أخبار العرب

الحرقة هند بنت النعمان .. الأميرة والشاعرة والراهبة

بارعة الجمال، فائقة الحسن، راجحة العقل، أميرة قومها، وهي أيضًا شاعرة فصيحة بليغة، أبوها هو ملك اللخميين، وأمها هي مارية الكِنْديَّة

بعد مُلكٍ عريضٍ، ومَجدٍ تليدٍ، تلقّفتها الأرضُ هائمةً على وجهها بحثًا عن الأمانِ، بعدما دارتْ عليها دائرةُ الأيامِ، لتصبح القلبَ النابضَ الذي ألهبَ الحماسةَ والحميةَ في شرايين القبائل العربية، إنها الحرقة هند بنت النعمان رَبيبةُ الحَسَبِ والنّسبِ، بهيّةُ الطّلعةِ، فصيحةُ اللسانِ.

من هي الحرقة هند بنت النعمان ؟

هي هند بنت النعمان بن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن مسعود بن مالك بن غنم بن نمارة بن لخم، اسمها الحرقة ، وهند هو لقبها الأميريّ، هي امرأة بارعة الجمال، فائقة الحسن، راجحة العقل، أميرة قومها، وهي أيضًا شاعرة فصيحة بليغة، أبوها هو ملك اللخميين، وأمها هي مارية الكِنْديَّة.

نشأت الحُرَقة في قصر أبيها النعمان بن المنذر ملك مملكة الحيرة، في رَغَدٍ من العَيش، تتقلّب في نعيم المُلك، حتى جاء اليوم الذي انقلبت فيه حياتها وحياة أبيها رأسًا على عَقِب، حينما طلبها كِسْرى أبرويزا ملك بلاد فارس للزواج، فرفض النعمان بن المنذر تزويجها من أعجميّ، مما أغضب كسرى وعزم على الانتقام منه لإهانته إياه.

موت النعمان ومعاناة هند :-

ادَّعى كسرى أنه تقبَّل رفض النعمان بن المنذر له بصدرٍ رَحب، ثم دعاه لزيارته فوافق النعمان على تَلبية الدعوة، إلّا أنه لم يَأمن كَيد كسرى فأَودع أهله وسلاحه عند هانئ بن مسعود الشيباني زعيم قبيلة بني شيبان.

حَبَس كِسْرى الملك النّعمان عنده حتى مات، فأفزع موته قبيلته وأهله ومنهم هند بنت النعمان بن المنذر التي راحت تَجوب البَيداء باحثةً عمّن يُؤيها و يحميها من بطش كِسرى الذي أرسل في بلاد العرب يطلب تسليم أهل النعمان وسلاحه ويحذِّر كل من يأوي هند بنت النعمان، وقد نظَمت هند في ذلك تقول:

موتى بُعَيْدَ أبيكِ كيف حياتُنــا .. والمَـــوتُ فهو لكل حيٍ مُرصَدُ

خَـــاب الرَّجَــا ذهب العـزا قــلَّ الوَفـا .. لا السَّهلُ سَهل ولا نجودٌ انجُدُ

جَمُدتْ عُيون الناس من عَبَراتها .. وقلوبهم صُمٌ صلادٌ جلمَدُ

رفض هانئ بن مسعود أن يُسلِّم سلاح النعمان إلّا إلى صاحبه حِفظًا للأمانة، بينما خَشِيَت قبائل العرب إيواء هند بنت النعمان، فاسْتجارت بصفيّة بنت ثعلبة الشيبانية، وهي حكيمة وشاعرة بني شيبان، وكانوا يدعونها بالحُجَيْجة لرَجَاحةِ عقلها، وهي أخت عمرو بن ثعلبة الشيباني الفارس المِغوار من بَني شيبان.

النعمان بن المنذر ملك الحيرة الداهية الشجاع، لقب بأبي قابوس، عرف بسرعة الغضب والتهور فكان يأخذ بالوشاية دون أن يتحقق منها، فتمكن منه الكارهين وسخط عليه كسرى
الحرقة فقدت أباها الملك.

الحُجَيْجَةُ تأوي هند بنت النعمان :-

أعلنتْ الحُجَيْجةُ أنها تَأوي الحُرَقةَ إلى جِوارها و طلبت إلى أخيها عمرو أن يدعمها، وصاحت هند بنت النعمان بن المنذر  في قومها تَحُثُّهم  أن يحموا جارتَهم العربيّة من بَطشِ كِسْرى الأعجميّ وظلمه، وألَّا يكونوا جُبناء مثل بعض القبائل الأخرى، وإلَّا تركتهم وطَلَبتْ الحماية لها وللحُرَقَة من غيرهم، فيلحقهم الذُّل والعار ما بَقوا، وفي هذا أنشدت الحجيجة تقول:

أحيوا الجــوارَ فقـد أمـاتَتْــه معــاً .. كــــلُّ الأعارب يابنى شيبانِ

ما العذر؟ قد نشدت جِوارى حُرّةٌ .. مغروسةٌ فى الدرِّ والمرجانِ

بنتُ الملوك ذوي المَمَالك والعُلى .. ذاتُ الجمال وصفوةُ النعمانِ

معركة ذي قار:-

ولما عَلِم كِسْرى بإيواء قبيلة بني شيبان لهند بنت النعمان وتجاهلهم لتهديده، أخذه الغرور والأَنَفة وأعلن الحرب على بني شيبان وأرسل جيشه لقتالهم وأَسْر هند والاستيلاء على أسلحة النعمان، لكن قبيلة شيبان لم تَخفْ، وكذلك زعيمها هانئ وفارسها عمرو والحجيجة التي فرحت ببَسالة فرسان قبيلتها الذين أعدُّوا العُدة لمواجهة جيش كسرى وحماية من يستجير بهم، وقالت في ذلك ابتهاجًا وفخرًا:

أنا الحُجَيْجَــةُ من قــوم ذوي شرفٍ .. أولــى الحفاظ وأهل العز والكرمِ

قولوا لكســرى أجـرنا جـــارةً فثوت .. في شامخِ العزِّ يا كسرى على الرُغُمِ

نحـــنُ الذيـن إذا قُمنـَـــا لداهـيــــةٍ .. لَــم نبتدعْ عندها شيئًا من الندمِ

نحوطُ جـــارَتنا من كُـــلِّ نائبــةٍ .. ونرفـــدُ الجارَ مايرضى من النعمِ

وأقبل جيش كسرى للنيل من قبيلة شيبان وإذلال الحرقة فكان جيش بني شيبان لهم بالمرصاد، فهزموهم وغنموا منهم مغانم كثيرة، فاستشاط كسرى غَضَبًا فأعدَّ جيشًا عظيمًا لإذلال بني شيبان ومَن جاورهم من العرب، ثم سار بجيشه قائدًا وجعل ابناه في المَيْمَنة والمَيْسرة وكان هو في القلب، فلما علمتْ قبائل العرب عزمت على مُؤازرة إخوانهم والانضمام إليهم في قتال كسرى، وتلك من سِمات الحمية عند العرب فكانوا يحمون الجوار ولو كان الثمن أرواحهم.

 وراحت صفية تدعو القبائل المجاورة وأهلها و تحثّهم على دعمهم لصدِّ عدوان كسرى بعدما عزم على سَفك دماء العرب، وكان من القبائل التي لبَّتْ نداءها: بنو حنيفة ، وبنو لجيم، وبنو عجل، وبنو ذهل، ثم اليَشكريون الذين أغاثوهم في آخر المعركة فانقضوا على جنود كسرى فأبادوهم وهُزموا شر هزيمة، وغَنم العرب من هذه المعركة الكثير من المغانم من الذهب واللآلئ و الإبل التي خلفها جنود كسرى.

و لم تكن معركة ذي قار يومًا واحدًا وإنما كانت أيامًا يدور فيها القتال بين العرب والفرس ومَن حَالفهم من العرب، وتغيرت فيها التحالفات نُصرةً للعرب حتى انتهت بهزيمة الفرس.

ولما كان من هزيمة كسرى و مقتل نَجْليه؛ لم يَجرؤ على الاقتراب من العرب أو قِتالهم، ولم يَجرؤ على ذلك أحد غيره من الأعاجم، فكان تآزر العرب عند الشدائد لحماية الجار المُستجير و حفظ نسائهم و غيرتهم رادعًا لكل معتدي.

مصير هند بنت النعمان بن المنذر بعد المعركة :-

كان من المروءة أن أيًا من فرسان القبائل الذين أغاثوا الحرقة ودافعوا عنها لم يطلبوا الزواج منها رغم جمالها، لكنهم حمّلوها بالهدايا والغنائم قبل أن تتركهم، وقد أوجزت الحرقة ما حدث لها في شعرها، فقالت هند بنت النعمان بن المنذر :

المجدُ والشرفُ الجسيمُ الأرفعُ .. لصفيةٍ في قومها يُتوقعُ

ذات الحِجَـــاب لغير يومِ كريهــةٍ .. ولدى الهياج يُحلُ عنها البرقعُ

لا أنسَ ليلـــةَ إذ نزلت بســوحهـــا .. والقلـبُ يخفقُ والنواظرُ تدمعُ

والنفسُ في غمــرات حزنٍ فـــادحٍ .. ولهى الفؤادِ كئيبة اتفجّعُ

مطــــرودةً مـن بعـد قتــل أبوّتــي .. مــــا إن أُجارُ ولم يسعني المضجعُ

ويئست من جــــارٍ يُجيرُ تكــــرمًا .. فأُجــرت و اندملت هناك الأضلعُ

وتواردوا حـــوضَ المنيّـــةِ دون أن .. تُسبـى خفيرةُ أختهم واستجمعوا

وألح كســـرى بالجنـــود عليهمُ .. وطميـــحُ يردفُ بالسيوفِ ويدفعُ

وهمُ عليــــه واردون بطرفهـــم .. والنصــرُ تحت لوائهم يترعرعُ

قررت هند بنت النعمان أن تلبس المُسوح، وهو زيٌّ ترتديه الراهبات المسيحيَّات، وتبني ديرًا صغيرًا لها بين الحيرة والكوفة و سُمي “دير هند الصغرى”؛ للتمييز بينه وبين دير هند بنت الحارث، وعاشت فيه حتى جاء الفتح الإسلامي بقيادة خالد بن الوليد.

تسامُح خالد بن الوليد مع الحُرَقة :-

لمَّا دخل خالد بن الوليد الحيرة قام بزيارة هند بنت النعمان بن المنذر في الدير، فأحْسن إليها وعرض عليها أن تدخل في الإسلام، إلا أنها اعتذرت عن تغيير دينِها بسبب كِبَر سنّها، فتسامح معاها القائد خالد وأمر لها بمعونة وكسوة، لكنها اعتذرت أيضًا عن قبول الهدية، وأخبرته عن عدم حاجتها إلى المساعدة، فقد كان لها عبدان يزرعان لها مزرعة تتقوَّت منها، فودّعت خالد و دَعَتْ له، فلما غادَرَها أقبل النصارى عليها لسؤالها عما فعل بها القائد المسلم، فأخبرتهم بقولها: “صان لي ذمتي وأكرم وجهي، إنما يُكرِم الكريمَ الكريمُ”

قصة مَنسوبة إلى هند بنت النعمان بن المنذر :-

قد تختلف الروايات للقصص التاريخية في بعض التفاصيل الصغيرة، إلا أنه لا يمكن نسب أحداثٍ قد تغير أو تشوه من واقع شخصيات مؤثرة ولها أدوار غيرت التاريخ، شاعت قصة على بعض المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي عن أن هند بنت النعمان بن المنذر قد تزوجت من الحجاج ثم طلقها، ثم تزوجت من عبد الملك بن مروان و تعمدت إهانة الحجاج، إلا أن هذا ليس صحيحًا، ولا تتناسب تلك القصة مع وقار و أصالة بطلة معركة “ذي قار” الكبرى، الشرارة التي ألهبت حماس العرب ليَهُبّوا لنجدتها وحمايتها بأرواحهم، وكانت سببًا لأكبر تحالف للعرب ضد الفرس، وربما كانت في قصة الحجاج هند أخرى، إلا أنها ليست هند بنت النعمان بن المنذر .

وفاتها:-

عمَّرت الحرقة هند بنت النعمان طويلًا إلى ما بعد الإسلام حتى عَمِيت، وقد ماتت في ديرها، وقُدِّرت وفاتها نحو سنة 74هـ.

اقرأ ايضاً النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:-

  • ابن الأثير الجزري، الكامل في التاريخ.
  • خير الدين الزركلي، الأعلام.
  • بشير يموت، شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام.
  • مشعل السديري، جريدة الشرق الأوسط، أحب النساء وأفخر بهن، 2018.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى