أعلام

نفطويه .. العالم بالعربية والحديث والسير

كذلك الحبُّ لا إتيان معصيةٍ لا خيرَ في لَذَّةٍ مِنْ بعدها سَقَرُ

نفطويه :-

إبراهيم بن محمد بن عرفة ، أبو عبد الله العَتَكِيُّ الواسطي، لُقِّبَ نفطويه لأنه كان دميم الخِلْقَة؛ تشبيهاً بالنِّفط، فرغم جلالة قَدْرِه تغلبُ عليه سذاجة الملبس، فلا يعتني بنفسه، وزِيْدَ مقطع وَيْه؛ نسبة إلى سِيْبَوَيْه؛ لأنه كان يجري على طريقته ويُدرِّس كتابه، وُلِدَ في مدينة واسط العراقية سنة 244هـ.

مكانة نفطويه العلمية:-

كان عالماً بالعربية واللغة والحديث، وكان حسن الحفظ للقرآن الكريم، وكان حسن المجالسة للخلفاء والوزراء، متقن الحفظ للسير وأيام الناس وتواريخ الزمان ووفاة العلماء، وكان ذا سُنَّةٍ ودينٍ، له مروءة وفُتُوَّة وحسن خُلُق.

 أخذ نفطويه العربية عن ثعلب والـمُبَرِّد وغيرهما، وتفقَّه على داود الظاهري، روى عنه أبو عبيد الله الـمَرْزُبَانِيُّ وأبو الفرج الأصفهاني وابن حَيُّوْيَه وغيرهم.

إمام أهل النحو في زمانه المبرد .. كان أحد تلاميذ أبي عثمان المازني
إمام أهل النحو في زمانه المبرد

كان نفطويه يُنكر الاشتقاق ويرى فساده، وكان يقول من الشعر المقطعات في الغزل وما يجري مجراها كما يقول المتأدبون، ولم يكن بشاعر، ومن شعره هذه الأبيات:

قلــبــي أرقُّ عليــــكَ مِـنْ خدَّيْكـــا .. وقِــــوَايَ أوهى مِنْ قِوَى جفنَيْكا

لِمَ لا ترقَّ لِمَنْ يُعَــذِّبُ نفسَــــهُ .. ظـــلمــاً ويعطفُهُ هـــواه عليكا

ومنه هذه الأبيات:

كم قد خـلَوْتُ بِمَنْ أهــوى فيقنـعنـي .. منـه الفكاهةُ والتَّحديثُ والنَّظرُ

أهوى الـمِلاحَ وأهوى أَنْ أُجالِسَهُم.. وليس لي في حرامٍ منهم وَطْرُ

كذلك الحــــبُّ لا إتيــان مــــعصيــة .. لا خيرَ في لَذَّةٍ مِنْ بعدها سَقَرُ

وأنشد أيضاً

إن الــذي أبْقَيْـــتَ مِــنْ جِـسـمــــهِ .. يــا مُتْلِــفَ الصَّب ولـم يَشْـعُر

صُبـَابـــــةٌ لــو أنَّهـــا دْمـعــــةٌ .. تَجُـــــولُ في جَفْنِـكَ لـم تَقْطُـر

أقوال العلماء فيه:-

  • قال عنه الذهبي: “كان كثير العلم، واسع الرواية، صاحب فنون”.
  • قال عنه الزُّبيدي: “كان نفطويه أديباً متفنِّناً في الأدب، حافظاً لنقائض جرير والفرزدق وشعر ذي الرُّمة وغيرهم من الشعراء، وكان يروي الحديث، وكان ضيِّقاً في النحو، وكان يخضِب رأسه ولحيته إلى أن مات، وكان سمج المنظر..”.
  • وعنه أيضاً؛ قال محمد بن إسحاق النديم في كتابه”.. وكان طاهِر الأخلاق، حسَن المجالسة، وخلَطَ نحو الكوفيين بنحو البصريين، وكان مجلسه في مسجد الأنبارييِّن بالغَدوات، وتفقَّه على مذهب داود ورأس فيه”.
  • قال عنه الدار قطني: ” لم يكُن بالقوي في الحديث”، ثم يقول ” لا بأس به”.
  • قال ابن الجَزري: ” كان صدوقاً”.
  • قال عنه المسعودي: ” أحسن أهل عصره تأليفاً وأصلحهم تصنيفاً”، وقال أيضاً عن كتابه “التاريخ” المفقود: ” محشوٌ من مَلاحة كتب الخاصَّة مملوءةٌ من فوائد السَّادة”.
  • وقال ياقوت الحموي: “كان نفطويه عالماً بالعربية واللغة والحديث؛ أخذ عن ثعلب والمبرد، وكان زاهر الأخلاق، حسن المجالسة، صادقاً فيما يرويه، حافظاً للقرآن، فقيهاً على مذهب داود الظاهري رأساً فيه؛ مسنداً للحديث، حافظاً للسير وأيام الناس والتواريخ والوفيات، ذا مروءة وظرف. جلس للإقراء أكثر من خمسين سنة، وكان يبتدئ في مجلسه بالقرآن على رواية عاصم، ثم يقرئ الكتب، وكان يقول: سائر العلوم إذا مِتُّ، هنا من يقوم بها، وأما الشعر، فإذا مِتُّ مات على الحقيقة. وقال: من أغرب عليَّ بيتاً لجرير لا أعرفه فأنا عَبْدُه”.
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..

نفطويه.. علم وأخلاق:-

أجمع معاصرو نفطويه على حُسن خُلُقِه ونقاء سريرته، وهو الأمر الذي تناوله أيضاً ممن جاء لاحقاً له من المؤرخين.

فقد كان نفطويه حَسَن المجالسة للخلفاء والوزراء، متقن الحفظ للسير وأيام الناس وتواريخ الزمان، ووفاة العلماء، وكانت له مروءة وفتوة وظرف، بحسب ماقاله عنه أحمد بن كامل القاضي.

وزاد القاضي” وكان أيضاً يخصِب بالوسمة، وكان من طهارة الأخلاق، وحُسن المجالسة والصدق فيما يرويه على حال ما شاهدتُ عليها أحداً ممَّن لقيناه، وكان يقول: جلستُ إلى هذه الأسطوانة منذ خمسين عاماً” ( هي مجلسه بجامع المدينة).

أفاد أبو عبد الله بن الأعرابي العديد من طلبة العلم، الذين توافدوا عليه من شتى بقاع الأرض.
بغداد التي كانت مقراً للعلم والعلماء

وكان حَسَن الحفظ للقرآن الكريم أوَّلَ ما يبتدىء به في مجلسه بمسجد الأنبارييِّن بالغدوات إلى أن يُقرئ القرآن على قراءة عاصم، ثم الكتب بعدها.

وكان مسنداً في الحديث، ثقة صدوقاً، لا يُعلق عليه بشيء من سائر ما روَوه.

وقد كان فقيهاً عالماً بمذهب داود الأصبهاني، رأساً فيه، وقد سلَّم له ذلك جميع أصحابه.

كتب نفطويه:-

  1. البارع.
  2. غريب القرآن.
  3. إعراب القرآن.
  4. المقنع في النحو.
  5. الاستثناء والشرط في القراءة.
  6. الوزراء.
  7. الـمِلَح.
  8. الأمثال.
  9. تاريخ الخلفاء.
  10. الرد على المفضَّل في نقضه على الخليل (الفراهيدي).
  11. الاقتضابات.

وفاته:-

توفِّيَ نفطويه يوم الأربعاء في السادس من شهر صَفَر من سنة 323 هجرية، ودُفِن يوم الخميس في مقابر باب الكوفة ببغداد، وقد صلَّى عليه حينها رئيس الحنابلة، البربهاري.

وفي رواية ثانية، قيل: إنه دفِن في يوم وفاته الأربعاء المذكور، وذلك بعد طلوع الشمس بساعة.

وكان له من الشعر المؤثر قوله:

تشكُــو الفِــراقَ وأنـتَ تُـزمِـــعُ رِحلةً.. هلَّا أقمـــتَ ولـــو على جَمــر الغَضَا

فالآن عُـــذ بالصّـَبرِ أو مُــت حســـرةً.. فعسى يــردّ لك القَضَــــا ما قد مَضَــى










المصادر:

  • الأعلام (1/61).
  • إنباه الرواة على أنباه النحاة (1/211/رقم 106).
  • بغية الوعاة (1/428/رقم 868).
  • سير أعلام النبلاء (15/75/رقم 42).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (4/122).
  • العبر في خبر من غبر (2/29).
  • معجم الأدباء (1/114/رقم 32).
  • النحو والنحاة، المدارس والخصائص، خضر موسى حمود.
  • الأمالي، أبو علي القالي.
  • موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى