أعلامانفوجرافيكس

نظام الملك .. الوزيرُ العاقل المحب للعلماء

قام بتأسيس المدارس النظامية التي أشاعت العلوم في العراق وفارس

قامت الدولة السلجوقية في إيران والعراق، بدءاً من القرن الخامس الهجري وذلك على يد طغرل بك، لتُعيد للخلافة العباسية بعض هيبتها الغابرة، ولترجع لها جزءًا من نفوذها المفقود، وكان السلاجقة يرون في نظام الخلافة السّنّية رمزًا دينيًا يعبر عن الوحدة والقوة، فأحاطوها بمظاهر التقدير والتكريم.
وبعد وفاة  طغرل بك سنة 455 هـ؛ تولى ابن أخيه  ألپ أرسلان حكم السلاجقة بمساعدة أحد أبرز الشخصيات السياسية في الثقافة الإسلامية، وهو الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، المشهور باسم نظام الملك.

 نظام الملك – التعريف بالشَّخصية:-

الوزير الكبير، نظام الملك، قوام الدين، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، عاقل، سائس، خبير، سعيد، مُتديِّن، محتشم، عامر المجلس بالقراء والفقهاء” كذلك عرّفه الإمام شمس الدين الذهبي (1274-1348 م) في سير أعلام النبلاء، وكذلك شهد له كافة المترجمين والمؤرخين، بالعلم والصلاح في الدين والدنيا.

ولد نظام الملك سنة 1018م في طوس، الواقعة في إقليم في خراسان (إيران حاليا)، وكان وزيرا صالحا ويعتبر من أعظم الشخصيات التاريخية، التي كان لها دور كبير في خدمة الشريعة والثقافة الإسلامية، سواء على صعيد الحكم والإدارة أو على صعيد التأليف والبناء.

شخصيته وأخلاقه:-

قال عنه المؤرخ الكبير ابن الأثير (1163 – 1239 م)، في صدد حديثه عن أخلاق الرجل ومحاسنه: ؛ “وأما أخباره، فإنه كان عالم دين، وجوادة عادلا، حليمة، كثير الصفح عن المذنبين، طويل الصمت، كان مجلسه عامرا بالقراء، والفقهاء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح، كان من حفظة القرآن، ختمه وله إحدى عشرة سنة واشتغل بمذهب الشافعي، وكان لا يجلس إلا على وضوء، وما توضا إلا تنفل، وإذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وتجنبه فإذا فرغ لا يبدا بشيء قبل الصلاة، وكان إذا غفل المؤذن ودخل الوقت أمره بالأذان، وهذا قمة حال المنقطعين للعبادة في حفظ الأوقات، ولزوم الصلوات، وكانت له صلة بالله عظيمة، وكان يواظب على صيام الإثنين والخميس.”

أثره في النهوض بالحركة العلمية والأدبية:-

 بذل الوزير نظام الملك جهداً واضحاً في سبيل النهوض بالحركة العلمية والأدبية وكان محبا لأهل العلم، كثير الإحسان إليهم، حتى إنه رتب لهم مخصصات مالية ثابتة تصرف لهم بانتظام.

وكان يقوم بصرف مرتبات ثابتة لاثني عشر ألف رجل من رجال العلم في مختلف انحاء الدولة الإسلامية، وكان مجلس الوزير نظام الملك يضم فحول العلماء في شتى فنون المعرفة.

كما وقام بإنشاء المكتبات وزودها بالكتب، فكانت سوق العلم في أيامه -كما يقول ابن الجوزي- قائمة والعلماء في عهده مرفوعي الهامة ، وقام بتأسيس المدارس النظامية، وقد انتشرت في كل من بغداد، البصرة، الموصل، أصفهان، آمل، طبرستان، مرو، نيسابور، هراة، بلخ، وكان ذلك في عهد السلطان السلجوقي ألب ارسلان.

التصور النظري للدولة عند نظام الملك:-

كان نظام الملك مؤمنا بالإسلام مقدسا لتعاليمه، شغوفا بعلومه محترما لأعلامه حتى صار دينه ودولته على السواء، كل منهما يكمل الآخر كما تستكمل الأرض بالسماء، ولفرط تثمين النظام للدين وشدة دفاعه عن الدولة بحرارة؛ فإنه رأى الدولة بمثابة وسيلة من وسائل نشر الإسلام وإذاعته بين الناس.

وقد ظهر علماء کرام في عهد النظام، بينوا ارتباط الدين بالدولة، بحيث صار وسيلة لها وغاية في آن واحد، فـالإمام الغزالي والماوردي يقولان: “إنه ليس دین زال سلطانه إلا بدلت أحكامه وطمست أعلامه وكان لكل زعيم فيه بدعة، كما أن السلطان إن لم يكن على دين تجتمع به القلوب حتى يرى أهل الطاعة فيه فرضا والتناصر له حتما”، وقيل أيضا : “الدین أس والسلطان حارس، وما لا أس له فمهزوم وما لا حارس له فضائع.”

تدشين المدرسة النظامية ببغداد:-

وقد روى ابن خلِّكان أنَّ المدرسة النِظامية ببغداد قد شُرِعَ في بنائها سنة 457 هجرية، وفُتِحَت يوم السَّبت عاشر ذي القعدة من سنة 459 هجرية.

ولفت إلى أنَّ نِظام الملك قد أصدر أمره بتعيين كبير فقهاء الشَّافعية في بغداد أبي إسحاق الشيرازي للتدريس فيها، وقد اجتمع النَّاسُ يوم الافتتاح للاستماع إلى أول درسٍ يُلقيه، ولكن أبا إسحاق – لأمرٍ ما- اختفى في ذلك اليوم ولم يحضُر إلى المدرسة، فعَيَّن مكانه عالم آخر لا يقلُّ عنه شأناً ومكانةً، وهو أبو نصر ابن الصَّباغ.

كبار علماء التاريخ الإسلامي ظهروا في الحقبة السلجوقية وما قبلها
كبار علماء التاريخ الإسلامي ظهروا في الحقبة السلجوقية وما قبلها

وبعدَ أيَّام؛ ظهر الشَّيخ أبو إسحاق في مسجده، وكان أصحابه وتلاميذه قد آلمهم أن يُولَّى منافسه ابن الصبَّاغ للتدريس في النِّظامية، فأعلنوا غضَبَهُم من شيخهم، وانفضُّوا عن دروسه احتجاجاً، ثم راسلوه، وما زالوا يقنعونه بأن يقبل وظيفة الأستاذية بالنِّظامية، وهددوه أن ينفضُّوا من حوله وينضموا إلى ابن الصبَّاغ إن هوَ أصرَّ على موقفه، فأذعن الشيرازي لرأيهم، وقَبِلَ المنصب، وشرع بالتدريس في النِّظامية، فيما تم عَزْل ابن الصباغ وذلك بعد أن درَّس فيها نحو عشرين يوماً.

وكان رجالُ هذه المدرسة جميعاً من العلماء البارزين، إذ تُجمِعُ المصادر على وصفهم بالفضل والعِلم والتقوى والقدرة على التأليف والإنتاج.

وفاة الوزير نظام الملك:-

تحدث الفقيه العلاّمة تاج الدين السُّبكي ( 1327 – 1370 م) في كتاب طبقات الشافعية عن الظروف التي مات فيها نظام الملك، إذ ذكر أنه في اليوم العاشر من رمضان عام 485 هـ؛ خرج نظام الملك مع السلطان ملكشاه من أصبهان قاصدا بغداد، فاجتاز في بعض طريقه بقرية بالقرب من نهاوند، وحان وقت الإفطار فصلى نظام الْملك الْمغرب فِي هَذِه اللَّيْلَة وَجلسَ على السماط وَعِنْده خلق كثير من الْفُقَهَاء والقراء والصوفية وَأَصْحَاب الْحَوَائِج.

فلما أفطر؛ جاءه صبي ديلمي في هيئة مستغيث ومعه قِصَّة، فدعا له الصبي وسأله تناولها، فمد نظام الملك يده ليأخذها فضربه الصبي بسكين في فؤاده، وهرب الصبي فعثر في طُنُب الخيمة فأخذ فقُتل، وَجَاء السُّلْطَان ملكشاه حِين بلغه الْخَبَر مظْهرا الْحزن والنحيب والبكاء وَجلسَ عِنْد نظام الْملك سَاعَة وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ حَتَّى مَاتَ، فَعَاشَ سعيدا وَمَات شَهِيدا فقيدا حميدا، بحسب ما أورده السبكي، وكان الصبي الديلمي أحد أفراد فرقة الحشاشين التي اشتهرت آنذاك باغتيال الشخصيات البارزة.

نظام الملك ترك وراءه إرثاً كبيراً
نظام الملك ترك وراءه إرثاً كبيراً












المصادر:

  • تاج الدين السبكي 1413هـ: طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق محمود محمد الطناحي، هجر للطباعة والنشر والتوزيع.
  • علي محمد محمد، 2006: دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي، مؤسسة اقرأ.
  • شمس الدين الذهبي، 1985: سير اعلام النبلاء، تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة.
  •  جمال الدين الشيَّال، أبو بكر الطرطوشي العالم الزَّاهِد الثائر.
الوسوم

Amina

آمنة شاهدي، من مواليد سنة 1996، مغربيةُ الجنسيةِ؛ كاتبة محتوى عربي وأجنبي، حاصلة على شهادتيّ البكالوليوس في الفلسفة، والماجستير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، مهتمةٌ بالقضايا الفكريةِ والفلسفيةِ وكلّ ما يتعلق بالآدابِ والفنون، قديمها وحديثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق