معلومات تاريخية

نساء الأندلس حظين بمكانة بارزة خلال عصر الطوائف

نافست الرجل في المجال الثقافي، ولعبت درواً هاماً في التقدم العلمي الذي عرفته البلاد

توطئة:-

شهد القرن الخامس الهجري ( الحادي عشر الميلادي) نهاية عصر الخلافة في الأندلس، حيث انقسمت البلاد إلى عدة إمارات صغيرة، تولى حكمها مجموعة من الملوك سموا بـ “ملوك الطوائف”.

وانعكست هذه الأوضاع على مناحي الحياة، خاصة الجانب الثقافي منها، حيث انتشرت عدة مراكز ثقافية في مختلف المدن، بسبب تنافس ملوك الطوائف في إنشائها ودعمها، وهو ما عزز من منسوب الثقافة السائدة بين رجال و نساء الأندلس .

  وكان لهذا التنافس دور كبير في ازدهار المراكز  الثقافية، حيث تنقل العلماء والأدباء بين المدن لإعطاء الدروس وإلقاء المحاضرات.

استفادة نساء الأندلس من الازدهار الثقافي:

 لم يكن الرجال وحدهم المستفيدون من هذا الازدهار الثقافي، فالمرأة الأندلسية أيضاً نالت حظها منه، حيث كان لها حضور وازن في الكثير من المجالس العلمية والندوات الأدبية.

 ليس هذا فقط؛ بل إن بعض النساء تنقلن بين مدن الأندلس المختلفة طلباً للعلم، وحظين بمكانة لائقة في الحياة الإجتماعية، وذلك نظرا للحرية التي كانت متاحة لهن في البلاد مقارنة مع باقي مناطق العالم الإسلامي.

ازدهار الحياة الثقافية في عصر الطوائف:-

قطعت الحياة العلمية أشواطا مهمة خلال القرن 4 هـ / 10 م ، وانعكس ذلك بشكل ايجابي على عموم مدن الأندلس، حيث ظهرت نتائجها الواضحة في عصر ملوك الطوائف.

ففي عصر الطوائف؛ نشطت الحركة الثقافية بالرغم من الفرقة السياسية، ويرجع ذلك إلى اهتمام الملوك بالجانب الثقافي، وتنافسهم على رعايته.

 وخلال هذه الفترة؛ برز دور المرأة بشكل كبير، حيث شاركت في أغلب ميادين الحياة، ونافست الرجل في المجال الثقافي، ولعبت دوراً هاماً في التقدم العلمي الذي عرفته الأندلس خلال هذه الفترة.

المرأة المسلمة

الاهتمام بتعليم نساء الأندلس :

  أولى المجتمع الأندلسي اهتماماً كبيراً بتعليم المرأة، وساهم إقبالها عليه ورغبتها الشديدة في طلب العلم والمعرفة؛ في تعزيز هذا الأمر.

  فقد كانت بعض النسوة يتلقين تعليمهن في منازلهن، حيث كانت العادة لدى أمراء الأندلس تقضي بأن ينتدب كل أمير معلمات لتأديب وتعليم بناته ونسائه.

  كما كان للآباء والأزواج دور كبير في ذلك أيضاً، حيث كان بعضهم يشرف على تعليم بناته أو زوجاته، كحالة ابنة فايز القرطبي ( توفي 1073 م ) التي درست على يد أبيها، ثم أكملت التعليم على يد زوجها أبي عبدالله بن عقاب.

 وفيما بعد؛ تطورت الوضعية في الأندلس، حيث أصبح بإمكان النسوة أن يتلقين تعليمهن خارج دائرة الأسرة، وذلك على يد نساء أخريات ممن تمتلكن قدراً كافياً من المعرفة.

نساء اشتهرن بمعرفتهن الواسعة:

تنقل المصادر التاريخية أسماء الكثير من النساء اللاتي حظين بتعليم متميز خلال عصر ملوك الطوائف في الأندلس .

ومن أشهرت الحالات ابنة المعتصم بن صمادح (1051 م -1091 م ) حاكم ألمرية التي  تلقت تعليماً جيداً بفضل اهتمام أبيها، بعدما رأى فيها من نبوغ وذكاء وصل إلى درجة نظم الشعر والإبداع فيه.

  كما ساهمت مريم بنت يعقوب الأنصاري بتعليم النساء، و تولت ولادة بنت الخليفة محمد بن عبد الرحمان الملقب بالمستكفي (976– 1026م) تعليم إحدى صديقاتها واسمها المهجة بنت التياني القرطبي.

الجواري ينلن حظهن من التعليم في الأندلس أيضاً:

كان للجواري الأندلسيات أيضا حظهن من التعليم خلال هذا العصر، حيث تنقل كتب التاريخ قصة مفادها أن المعتصم بن صمادح رفض شراء جارية قبل امتحانها على يد أحد العلماء.

 ولما ظهر أنها متعلمة وراوية للشعر، وتمتلك معرفة تمكنها من إلقاء المحاضرات؛ وافق على شرائها.

المرأة تبرع في بعض العلوم:

 وأقبلت نساء الأندلس على دراسة مختلف العلوم كالأدب وأصول الفقه ومعانيها، وأسهمت في الحياة الثقافية وذلك من خلال مشاركتها في حفظ القرآن وتلاوته وتفسيره وكتابة مصحفه.

صورة للقران الكريم

 واشتهرت خلال هذه الفترة ابنة فايز القرطبي بتلاوتها للقرآن في مدينة بلنسية أمام أبي داوود البلنسي المختص في القراءات، إضافة إلى إلمامها الكبير بالتفسير.

 تضاف إليها؛ طوفة بنت العزيز المعروفة بحبيبة (1045– 1123 م) التي عرفت بجمال الخط ودقته، وبمهارتها الكبيرة في كتابة المصاحف وتلاوة القرآن.

وفي ميدان الحديث الشريف؛ برزت أمة الرحمان بنت أحمد ( توفيت 1048 م ) التي روت عن أبيها، وبرزت أيضاً ابنة فايز القرطبي في ميدان الفقه.

ألقاب خاصة لبعض نساء النابغات في الأندلس :

 وبلغت المرأة من النبوغ؛ لدرجة إطلاق بعض الألقاب على بعضهن من طرف أهل الأندلس، كحالة  حمدة أو حمدونة وأختها زينب ابنتا زياد بن بقي المؤدب من وادي آش اللتان لقبتا بالعربيات، نظرا لقدرتهن على صياغة مفردات اللغة العربية.

 كما اشتهرت العبادية  جارية المعتضد بن عباد بإجادتها للغة العربية وآدابها، إضافة إلى إشراق السويداء من أهل بلنسية التي أخذت عن مولاها بعض علوم اللغة مثل النحو وعلم العروض الذي تفوقت فيه ، فأطلق عليها أهل الأندلس لقب العروضية .

الشعر يجتذب نساء الأندلس :

برزت في الأندلس مجموعة من نساء اللاتي اشتهرن بقدرتهن الفائقة على نظم الشعر، مثل ولادة بنت الخليفة المستكفي التي اقترن اسمها مع الوزير أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون ( توفي عام 1070 م )، ورفيقتها مهجة بنت التياني القرطبي، إضافة إلى اعتماد الرميكية جارية المعتمد بن عباد ( 1040 م – 1095م ) التي أعجب بها وتزوجها.

 واشتهرت أيضا؛ مريم بنت يعقوب الأنصاري التي سكنت اشبيلية، وأم الكرام بنت المعصتم بن صمادح في بلنسية، والغسانية البيجافية في بجافة إحدى أقاليم ألمرية.

خلاصة:

حظيت نساء الأندلس مكانة كبيرة في عصر الطوائف، ولعبن أدواراً بارزة  في الحياة الثقافية.

وكان للنساء العديد من الإسهامات في الأدب والشعر إضافة إلى كتابة المصاحف، حيث تنقل المصادر التاريخية أن الأندلس كانت فيها حوالي مئة وسبعين امرأة ممن يكتبن بالخط الكوفي.

اقرأ هنا كيف ترسخت المدرسة الفقهية المالكية في المغرب والأندلس؟

المصادر :

Book vector created by brgfx – www.freepik.com

aziz

عزيز سليمان من مواليد عام 1988، مغربي الجنسية، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجغرافيا عام 2013، وعلى شهادة التربية والتكوين عام 2015، ويعمل مدرسا لمادة الاجتماعيات منذ 2015. كاتب محتوى عربي، مهتم بالقضايا التاريخية والثقافية والحقوقية والتربوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى