نوادر العرب

ولادة تجارة قريش الخارجية

كانت قريش تُجَّاراً، وكانت تجارتهم لا تَعدوُ مكَّة، إنَّما تَقْدَم عليهم الأعاجِمُ بالسِّلَعِ فيشترونها منهم ثم يتبايعونها بينهم ويبيعونها على من حولهم من العرب، فكانوا كذلك حتى رَكِب هاشم بن عبد مناف إلى الشَّام، فنَزَلَ بقيصرَ، فكان يذبحُ كلَّ يوم شاةً ويصنع جَفْنةَ ثريد (وعاء فيه خبز ولحم ومرق) ويجمع من حوله فيأكلون.

وكان هاشِم من أجملِ النَّاس وأتمِّهمُ ، فذُكِرَ ذلكَ لقيصر فقيلَ له: ها هُنا رجل من قريش يَهْشِم الخُبزَ ثُمَّ يَصُبُّ عليه المَرَقَ ويُفْرِغ عليه الَّلحم ، وإنَّما كانت العجم تصُبُّ المَرَق في الصِّحاف ثُمَّ تأتدم الخُبز ، فدعا به قيصر، فلمَّا رآه وكلَّمه أُعجِب به، فكانَ يبعثُ إليه كلَّ يوم فيدخُل عليهِ ويُحادثه.

فلمَّا رأى نفسه (هاشم) تمكَّن عنده (قيصر)، قال له : أيُّها الملك، إن قومي تجَار العرب، فإن رأيتَ أن تكتبَ لي كِتاباً تُؤمِّن تجارتَهم فَيقْدَموا عليك بما يُسْتَطرف مِن أدم الحِجاز وثيابه فتُباع عِندكم فهو أرخص عليكم!.

فَكَتَبَ لهُ كتاب آمان لِمَن يَقْدَم منهم، فأقبل هاشم بذلك الكتاب، فجعل كلَّما مرَّ بحيٍّ مِنَ العَرَب بطريقِ الشَّام؛ أخَذَ من أشرافهم إيلافاً، وعلى أَن قريشاً تحمل إليهم بضائع فيكْفُونهم حُمْلانها ويؤدُّون إليهم رؤوسَ أموالهم  وربْحَهم ، فأصلَحَ هاشم ذلك الإِيلاف بينهم وبين أَهل الشَّام حتى قدِم مكَّة فأتاهم بأعظم شيء أتوا به بركةٍ، فخرجوا بتجارةٍ عظيمةٍ وخَرَجَ هاشِم معهم يُجَوِّزهم يُوفِّيهم إيلافهم الذي أُخِذَ لهم من العَرَب حتى أورَدهم الشَّام وأحلَّهم قُراها، ومات في ذلك السَّفر بغزَّة.

وخَرَجَ المُطَّلِب بن عبد مناف إلى اليمن، فأخَذَ من ملوكهم عهداً لمن تَجَرَ إليهم من قريش، وأَخَذَ الإِيلاف كفِعل هاشِم، وكان المُطَّلِب أكبر ولد عبد مناف، وكان يسمَّى الفَيْضَ ومات في رَدْمان من اليمن.

وخَرَجَ عبد شمس ابن عبد مناف إلى الحَبَشة، فأخَذَ إيلافاً كفِعل هاشم والمطلب ومات عبد شمس بمكة فتَمَّ دفنه بالحَجُون.

وحرج نوفل بن عبد مناف وكان أَصغر ولد أَبيه؛ فأخَذ عهداً من كِسرى لتجارة قريش، وإِيلافاً مِمن مرَّ بهِ من العَرَب، ثم قِدمَ مكَّةَ ورجِع للعراق، فماتَ بسَلْمان. واتسعتْ قُريشٌ في التِّجارة في الجاهلية وكثرت أموالُها، فبنو عبد مناف أعظم قريش على قريشٍ مِنَّةٍ في الجاهلية والإسلام.

** والإيلاف: أن يأمنوا عندهم في أرضهم بغير حِلْف، إنَّما هو أمان الطَّريق.

المصدر:-

ذيل الأمالي والنوادر، أبو علي القالي.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق