصادر استفاد منها ياقوت في معجم البلدان:-

  • أنساب البلدان لابن الكلبي.
  • جزيرة العرب للأصمعي.
  • مواقع البلدان لأبي محمد الأسود.
  • فتوح البلدان للبلاذري.
  • تاريخ بغداد للخطيب البغدادي.
  • تاريخ الجزيرة لعلي بن الحسين.
  • تاريخ البصرة للساجي.
  • كتاب الكوفة لابن النجَّار.
  • تاريخ الرقَّة لأبي علي.
  • تاريخ بلخ لأبي إسحاق المستملي.
  • كتاب البستان في مناقب نسف لأبي الحارث.
  • كتاب تاريخ حمص للقاضي عبد الصمد بن سعيد.
  • تاريخ أصبهان لابن منده.
  • كتاب مكة لمحمد بن إسحاق الفاكهي.
  • تاريخ إفريقية لأبي العرب.
  • تاريخ أبي غالب همام بن المفضل المعري.

وفاة ياقوت الحموي:-

سعى ياقوت بعد رحلته إلى فلسطين ومصر عام 1227 م؛ تنقيح وتهذيب معجم البلدان عندما يعود إلى حلب، لكنه توفِّيَ في خانٍ في المدينة الأخيرة، وكان قد أوصى بأن تصبح مؤلفاته وقفاً على مشهد الزيدي ببغداد، وتولَّى صديقه الحميم المؤرخ تنفيذ الوَصِية.



المصادر:-

  • معجم البلدان للحموي، المقدمة، تحقيق فريد عبد العزيز الجندي.
  • الجغرافيون والرحالة المسلمون فى بلاد الشام زمن الحروب الصليبية، محمد مؤنس عوض.
  • موسوعة علماء العرب والمسلمين وأعلامهم، محمد فارس.

islamstory.com/

www.marefa.org

ar.wikipedia.org

www.freepik.com

murtahil.com

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى