علماء وفلاسفة

هل أجهض الغزالي الفلسفة بعد اتهام أصحابها بالتهافت؟

أحد أكبر الشخصيات الفكرية والفقهية التي شهدتها الحضارة العربية الإسلامية، وقد تميزت هذه الشخصية عن سواها بالموسوعية والعمق في التناول

من هو الغزالي؟

أبو حامد الغزالي هو أحد أكبر متكلمي وفقهاء الإسلام على الإطلاق، وربما هو أكبرهم بالفعل، وقد حمَلَ لقَب “حُجَّة الإسلام” لما قدَّمه من مساهمات رأى فيها كثيرون أنها كانت كفيلة بمواجهة أصحاب الأفكار المتأثرة بالفلسفة اليونانية من قبيل الفارابي وابن سينا، والتي جاءت لتطرح أسئلة لم يألفها العقل المسلم.

ومن جهة ثانية؛ ينظر البعض الآخر إلى أبي حامد (1058-1111م) باعتباره ابن المؤسسة الرسمية، حيث كان بمثابة رأس الحربة للمدرسة الشافعية الأشعرية المتنباة من قبل السلطة السلجوقية عموما -التي هيمنت على مقاليد الخلافة العباسية التي باتت شكلية-وأحد أهم الأدوات التي استعان بها نظام الملك الوزير السلجوقي على وجه الخصوص وهو الذي أسَّس المدارس النظامية في بغداد ومحيطها.

الجغرافيا والتاريخ:-

عاش أبو حامد الغزالي في حقبة دقيقة من مسار الحضارة الإسلامية، فقد باتت الخلافة العباسية شكلية تحت ظل حكم السلاجقة، وكان المشرق الإسلامي يعاني من الهجمات والحروب والحملات الصليبية التي قصدت سواحل الشام ومصر، هذا فضلاً عن وجود جماعة الحشاشين وهي طائفة إسماعيلية نزارية تمركزت في منطقة شرق مركز الخلافة بزعامة حسن الصباح  (1049-1124 م)، والتي قامت باغتيال نظام الملك الطوسي (1018-1092م).

إذا فقد عاش الغزالي في فترة وهن وتشطي لجغرافيا الخلافة العباسية، وذلك في ظل وجود ممالك مستقلة عنها في الشام ومصر، وفي ضوء تنامي أثر الأفكار التي جاء بها فلاسفة الإسلام والتي تعارضت بشكل عام مع الطرح الفقهي السائدة في تلك الفترة.

وعملُ الغزالي يمتاز عن كُلِّ ما سبقه في محاربة الفلسفة، أنَّهُم اتخذوا موقف الدِّفاعِ عن الإسلام وعقائده، والاعتذار عن الدِّين الإسلامي، فكانت الفلسفة تهجِم على الإسلام وهؤلاء يدافعون عنه، وينفونَ التُّهَم الموجَّهَةِ إليه، ويحاولون أن يبرروا موقفه، ويلتمسوا العُذرَ لعقائده ونظرياته، فكأن علم الكلام كان جنّة تتلقى هجمات الفلسفة وتُحصِّن العقيدة الإسلامية، ولم يجترئ أحدٌ من المتلكلِّمين أن يُهاجِمَ الفلسفة ويوجعونها جرحاً ونقداً، فكان موقفهم موقف الدِّفاع عن قضية، وموقف الدفاع دائماً ضعيف، غايته أن يُسامِحَ المُتَّهَم ويعفي عنه، أمَّا الغزالي؛ فقد هاجم الفلسفة وتناولها بالفحص والنَّقد، وهَجَمَ عليها هُجوماً عنيفاً مبنياً على الدِّراسة والبحث العلمي، وحُجَّة مثل حُجَّةِ الفلسفة، وعقلٌ مثل عقلِ الفلاسفة الكِبار ومدوني الفلسفة، وألجأ الفلسفة أن تقِفَ موقف المُتَّهَم، وألجأ ممثليها وُحماتها إلى أن يقفوا موقف المُدافعين، فكان تطوُّراً عظيماً في موقف الدِّين والفلسفة، وكان انتصاراً عظيماً للعقيدة الإسلامية عادت به الثِّقة إلى نفوسِ أتباعها والمؤمنين بها وأزالت عنهم مهابة الفلسفة وسيطرتها العلمية.

— محمود بيجو، محقق كتاب “مقاصد الفلاسفة”، دمشق عام 1998 م.

تأثير مؤلفاته على الفكر:-

وفي مصنفه “تهافت الفلاسفة” ومن قبله “مقاصد الفلاسفة”؛ سعى أبو حامد فيهما إلى عرض آراء الفلاسفة المسلمين المتأثرين بأفلاطون وأرسطو وسواهما، ثم شرع في مهاجمة أفكار هؤلاء الفلاسفة (الفارابي ، ابن سينا) معتبراً أنهما تبنيا الطروحات اللاهوتية اليونانية دون أن يأخذا بعين الاعتبار تلك الظروف الدينية والأخلاقية التي عاش فيها فلاسفة الإغريق، كما اعتبر أنهما تبنيا تلك الطروحات المتعارضة مع الطرح العقدي الإسلامي، لكنه لم يعارضهما في تناولهما وتبنيهما للجوانب العلمية المستقاة من الإغريق.

وقد رأى منتقدو الغزالي بأنه ساهم في انحدار التفكير العقلاني الجدلي بين المسلمين، وهو الأمر الذي قاد الأمة إلى مزيد من التدهور الفكري والثقافي والسياسي الذي لا تزال تدفع ثمنه إلى اليوم. فهم يرون أن تأثير طروحات الغزالي وشخصه الموقر -الذي كان البعض يسافر له إلى بغداد من المغرب ليراه مثل الإمام المالكي الطرطوشي- كانت مهيمنة لدرجة دفعت السلطات السياسية والفقهاء في أطراف العالم الإسلامي فضلاً عن قلبه؛ للحض على ازدراء كتب الفلاسفة المسلمون وعدم قراءتها لئلا تؤثر على تفكيرهم العقدي، وهو الأمر الذي حال دون انتشار الفكر الفلسفي الذي يعتبر عماد التحضُّر، بل كان كذلك في حالة عصر النهضة الأوروبية بعد ذلك بقرون.

مؤثرات أخرى:-

لكن وفي مقابل ذلك؛ فقد غاب عن ذهن هؤلاء المنتقدين لأبي حامد جملة من العوامل التي أفضت إلى الانحطاط الشامل الذي تعيشه الأمة منذ ذلك الحين، ومن بين أبرز تلك العوامل:

  • تزايد الانقسام الطائفي الذي لم يقتصر على السُّنة والشيعة، بل الذي أصاب جماعات أخرى أيضاً، كما أن الفصيلين الرئيسيين في العالم الإسلامي أنتجا مدارس فقهية انشغلت في الردِّ على بعضها البعض، بالكتابة والخطابة أحياناً، وبالاقتتال في أحيان أخرى، مولية ذلك أهمية أكبر من ممارستها لدورها في تطوير العلوم المواكبة لمتطلبات العصر.
  • تزايد المخاطر التي تتهدد العالم الإسلامي الذي لم يهنأ في تلك الفترة في حالة من الاستقرار التي قد تفضي إلى تأسيس وتنفيذ مشروع تنموي، فالحروب والحملات الصليبية ساهمت في زيادة ضعفه، والتهديدات وعمليات الاغتيال المتلاحقة التي نفذها الحشَّاشون، أفضت أيضاً إلى تراجع أصاب الفكر والفلسفة والفقه وغيرها من صنوف العلم والأدب.
  • الانهيار الحقيقي للمنظومة الفكرية في العالم الإسلامي جاءت بعد وفاة الغزالي بنحو قرن ونصف، ففي عام 1258 م (656 هـ) اجتاح المغول العراق ثم الشَّام، ليعثيوا فساداً في هذه الجغرافيا التي تعتبر قلب العالمين العربي والإسلامي، كما أقدموا على الإجهاز على المكتسبات الحضارية التراكمية التي تم بناؤها في بغداد وخلافها من الحواضر وخصوصاً مكتبة بيت الحكمة التي كانت تضم الإرث المكتوب لأكبر العلماء والفلاسفة المسلمين وسواهم.

الغزالي ومرحلة الشك:-

أبو حامد الغزالي خاض غمار حرب مع نفسه، فقد تَرَكَ موقعه الرائد في بغداد كأحد كبار فقهائها، ثم اعتزل واختلى بنفسه في الشَّام نحو عقدٍ من الزَّمن، وهو الأمر الذي دفعه للتشكيك بقدرة العقل على الإدراك، ورغم مهاجمته في هذه الفترة للعلوم المستقاة من اليونان وسواهم، غير أنه عاد ليؤكد على أهميتها وحتمية التعامل معها، مستثنياً منها الأمور العقدية.

ويقول محُقق كتاب تهافت الفلاسفة، سليمان دنيا، في هذا الصدد: “لقد سجَّل الغزالي بشكِّه ظاهرةً فِكرية قدَّرها فيه وأكبره من أجلها رِجال الفلسفة، لقد حاول الغزالي بهذه الظَّاهرة أن يؤسِّس دعائم قوية يقيم عليها بناء المعرفة سليماً قوياً”.

وحينما تفرَّغ الغزالي طيلة عامين وذلك لقراءة الفلسفة والغوص في أسرارها بغية التأهب للرد على طروحات كل من ابن سينا والفارابي المتأثرة بدورها بالفكر الإغريقي؛ يتضح بأنه وأثناء قيامه بذلك (الغزالي) قد شكَّ في كثير من الأمور الحسية.

إذ يقول الغزالي في هذا الصدد: “فأقبلتُ بجدٍ بليغ، أتأمل المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها، فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضاً”.

ويضيف..” من أين الثقة بالمحسوسات، وأقواها حاسَّةُ البصر، وهي تنظر إلى الظِّل فتراه واقفاً غير متحرِّك، وتحكم بنفي الحركة؟ ثم بالتجربة بعد ساعة تعرف إنَّه متحرِّك، وأنَّه لم يتحرَّك دفعة بغتة، بل على التدرُّج ذرة ذرة، حتى لم تكن له وقوف”.

ويقول أيضاً : “تنظرُ إلى الكوكب؛ فتراه صغيراً في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدُلُّ على أنه أكبر من الأرض بمقدار”.

ثم عاد الغزالي للتأكيد على أهمية العلوم ودورها في الحياة مع ابقائه على أهمية تمييز الإلهيات عنها بقوله: “وأمَّا الرياضيات فلا معنى لإنكارها ولا المخالفة فيها، وأمَّا المنطقيات فهي نظرٌ في آلة الفكر في المعقولات، ولا يتفق فيها خلاف به مبالاة… أين من يدَّعي أن براهين الإلهيات قاطعة كبراهين الهندسيات؟”.

فإن قال قائلٌ قد فصَّلتم مذاهب هؤلاء، أفتقطعون القول بكُفرهِم ووجوب القتل لمن يعتقد اعتقادهم، قُلنا: تكفيرهم لا بدُّ منه في ثلاث مسائل أحدها مسألة قِدَم العالم، وقولهم: إن الجواهر كُلَّها قديمة، والثَّانية قولهم: إن الله لا يُحيطُ عِلماً بالجزئيات الحادثة من الأشخاص، والثالثة في إنكارِهم بعث الأجساد وحشرها، فهذه المسائل الثلاثة لا تلائم الإسلام بوجه، ومعتقدِها معتقد كِذب الأنبياء، وأنهم ذكروا ما ذكروه على سبيل المصلحة تمثيلاً لجماهير الخلق وتفهيماً، وهذا هو الكُفر الصُراح الذي لم يعتقده أحدٌ من المسلمين، فأمَّا ما عدا هذه المسائل الثلاثة من تصرُّفِهِم في الصِّفات الإلهية واعتقاد التوحيد فيها؛ فمذهبهم من مذاهب المعتزلة، ومذهبهم في تلازم الأسباب الطبيعية هو الذي صرَّح المعتزلة به في التولُّد وكذلك جميعَ ما نقلناه عنهم قد نَطَقَ به فريقٌ من فرقِ الإسلام، إلَّا هذه الأصول الثلاثة، فمن يرى تكفير أهل البدع من فرق الإسلام يكفِّرهم أيضاً به، ومن يتوقَّف عن التكفير يقتصر على تكفيرهم بهذه المسائل.

— الغزالي في خاتمة كتاب “تهافت التهافت”.

الخلاصة:-

أبو حامد الغزالي يعتبر أحد أكبر الشخصيات الفكرية والفقهية التي شهدتها الحضارة العربية الإسلامية، وقد تميزت هذه الشخصية عن سواها بالموسوعية والعمق في التناول، كما تميزت بمرورها في أطوارٍ متباينة وتقلبات ألقت بظلالها على طبيعة إنتاجها الفكري.

يرى البعض أن هجومه على الفلسفة الإغريقية جاء من خلال قراءته لمؤلفات الفارابي وابن سينا، أي من خلال قناة وسيطة، وهو ما قلل من فرص حكمه عليها بشكل مباشر أو أكثر دقة، فيما يرى آخرون أن الحقبة التاريخية الدقيقة التي كان يمر بها العالم الإسلامي آنذاك؛ كانت تستوجب ردَّاً قوياً مثل الذي تبناه الغزالي في معرض هجومه على الفلاسفة، خصوصاً في الطروحات ذات الطبيعة الإلهية، فيما يذهب رأي آخر للتأكيد على خطورة تكفير أصحاب هذه الأفكار لما ينطوي على ذلك الحُكم من تشريع في قتلهم أو قتل معتنقي أفكارهم.

فيما يتعلق بالجانب العلمي من مساهمات الفلاسفة اليونانيين ومن بعدهم المسلمين؛ كان موقف الغزالي منها سلبياً في مرحلة ما من مسيرته قبل أن يستدرك بالتأكيد على ثبوتيتها وعدم جدوى التشكيك فيها.

عموماً؛ حقبة الغزالي وأفكاره وشخصه تعتبر علامة فارقة في التاريخ العربي الإسلامي، ساهمت في بناء وبلورة تصورات مختلفة ومتباينة حيال الأفكار التي كانت مطروحة آنذاك وامتدت بتداعياتها إلى اليوم، وبين هذا وذاك؛ تولَّى الفيلسوف ابن رشد الردَّ على بعضها في كتابه “تهافت التهافت” مستعيناً باطلاعه الدقيق على مصنفات أرسطو، حيث كان أكثر الشخصيات الإسلامية فهماً وشرحاً لها وتعليقاً عليها، وهو الأمر الذي قد لم يتسنَ لكل من الفارابي ومن بعده ابن سينا.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى