أخبار العرب

مية بنت مقاتل … محبوبة ذي الرمة

كانت تجعل الفرسان والشعراء يتطلّعون للظفر بها، يتسابقون لخطبة ودادها

لم تشتهر مية بنت مقاتل ببليغِ الأقوال، ولا ببديعِ الأشعار؛ لكنها اشتهرت بأنها كانت بطلة إحدى قصص العشق المشهورة في العرب، ففيها قِيلَت أغزل الأشعار، وإليها شدَّ المُتيَّم ذوالرمة الرّحال.

من هي مية بنت مقاتل؟

مية وقيل مَي بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقرية التميميّة، جدها هو قيس بن عاصم الذي أكرمه رسول – الله صلّى الله عليه وسلم – وقال فيه لما جاءه وفدٌ من تميم: «هذا سيد أهل الوبر»، وهو الذي قال فيه الشاعر يرثيه :”وما كان قيسٌ هُلْكه هُلك واحدٍ … ولكنه بنيانُ قومٍ تهدّما”.

وكانت مية بنت مقاتل مليحة القَسَمات، فاتنة الجمال، تجمّعت فيها خِصال الحُسن التي يتحاكى بها العرب في أشعارهم، وتجعل الفرسان والشعراء يتطلّعون للظفر بها، يتسابقون لخطبة ودادها.

ذو الرمة وحبٌ من النظرة الأولى :-

مرّ ذو الرمة يومًا بخباء قوم مية بنت مقاتل فاستسقاهم؛ فطلبت أمُّ مية منها أن تسقه، فقدمت له مية الماء قائلة:” اشرب يا ذا الرُّمة”، والرمة هي القطعة من الحبل، والتي رأتها على كتفه، وكأن الماء الذي سقته إياه كان ممزوجًا بترياق الحب الأبدي، فمن الوهلة الأولى خفق قلبه بحبها، ومَلَكَت عليه لُبَّه وجَنَانه، وطَرَقَت بالعشقِ قلبه بلا رَويَّة وبلا استئذان، وكأن نبرات صوتها الشَّجية أجراس تدق لتعلنَ بداية رحلة الحبِ وعذابه منذ تلك اللحظة، وهذا ما فعلته به عيناها:

وعينان قـال الله: كــونا فكانتا .. فعــولان بالألباب ما تفعل الخمرُ

وتبسـم لَمـح البـرقِ عن متوضِّــح .. كلَـون الأقاحي شاف ألوانَها القطرُ

وعلى الرّغم من أن الشاعر والمُتّيم ذا الرمة لم تعرف قَسَماته الوسامة من قريب ولا من بعيد، وكان دميم الملامح، حتى قالت فيه أمه:” اسمعوا شعره ولا تنظروا إلى وجهه”؛ إلا أنه امتلك أكثر ما يجتذب قلوب النساء، وهو لسانه بليغ الغزل، معسول الكلمات، الذي لا يملّ من الإطراء غدوة وعشيًّا، فلقد أسهب في التغزل بمحبوبته الفاتنة، ونسج الكثير من القصائد في التَّشبيب بها، والشوق إليها.

قال ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء: قال أبو ضرار الغنوي: رأيت مية بنت مقاتل ومعها بنون لها، فقلت: صفها لي، قال: مسنونة الوجه طويلة الخد شماء الأنف، عليها وسم جمال، قلت: أكانت تنشدك شيئًا مما قال فيها ذو الرمة؟ قال: نعم، وفي بعض الروايات أن مية مكثت زمانًا تسمع شعر ذي الرمة ولا تراه، فجعلت لله تعالى عليها أن تنحر بدنة يوم تراه، فلما رأته رأت رجلًا دميمًا أسودًا فقالت: واسوأتاه، وابؤساه! فبادرها ذو الرمة بقوله:

َلى وَجـهِ مَـيٍّ مَسحَــةٌ مِن مَلاحَـــةٍ .. وَتَحتَ الثِيابِ الخِزيُ إِن كانَ بادِيا

أَلَم تَـرَ أَنَّ المــــاءَ يَخلُـفُ طَعمُــهُ .. وَإِن كانَ لَونُ الماءِ أَبيَضَ صافِيا

إِذا مـــا أَتـاهُ وارِدٌ مِـن ضَـــرورَةٍ .. تَــوَلّــى بِأَضعافِ الَّذي جاءَ ظامِيا

كَــذَلِكَ مَـيٌّ في الثِيابِ إِذا بَدَت .. وَأَثـوابُهـا يُخفينَ مِنها المَخازِيا

وصف مية بنت مقاتل :-

ليس أروع في وصف مية مما قاله فيها العاشق ذو الرمة؛ إذ برع في رسم جمالها تفصيليَّا، ووصف ملامحها المَليحة بأبياته الشعرية، والحقيقة أنه كلمها وصفها ازدادت جمالًا فوق جمالها من فرطِ براعته الشعرية، وتفنُّنه في بلورة جمالها وصفاتها؛ فيقول:

بَرّاقَــــةُ الجيدِ وَاللَبّاتِ واضِحَــةٌ .. كَــأَنَّهــا ظَبيَةٌ أَفضى بِها لَبَبُ

بَينَ النَهــارِ وَبَينَ اللَيـــلِ مِن عَقَـدٍ .. عَلـى جَوانِبِهِ الأَسباطُ وَالهَدَبُ

عَجــزاءُ مَمكـورَةٌ خَمصــانَــةٌ قَلِـقٌ .. عَنهــا الوِشاحُ وَتَمَّ الجِسمُ وَالقَصَبُ

زَينُ الثِيابِ وَإِن أَثوابُهــا استُلِبَت .. عَلــى الحَشِيَّةِ يَوما زانَها السَلَبُ

تُريكَ سُنَّــة وَجــهٍ غَيــرَ مُقرِفَــة .. مَلســاءَ لَيسَ بِها خالٌ وَلا نَدَبُ

إِذا أَخـــو لَــذَّةِ الدُنيـــا تَبَطَّنَهــا .. وَالبَيـتُ فَوقَهُما بِاللَيلِ مُحتَجِبُ

سـافَت بِطَيِّبَةِ العِرنيـنِ مـارِنُهــا .. بِالمِســكِ وَالعَنبَرِ الهِندِيِّ مُختَضِبُ

تَزدادُ للعَينش إِبهاجا إِذا سَفَرَت .. وَتَحرَجُ العَينُ فيها حينَ تَنتَقِبُ

لَميــاءُ في شَفَتَيهـــا حُوَّةٌ لَعَـسٌ .. وَفــي اللِثاتِ وَفي أَنيابِها شَنَبُ

كَحلاءُ في بَرَجٍ صَفـراءُ في نَعَــجٍ .. كَـــأَنَّها فِضَّةٌ قَد مَسَّها ذّهَبُ

وَالقُرطُ فُـي حُـرّةِ الذِفـرى مُعَلَّقُـهُ .. تَباعَـدَ الحَبلُ مِنهُ فَهوَ يَضطَرِبُ

ثم يستطرد في ذكرِ جميل طَبعها الذي كلَّلَت به جمالها، ودماثة خُلُقها، وطِيبِ صِيتها بين جيرانها، وترفّعها عن مجالس اللهو والثرثرة الفارغة؛ فيقول:

لَيسَت بِفاحِشَــةٍ فـي بَيتِ جــارَتِهـا .. وَلا تُعابُ وَلا تُرمى بِها الرِيَبُ

إِن جــاوَرَتهُنَّ لَم يَأخُذنَ شيمَتَهــا .. وَإشن وَشَينَ بِها لَم تَدرِ ما الغَضَبُ

صَمتُ الخَلاخيلِ خَودٌ لَيسَ يُعجِبُها .. نَسجُ الأَحاديثِ بَينَ الحَيِّ وَالصَخَبُ

ذو الرمة وقصة حبه الشهيرة مع مية بنت مقاتل .

فراقٌ أَبَديّ :-

كالكثير من قصص الحب الشهيرة؛ لم تكن مية بنت مقاتل في نهاية الأمر من نصيب ذي الرمة ؛ فقد تزوجت من غيره ولم يستطع أن يظفرَ بها، فقد ظفر بها أحد أبناء عمومتها من ذوي المال والجاه يقال له عاصم، فظلّ يبكيها ويرثي قصة حبهما في أشعاره، وظلّ على عهده في حبه؛ فيقول:

إِذا غَيَّـرَ النَــأيُ المُحِبّينَ لَـم يَكَـد .. رَسيـسُ الهَوى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبرَحُ

فَلا القُــربُ يُدنـي مِن هَــواها مَلالَــةً .. وَلا حُبُّها إِن تَنزِحِ الدَارُ يَنزَحُ

إِذا خَطَــرَت مِن ذِكرِ مَيَّةَ خَطــرَةٌ .. عَلــى النَفسِ كادَت في فُؤَادِكَ تَجرَحُ

تَصَــرَّفَ أَهواءُ القُلــوبِ وَلا أَرى .. نَصيبَــكِ مِن قَلبي لِغَيرِكِ يُمنَحُ

وكان يدعو على زوجها عاصم بالموت لعلّ الشمل يجمع بينه وبين محبوبته مجددًا:

أَلا لَيتَ شِعــري هَل يَموتَنَّ عــاصِمٌ .. وَلَم تَشتَعِبني لِلمَنايا شَعوبُها

دَعا اللَهُ مِن حَتفِ المَنيَّةِ عاصِماً .. بِقاضيَةٍ يُدعى لَها فَيُجيبُها

وَهَل يَجمَعَن صَرفُ النَوى بَينَ أَهِلها .. عَلى الشَحطِ وَالأَهوآءُ يَدعو غَريبُها

دائرة الأيام :-

مرّ أسيد بن عمرو وهو يومئذ في ريعان شبابه بمية بعدما أسنت وذهبت فتنتها وجمالها وأصبحت دميمة الخلقة؛ فقال لها: “ما أرى ذا الرمة إلا قد ضيع فيك قوله:

أما أنت عن ذكراك مية تقصر …

ولا أنت ناسي العهد منها فتذكر؟

فضحكت وقالت: ما رأيتني يا ابن أخي إلا وقد عجزتُ وذهب جمالي وولّت فتنتي، ورحم الله ذا الرمة، فلقد قال هذا في وأنا يومئذ برّاقة أكثر من النار الموقدة في الليلة القرة في عين المقرور، ولن تغادرني حتى أقيم عليك حجتي، ثم نادت جاريتها أسماء وكانت كالبدر في تمامه، فقالت : أما لمن شبب بهذه الفاتنة وهويها عذر؟ فقال أسيد: بلى! فقالت: والله لقد كنت في شبابي أفوقها حُسنًا وفِتنة، ولو رأيتني يومئذ لانتقصت من هذه انتقاصك إياي اليوم، فانصرف أسيد بن عمرو خَجِلًا.

وفاتها:-

م تذكر المصادر تاريخًا محددًا لوفاة مية بنت مقاتل؛ لكن الثابت أنها عاشت حتى عمّرَت وأسنّت، ودار الزمان عليها ومحا ملامح الجمال والفتنة من وجهها، واستعمَرَت علامات العَجَز وتجاعيد الشيخوخة ذلك الوجه، على عكس ذي الرّمة الذي لم يُعمّر طويلًا؛ فقِيل إنه مات في الأربعين من عمره.

اقرأ ايضا النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:-

● الطيب بامخرة، قلادة النحر في وفاة أعيان الدهر، ج2، ص54.
● عبد الله خلف، جزى الله البراقع من ثياب، جريدة الوطن، 2014.
● محمود عزت عرفة، ذو الرمة صاحب مي، مجلة الرسالة، العدد 573، 1944م.
ابن خلكان، وفيات الأعيان.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى