أعلام

واصل بن عطاء .. رأس المعتزلة

وُهِبَ قدرة بيانية عجيبة وحسن تصرف في القول، وفطنة عقلية كبيرة

اسمه:-

هو أبو حذيفة واصل بن عطاء المعتزلي المعروف بالغزال، مولى بني ضبة أو بني مخزوم أحد الأئمة البلغاء المتكلمين في علوم الكلام وغيره، وهو رأس المعتزلة ومعلمهم الأول، وهو أول إمام قوي رفع مذهب الاعتزال.

ولادته:-

ولد واصل بن عطاء بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم سنة ثمانين للهجرة، ثم نزح إلى العراق وأقام بها، ولزم الحسن البصري (أستاذه) وواظب على حضور مجالسه والاقتباس من علمه.

ألقابه:-

اشتهر واصل بالعديد من الألقاب، حيث لقب بالغزال، وأبو حذيفة، وأبو الجعد، ولقد أشار إلى الأول الجاحظ في بيانه، والمبرد في كتابه الكامل من أنه كان يلزم سوق الغزالين، ليعرف المتعففات من النساء، فيجعل صدقته لهن.

البصرة التي ينتمي إليها الفرزدق التي عاش فيها واصل بن عطاء
البصرة التي عاش فيها واصل بن عطاء

صفاته:-

وكان واصل بن عطاء طويل العنق، فكان ذلك الأمر مدعاة لهجائه والسخرية منه أحياناًن يقول الجاحظ في ذلك: “وكان طويل العنق جداً” وأشار إلى ذلك المبرد، وتبعه ابن خلكان، وذكر أن عمرو بن عبيد نظر إليه من قبل أن يكلمه فقال: لا يفلح هذا ما دامت عليه هذه العنق.

على أن علمه وشمائله الخلقية تطغى على ما يعاب به، سواء أكان من جهة طول عنقه، أو لثغته التي اشتهر بها، فلقد كان واصل بن عطاء يعرف بكرم الخلق وطيب النفس، كما كان معروفاً بالورع والزهد وقد مدحه الشعراء بذلك، يقول فيه صفوان الأنصاري:

فما مس ديناراً ولا صر درهماً ..

ولا عرف الثوب الذي هو قاطعه

كان لهذا الخلق أثر في ميل طابعه نحو الوعظ والإرشاد على النحو الذي نجده في خطبته التي جانب فيها الراء.

لثغته:-

ولقد طبقت لثغة واصل بن عطاء الآفاق شهرة وصيتاً _على أن المصابين باللثغة كثير_ نظراً لشهرة صاحبها ومنزلته الفكرية والأدبية.

فالرجل على ما رزقه الله تعالى من قدرة بيانية عجيبة وحسن تصرف في القول، وفطنة عقلية كبيرة لم يسلم كغيره من البشر من النقص اللازم لبني الإنسان، إذ كانت له عاهة في منطقه تصيب لسانه على وجه الخصوص وتعيب كلامه، وتعرض له في حرف من الحروف ألا وهو حرف الراء.

وقد كانت تسبب له حرجاً شديداً لا يستطيع الإفلات منه، ولا يتمكن من ممارسة الكلام أو الخطابة، أو إقامة المناظرات _وهو رئيس نحلة_ بالصورة التي تلائم منزلته الكبيرة.

ولقد أشار الكثيرون ممن ترجموا لواصل أو تناولوه بالحديث إلى لثغته كعلامة من علاماته التي يتميز بها ويعرف، وفي مقدمتهم الجاحظ الذي يقول: “وكان واصل بن عطاء قبيح اللثغة شنيعها.. “.

ويقول قدامة بن جعفر: “وقد ذكر أن واصل بن عطاء كان قبيح اللثغة على الراء”.

ولما علم واصل أنه ألثغ فاحش اللثغة، وأن مخرج ذلك منه شنيع، وأنه إذا كان داعية مقالة، ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، وأنه لابد من مقارعة الأبطال، ومن الخطب الطوال، وأن البيان يحتاج إلى تميز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج وجهارة المنطق، وتكميل الحروف وإقامة الوزن، وأن حاجة المنطق إلى الحلاوة كحاجته إلى الجزالة والفخامة…… ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان، وإعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه، وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه، ويناضله، ويساجله، ويتأتى لستره والراحة من هجنته، حتى انتظم له ما حاول واتسق له ما أمل”.

طريقة واصل في اجتناب هذا الحرف:-

أما طريقة واصل في اجتناب هذا الحرف فتتمثل في إسقاط الكلمات المشتملة على حرف الراء من كلامه، واستبدالها بمرادفها في المعنى وما يماثلها في الحركة والسكون غالباً، والحال بهذه الصورة ليس سهلاً، فهو يحتاج إلى علم غزير بمفردات اللغة، ودربة في استخدامها، والقدرة السريعة على اختيار أسهلها وأقربها مناسبة للمعنى المراد، ومن الممكن أن نتخيل معاناة واصل بن عطاء لبلوغ ذلك والتمكن منه.

مؤلفات واصل:-

له من التصانيف كتاب: أصناف المرجئة، وكتاب في التوبة، وكتاب المنزلة بين المنزلتين، وكتاب خطبته التي
أخرج منها الراء، وكتاب معاني القرآن، وكتاب الخطب في التوحيد والعدل، وكتاب ما جرى بينه وبين عمرو
بن عبيد، وكتاب السبيل إلى معرفة الحق، وكتاب في الدعوة، وكتاب طبقات أهل العلم والجهل… وغير ذلك”.

بداية واصل في الاعتزال:-

يقول الشهرستاني في “المِلل والنِّحَل”: ” دخل رجلٌ على الحسن البصري، فقال: يا إمام الدِّين: لقد ظهرت
في زماننا جماعة يُكفِّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفرٌ يخرج به عن الملَّة، وهم وعيدية الخوارج،
وجماعةٌ يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان؛ بل العمل على مذهبهم ليس رُكناً من
الإيمان، فلا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكُفر طاعة، وهُم مُرجئة هذه الأُمة، فكيف تحكم لنا
في ذلك اعتقاداً؟، ففكَّر الحسن في ذلك”.

“وقبل أن يجيب (الحسن)، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافراً
مطلقاً؛ بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى إسطوانة من إسطوانات
المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزلَنا واصل، فسُمِّيَ هو
وأصحابه المعتزلة”.

أما البغدادي؛ فيقول إن واصل بن عطاء زَعَمَ أنَّ الفاسِق من هذه الأُمَّة لا مؤمن ولا كافر، وجعل الفِسق في
منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان، وأن الحسن البصري لمَّا سمِع ذلك منه؛ طَرَدَه من مجلسه، وانضمَّ إليه
صديقه عمرو بن عبيد، فقال النَّاس فيهما: إنهما قد اعتزلا قول الأُمَّة، وسُمِّيَ أتباعهما من يومئذ مُعتزلة.

القواعد في مدرسة واصل الاعتزالية:-

  • أولاً: القول بنفي الصِّفات لله في الكِتاب والسُّنة، والحُجَّة في ذلك أنه يستحيل وجود إلهين قديمين
    أزليين، ومن أثبت معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين.
  • ثانياً: القول بالقَدَر، وهو أنَّ العبد هو الفاعل للخير والشَّر والإيمان والكُفْر، وهو المُجازى على فعله،
    والرَّب تعالى أقدره على ذلك، لأنَّه تعالى حكيم عادل، لا يجوز أن يضاف إليه شرٌ ولا ظُلم، ولا يجوز أن يريد من عباده خِلاف ما يأمر، ويحتِّم عليهم شيئاً ثم يجازيهم عليه، ويستحيل أن يخاطب العبد بإفعل
    وهو لا يمكنه أن يفعل.
  • ثالثاً: القول بالمنزلة بين المنزلتين، وهو أنَّ صاحِب الكبيرة في منزلة بين منزلتي الكُفر والإيمان، لا
    مؤمن ولا كافر، وحُجَّته أن الأيمان عبارة عن خصال إذا اجتمعت سُمِّيَ صاحبها مؤمناً، والفاسق
    مرتكب الكبيرة لم تجتمع فيه، لذا لا يسمَّى مؤمناً، وهذا القول هو أول أقواله التي جَهَرَ بها، وبسببه
    فارَقَ واصل بن عطاء أستاذه الحَسَن البصري.
  • رابعاً: قولة في الفريقين من أصحاب معركة الجَمَل، وأصحاب معركة صِفِّين أن أحدهما فاسق لا بعينه.

وفاة واصل:-

ذكر ابن خلكان أن وفاة واصل بن عطاء كانت سنة إحدى وثمانين ومائة للهجرة، والصواب أنها كانت في
إحدى وثلاثين ومائة للهجرة.

ابن خلكان يتحدث عن واصل بن عطاء
ابن خلِّكان صاحب “وفيات الأعيان”

مصادر ترجمته:-

الكامل في اللغة والأدب، ووفيات الأعيان وأنباء الزمان لابن خلكان، وتاريخ الإسلام ووفيات المشاهير
والأعلام للذهبي، البيان والتبيين، المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها.

https://www.bbc.co.uk/programmes/b01k2bv8

الوسوم

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق