أعلام

مختارات من كتابات عماد الدين الأصبهاني النثرية..

ما ظفر مُدلجُ الإِظلامِ بالسَّنا، ومُحوجُ الإِعدامِ بالغِنَى، كظفر الخادِمِ وفوزِهِ بشرفهِ وعِزِّهِ، وسعادَةُ جدِّهِ وجدَّة سعدِهِ

  • قال مجيباً للسُّلطان في تفضيل دمشق: عَرِفنا طيب الدِّيار المصريَّة ورِقَّة هوائها، ونحنُ نُسلِّم إليها المسألةُ في طيبها وتوفير نصيبها، ورقة نسيمها ورائق نسيبها، لكِن هلَّا رأت أن الشَّام أفضلُ، وأنَّ أجْرَ ساكنِهِ أجزَلُ، وأنَّ القُلوبَ إلى قبلهِ أميلُ، وأن الزُّلالَ البارِد أعلُّ وأنهَل، وأنَّ الهواءَ في صيفهِ وشتائهِ أعدَل، وأنَّ الزَّهْرَ به أشبُّ، والنبتُ به أكهلُ، وأنَّ الجَمالَ فيه أكملُ، وأنَّ القلبَ به أروحُ، والرُّوحُ به أقبل، ودمشقُ عقيلتُهُ الممشوطة وعُقلتُهُ المنشوطة، وحديقتهُ النَّاضِرَة، وحدقتهُ النَّاظِرَة، وهي هينُ إِنسانِه، بل إنسانُ عينهِ، وصيرفيّ نقودِهِ، وعينُ نضارهِ ولجينهِ، فُمستهامُها مُستهامٌ، وما على مُحبِّها ملامٌ، وما في رُؤيتها ريبةٌ، وفي كُلِّ جيرةٍ منها حبيبةٌ، ولكُلِ شائبٍ من نَورِها شبيبةٌ، ومع كُلِّ ورقةٍ ورقاءُ، وعلى كُلِّ مُعانقةٍ من قُدود البانات عنقاءُ، وشادي بانها على الأعوادِ يُطري ويُطرِبُ، وساجِعاتها بالأوراق تُعجمُ وتُعربُ، وكَم فيها من جوارٍ ساقياتٍ، وسواقٍ جارياتٍ، وأثمارٍ بلا أثمانٍ، وروحٍ وريحانٍ، وفاكِهَةٍ ورُمَّانٍ، وخيراتٍ حِسَان، وقد تمسَّكنا بالآيةِ والسُّنَّةِ والإجماع، وغنَّينا بهذه الأدلَّةِ عن الاختراعِ والابتِدَاعِ.
  • ولو واصلَ خدمهُ بمقتضى مخالصتهِ، لما وفَّى في جميعِ عُمرِه، ببعضِ ما يجبُّ عليه مِنْ حَقِّ المجلسِ وشُكْرِه، لكنَّهُ يهابُ الفضل العزيز فيتَجنَّب، ويستصغر قدرهُ عند قُدرَةِ المُعظم فيتأدَّب، ومن يُقدمُ على مقابلة الشِّمسِ بسراجِه؟ والعذبِ بأُجاجِه؟ والدُّرِّ بزُجاجه؟ وأيُّ قدرٍ للقطرةِ عند البحرِ الخضم؟ وأيُّ فخرٍ للسُّهى عند إنارة البدر التَّم؟ وكُلَّما شرع في خدمة، فنُصب يده المهابةُ وبسطتُها الصَّبابة، وجلى لهُ جلالة وجه الهيبة، فرجع ممَّا رجاهُ من سماحةِ خاطِرِه بالظَّنَّة والخيبة، وقال لقريحته: دعي الاقتراح، ولا تستدعي الافتضاح، وليسَ إلَّا الاعتراف بالقُصور، لا الافتراقُ للمحظور.
  • على أنَّهُ لم يبلُغ من استفراغ جُهْدِ البلاغةِ في الدُّعاء والثَّناءِ أمد المُقصرين، وإِن بذَّ القرين وزاحم الأُسود وولج العرين، فالعجزُ عن الإدراكِ إِدراكٌ، والمُعجبُ في التَّوحيد بادِّعاءِ الحول والقُوة إِشراك.
  • جودُهُ جوْدُ، وطولهُ طَوْدٌ، وكرمهُ كرمٌ يُعتصرُ صفو سلافه، ونعمهُ نَغَمٌ تُنحر وتُنهر لأضيافهِ، ولا يُحِبُّ الدِّينارَ إِلَّا مبذولاً لعافيهِ، ولا يدَّخِرُ كثيراً إِلَّا لجنى راجيهِ.
  • ما ظفر مُدلجُ الإِظلامِ بالسَّنا، ومُحوجُ الإِعدامِ بالغِنَى، كظفر الخادِمِ وفوزِهِ بشرفهِ وعِزِّهِ، وسعادَةُ جدِّهِ وجدَّة سعدِهِ، وحياةُ رُوحِهِ ورُوحُ حياتِهِ، وحُسنى حالِه وحلية حسناتِه، وسنا سنائهِ المُشرق عند إِسفارِ إِصبَاحِ أملهِ، وسُفُورِ وجهِ جذلهِ، بُورود المثال المُتَمَثِّلِ، المُقْبِلِ المقَبَّل، والمُفضل المُفضَّل، عن المجلس العالي الفاضلي، لا فتىء حُكمُ فُتياهُ فتيَّاً، وروض الولي بوليِّ رضاهُ وجودِهِ مُجوَّداً موليَّاً، ولا برح كاشحهُ يطوي على الشُّحِّ بَرْحَ هَوىً، جوُّهُ بالغَيْمِ مُغيمٌ، ومُناصحهُ يحوي المُنى، صحَّةُ عقيدتهُ وعقدُ صحتهِ مُبرمٌ قويمٌ.
  • صدَرَت هذه البُشرى ودِماءُ الفرنجِ على الأرض، وقيل لها: ابلعي، وعجاجُها في السَّماءِ، وقيل: أقلعي، وفاض ماءُ النِّصال، وغاض ماءُ الضَّلال، وهي بِشارةٌ اشتَرَكَ فيها أولياءُ النِّعْمَةِ، ونبئهُم أنَّ الماءَ بينهُم قسمةٌ.
  • ووجدناها قلعةٌ أرضها في السَّماءِ، وتلعةً في حوزِها حِوازُ الجوزاء، وعلى كلابها عُواءٌ العوَّاء، ما تمُرُّ السُّحُبُ إِلَّا على سُفُوحِهَا، ولا تسرقُ شياطينُ الكُفرِ إِلَّا من سُطُوحِهَا؛ إِنا جعلنا نُجوك النِّصالِ لها رُجوماً، وأدمنا لوبل الوبال عليها سُجوماً.

من هو الأصبهاني ؟

عماد الدين الكاتب ، المؤرِّخ والشاعر، والذي تولى تدوين أحداث الدولتين النورية والأيوبية.

ولدَ في أصفهان سنة 1125 م، وتوفي في دمشق سنة 1201 م، وقد اشتُهِر من بين مؤلفاته “خريدة القصر وجريدة أهل العصر”، و “البرق الشامي”.

قال عنه ابن فضل الله العمري:  “رُكن الدُّول وعمادُها، ومُزنُ الممالك وعهادُها، علمٌ يهتدي به السَّاري، وكرمٌ ينتدي بسيبه الجاري، رسا كالطَّودِ المُرجحنِّ، وسرى كالجُودِ فأوى إليه المُستكِن، وتحلَّت به ترائبُ الأيام، وحلت بحُجبهِ ربائب الخيام، فعلاً مقداراً، وأبى أن يتَّخِذ دارة البدر داراً، فقُضَّت دونهُ أجنحةُ النَّعامى، وطُرقت أفنيةُ العالي والأبكار والأيامى، وعزَّ في تلك الدُّول فغالت في قيمتهِ، وغالبت في نشر لطيمتهِ، وكان ذا أيدٍ تنهضُ بكُلِّ عظيمة، وتأبى كل هضيمةٍ، بعزمٍ يُزاحمُ أبان، وتقدُّم إذا نكل كلُّ جبانٍ، بإقدار لسانٍ، وابتدارِ بديهة الإِحسان، وكانت قصباتُ السَّبق لا تحرزُ لا تُحرزُ إِلَّا لأدهمهِ، ولا تُحرزُ داراتُ البُدورِ إِلَّأ لدرهمِه”.

عماد الدين الأصبهاني ينتمي لمدينة أصفهان التاريخية.

المصدر:-

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، العمري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى