أخبار العرب

نثر القاسم الحريري

حامل لواء البلاغة، وفارس النظم والنثر

يعتبر القاسم الحريري، أحد أكبر أعلام الأدب والبلاغة في مسيرة الثقافة العربية الإسلامية، وهو صاحب المقامات المشهورة.

عاش الحريري في العراق خلال القرن الحادي عشر الميلادي ، وقد قال عنه شمس الدين الذهبي: ” حامل لواء البلاغة، وفارس النظم والنثر”، كما وصفه أبو العباس الشريشي بالقول: ” كان آخر البُلغاء وخاتمة الأدباء، أولهم بالاستحقاق، وأولاهم بسمة السباق..  ولم يُبق في البلاغة متعقّبا، ولا للريادة مترقّبا، لا سيما في المقامات التي ابتدعها، والحكايات التي نوَّعها وفرَّعها، والمُلَح التي وشَّحها بدُرَرَ الفِقَر ورصَّعها..”.

وقال عنه ياقوت الحموي: “كان غاية في الذكاء والفطنة والفصاحة والبلاغة، وله تصانيف تشهد بفضله وتقرُّ بنبله، وكفاه شاهداً «كتاب المقامات» التي أبرَّ بها على الأوائل وأعجز الأواخر، وكان مع هذا الفضل قذراً في نفسه وصورته ولبسته وهيئته، قصيراً دميماً، بخيلاً، مبتلى بنتف لحيته”.

وفيما يلي بعضاً من قطع الحريري النثرية الرائعة:

  • سطَّرها الخادم وهو مُنتسِك بالولاء الذي يتمسَّك بحبله، والدُّعاء الذي هُوَ جهدُ مثلهِ، والثَّناء على صنائعه، التي طالما أبكي بها وأضحكَ الأجيال؛ وقصدهُ أن يتعمَّد بعواطفهِ التي تُحَقِّق الأمل، ومُجازاته على حسَب النيَّة لا العمل.
  • من شِيَم السَّادات، حِفظُ العادات، فما بالُ سيِّدِنا أغلقَ بابَ الوِصَال بعد فتحِهِ، وأصلَدَ زِنْدَ الإيناسِ عُقيبَ فتحِهِ، وأورَدَني أولاً شريعة بره، ثُمَّ أجلاني عن شاطئ بحرِه، بما كانَ لملل فأنا أُنزههُ منهُ، أو لزَلَلٍ فاستغفِرُ الله منهُ؛ ولعلَّ سيدنا يعودُ إلى عطفِهِ الكَريم، ويروِّح قلبي بمؤانساتهِ الأرجة النَّسيم؛ وإذا تكرَّم عند عرض ما كتبتهُ بما تحسُنُ بهِ الجلوةُ، وتُجلبُ به الحُظوةُ، شكرت العارفة الحُلوة.
  • ولعلَّ الأيَّام تسمَح بمُتعة المُلاقاة، فاجعلها غُرَّةَ الأوقاتِ، وأعظمهَا كتعظيم حُرمة الميقات؛ وهُوَ إذا أتحفني بسطرين في كُلِّ شهرين، يكونُ قد أمطاني رُتبةً تُضاهي النسرين، وأولى نعمةً تبقى على العصرين.
  • رزءٌ تُساهمُ فيه الأنامُ، وأظْلَمَتْ ليومهِ الأيامُ، واستُغرب عنده الحِمامُ، وعُزِّي فيه الدَّهرُ بكافل أبنائه، ونُدب فيه شقيقُ السَّحاب، فاستعتبر بدموعِ أنوائهِ.
  • قال الحريري : لولا خِبرتي بفضله السَّائر، وإنعامِهِ المُنجد الغائر، لاستربتُ فيما يحكي، وامتريتُ فيما يروي؛ ولكن ما خَلَا عصرٌ من جواد “ولكُلِّ قَوْمٍ هاد”، فإنَّهُ أبقاهُ اللهُ، وأن تصرَّفَت الأحوال، وتشعَّبَت الأقوال، كالغمَام لا يُقطعُ سُقياهُ، ولا يستطيعُ أحد برد حياهُ، وللرَّأيِ الشَّريفِ مزيدُ علوهِ في الإنعام، بتأوُّل ما أوضحتهُ، والتَّطَوُّل بما اقترحتُه.
  • وهنأ بالنجاح كُلُّ من غشينا إلى ضوء نارِه، وانتجَعَ صوبَ أمطارِه، وسمِعَ أخبار كرمِهِ فاهتدَى إلى قصد الكريم بأخبارِه.
  • و ما زَالَ مُتَّصِفاً من الكَمَالِ بما لا يقبلُ معهُ مزيداً، ولا يستطيعُ خلقٌ لملابسه تجديداً، خُلُقاً دانَ الخَلْقُ لمُعجزاتهِ، وقصُرَت الأفعالُ عن تحقيقِ صِفاتهِ، واللهُ أعلمُ حيثُ يجعلُ رِسَالاتِهِ.
  • وأشتاقُ إلى تِلَكَ الألفاظِ المعسولةِ، والمعاني المشمولة، التي تميلُ بأعطافها نشوة الفَصاحَةِ، وتفترُ عن محاسِنِهِ شفاه الرَّجاحة، فلا جَرَم أنَّها قد شغلتني أن أنطق بمنثورٍ مُلقَّحٍ، أو منظومٍ مُنَقَّحٍ.
  • قال الحريري : جَعَلَ اللهُ الدَّولةَ القاهِرة مُونَّقة النَّضارة، مُشرِقَة الإنارة، ممنوحة الإطالة، مهروجة الإبالة، ولا أخلاها من مأثرةٍ تروى عنها وتؤثُر، ومنقبةٍ تُذكُر على تعاقُب الأزمنةِ وتُشكَر؛ ولا زالت مُمْطِرة الأزمنة، حاليةً بالمناقِبِ البيِّنَة، متلوَّة الأوصافِ بجميعِ الألسِنَة، مبثوثة المدائحِ بكُلِّ الأمكِنَة؛ وأسبغ على أقطارِ البلادِ من عواطِفِهَا ما أضحك مباسم الظُّنون، وحلَّ كالغيثِ الهتُون؛ ولا برِحَت أيامُها مُمتدَّة المُدَّة، محتفةُ بالتَّهاني المُستَجَدَّة، وأورف ظلَّها على الخلق، وأعلى كلمتها القائمة بنصْرِ الحقِّ، ما دارت الشُهُبُ، ودرَّت السُّحُبُ، وشُهرت القُضُبُ، ونُشرت الكُتُبُ، واستُهِلَّت الأهلَّةُ، واستهِلَّت الأنواءُ المُنهلَّةُ.
  • ولما استخدَم الخادِمُ فيها أُهِّلَ لهُ آنِفَاً، اعتَمَدَ في الخدمة ما يتهيَّب قلمهُ الإفصاحَ عنه، ويعرف بأنَّ سعادة الديوان العزيز هي التي سنَّت ما تسنَّى منه، وتقدَّم له الوعدُ بأنَّهُ عندَ تصفح مساعيه، يُمنَح من المساعفة بما يرتجيه، ولم يقدم قلمهُ على التذكير بالوعد الشَّريف، إلَّا بعد ما أنطقهُ لسانُ التوفيق للخدمة، وكفل له بمزيد الحُظوةِ من النِّعمة؛ فإن اقتضت الآراء العُلية إنجاز موعدهِ، كانَ ذلك إنعاماً يقعُ عند مُعترفٍ بوقعه، مستنفذٍ في الطَّاعةِ غاية وسعِهِ.

اقرأ ايضاً كيفَ وضعَ أبو الأسود الدؤلي عِلم النحو ؟

المصدر:-

رسائل الحريري، و مسالك الأبصار للعمري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى