نوادر العرب

ندمانا جذيمة الأبرش .. أشهر من خَدَم ملوك العرب

يعتبر الأبرش أعظم ملوك العرب في الجاهلية

كانت من عادة الملوك أن يكون لها ندماء، والنديم هو الصاحب على الشراب والمسامر، وكانت منادمة الملوك شرف كبير، وقد اشتهر من هؤلاء ندمانا جذيمة الأبرش لدرجة أنهما صارا مضرب الأمثال، فما هي قصة ندمانا جذيمة؟

وقبل كل شيء؛ ينبغي الإشارة إلى أن جذيمة الأبرش يعتبر أول ملوك الحيرة (233-268 م)، وعدّهُ البعض أعظم ملوك العرب في الجاهلية، فقد اشتهر بحكمته وفصاحته وطلاقة لسانه، وهو أزدي الأصل.

زواج رقاش من عدي بن نصر.1

تبدأ قصة ندمانا جذيمة الأبرش بزواج رقاش شقيقة جذيمة من عدي بن نصر.

كان عدي بن نصر رجلًا فيه جَمال وظرف، وقد جعله جذيمة الأبرش في مجلِس شرابه، وقرّبه منه، فرأته أخت جذيمة رقاش، فأعجبت به، وبعثت إليه ليخطبها من أخيها، فقال لها: إنه لا يجرؤ على ذلك.

فقالت له رقاش :”إذا كنت في مجلس شرابه، فاسقه صرفًا – خمرًا غير مخلوطة بشيء ليسرع فيه السُكر- وامزج لغيره، فإذا أخذت الخمر منه مأخذها، فأخطبني، فإنه لن يردك، فإذا فعل فأشهد القوم عليه”.

فلما فعل كما قالت رقاش، زوجه جذيمة بها.

فجاءها وأخبرها بما حدث، ثم دخلا في هذه الليلة.

فلما أصبح عدي بن نصر وذهب إلى جذيمة الأبرش وجد عليه آثار العرس، فسأله عرس من؟ فقال رقاش.

فاستشاط جذيمة غضبًا وهرب عدي خوفًا منه.

ثم بعث إلى رقاش ليسألها قائلًا:

خبريني رقاشُ لا تكذبي … أبحُرٍّ زنيت أم بهجين

أم بعبد فأنت أهل لعبدٍ … أم بدونٍ فأنت أهل لدونِ

فقالت له إنه زوجها دون علمها، وجاءت النسوة لتزينها، وذلك بسبب شربه الخمر صرفًا.

فحبسها في قصر بعيدًا عن أعين الناس، ثم إن رقاش حملت من عدي في تلك الليلة، وولدت عمرًا.

عمرو بن عدي.2

كان عمرو بن عدي غلامًا ذكيًا وقد أحبه خاله جذيمة الأبرش حبًا شديدًا، وذلك أن أمه بعدما ترعرع وشب؛ ألبسته أفضل الثياب، وجعلته يزور خاله جذيمة، فأحبه وقرّبه.

وفي إحدى المرات؛ خرج جذيمة مع أهله في موسم الكمأة -فطر يؤكل مطهياً- وكان الأولاد يجمعون الكمأة، وكلما جمعوها أكلوا منها، أما عمرًا؛ فكان يخبىء الكمأة ولا يأكل منها شيئًا.

اتسم عمرو بالذكاء والكياسة

فذهبوا إلى جذيمة يتعادون الكمأة، وعمرو يقول:

هذا جناي وخياره فيه .. إذ كل جانٍ يده في فيه

فأعجب به جذيمة الأبرش وضمه إليه، وأحضر له حلة من فضة وطوق.

ثم إن عمرو بن عدي اختفى، وطلبه خاله في كل مكان، وبحث عنه زمانًا فلم يعثر عليه.

عودة عمرو بن عدي.3

أقبل رجلان من بلقين قضاعة، وهما مالك وعقيل ابنا فارج بن مالك متوجهان لجذيمة وأهديا له طرفًا، فلما نزلا وكانت معهما قنية – مغنية- يقال لها أم عمرو، فعندما قدمت لهما الطعام، طَلع عليهم فتىً رَث الهيئة، قد تلبَّدَ شعره وطالت أظفاره، فاستطعمها، فأعطته أم عمرو كراع، فطلب الطعام ثانية، فقال القنية :”لا تعطِ العبد كراع، فيطمع في الذراع”، فأرسلتها مثلًا.

فقال لهما عمرو بن عدي :”إن تنكراني فلا تنكرا نسبي أنا عمرو بن عدي”.

فقالا إنهما لن يحضرا لجذيمة هدية أحب إليه من ابن أخته، فألبساه من أفضل الثياب، وذهبا به إلى جذيمة، فلما رآه فرِح فرحًا شديدًا، وقال إنه لم يغب عن عينه منذ اختفى.

جذيمة بحث مطولاً عن عمرو

وقالا للرجلين اسألا ما تريدان، فقالا ننادمك ما بقيت وما بقينا، فقال لهما :” ذلك لكما”.

فهذان الرجلان هما ندمانا جذيمة الأبرش اللذان يضرب بهما المثل.

ندمانا جذيمة الأبرش في الشعر العربي.4

لم يكن ندمانا جذيمة الأبرش مضرب الأمثال وحسب، بل لقد استعملها الشعراء في شعرهم، وألهمتهم لمعانٍ مبتكرة، وصاغوا بها أشعارًا مميزة، ومن أهمهم متمم بن نُويرة في رثاء أخيه مالك بن نويرة حيث يقول:

وكنا كندماني جذيمة حقبة.. من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فلما تفرقنا كأني ومالكًا.. لطول اجتماع لم نبت ليلة معًا

وقد أعجب الصحابي الجليل عمر بن الخطاب بالبيتين إعجابًا شديدًا حيث قال لمتمم بن نُويرة :”لو كنتُ أقول الشعر لسرّني أن أقول في زيد بن الخطاب مثل هذا”، فرد عليه متمم :”لو قُتل أخي مثل ما قُتل زيد ما قلت فيه شعرًا”، فقال له عمر :”ما عزاني أحد بأحسن مما عزيتني به”

وهذه الأبيات لمتمم بن نويرة قد تمثَّل بها العديد من الأشخاص عند موت إخوتهم.

المصادر:

3،2،1-الكامل في التاريخ لابن الأثير، ص 263:265، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي، الجزء الثالث، ص 181، جامعة بغداد، الطبعة الثالثة.

4-الشعر والشعراء لابن قتيبة، ص 338، دار المعارف.

Photo by Rubén Bagüés on Unsplash

https://www.freepik.com/free-vector/medieval-castle_3824578.htm#page=4&query=king&position=36

Photo by Jeremy Bishop on Unsplash

https://www.freepik.com/free-vector/nativity-scene-characters-illustration_828551.htm#page=13&query=king&position=17

https://www.freepik.com/free-vector/king-horse-castle_4870000.htm#page=2&query=king&position=28

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى