معلومات تاريخية

مهنة الوراقة ودورها في إنجاب أعلام أدبية كبيرة

تعريفها عند ابن خَلدون: ''مُعاناة الكتب بالانتساخ والتصحيح والتجليد وسائرَ الأمور الكُتُبيّة والدواوين''

تمهيد :-

كانت مهنة الوراقة هي عَصَبَ صناعة الكتابِ العربيِّ، فقدْ كان الوَرَّاقون والنسَّاخون بِمَثابةِ النواةِ الأُولِى التي شكَّلتْ الثقافةَ والحضارةَ العربيَّةِ، لقد كانت هذه المِهنةُ الرَّفيعةُ هي الجنديّ المجهولَ الذي فتحَ البابَ على مصراعيه لِإزدهارِ التأليفِ والتَّصنيفِ والترجمةِ لِلعلماءِ والأدباءِ.

ما هي مهنة الوراقة ؟

تباينتْ تعريفاتُ المُؤرِّخين لِمهنةِ الوراقة ، غيرَ أنَّ جميعها تصبُّ في معنىً واحدٍ يفيدُ بكونها المهمة الخاصَّة بكل من يَمتهن انْتِسَاخَ المؤلَّفاتِ و الكتبِ وتصحيحها بُغيةَ النشرِ بين الناسِ أو بيعها، وما يتْبع هذه المهمةُ من تجليدٍ أو بيعٍ للمحابرِ والدُوِيِّ والورقِ.

تعريفُ ابن خَلدون في مُقدِّمَتِه: ”مُعاناة الكتب بالانتساخ والتصحيح والتجليد وسائرَ الأمور الكُتُبيّة والدواوين”.

أمَّا السَّمعانيِّ؛ فقد عرَّفها في “الأنسابِ” بقوله: “الورّاقُ اسمُ مَن يكتب المصاحفَ وكتب الحديث وغيرها، وقد يُقال لِمن يبيع الورق وهو الكاغد ببغداد، الورّاق أيضاً”.

متى بدأتْ حِرفَةُ الوراقة ؟

أوَّلُ ما بدأ من النَّسْخِ كان لكتاب الله – عزَّ وجلَّ – حيث كان الصحابةُ ينسخون المصاحفَ الشريفةَ لأنفسهم ولغيرِهم، ثم توالى بعدَ ذلك نَسْخُ الأحاديثِ الشريفةِ وكتب العلومِ الدينيّةِ والتاريخيّةِ والثقافيةِ.

مهنة الوراقة

ومن أقدمِ الوراقين الذين نسخوا المصاحفَ بالأجرةِ خالد بن أبي الهيَّاج ومالك بن دينار، وكانوا يَعُدُّون ذلك أفضلَ الكسبِ الحلالِ.

وبعد ذلك كان أَوْجُ عصر ازدهار حِرفةُ الوراقة إِبَّانَ العصرِ العباسيِّ في العراقِ؛ حيث بُنِيَ مصنعًا خِصيصًا لإنتاج الورق في بغداد، مما أدَّى إلى وَفرته ورخصِ ثمنه، فكثر الورَّاقُون وتَبِع ذلك كثرةُ المُؤلَّفاتِ والمُصنَّفاتِ، فأدّى ذلك لإحداثِ حركة علمية هائلة ومشهودة في هذا العصر.

وقد كانت بغدادُ مركزَ إنتاج الكتبِ والوِرَاقَةِ في العصر العباسيَّ؛ حيث حَفِلَتْ بقُرابةِ المائةِ دُكَّان من دكاكين النَّسْخِ، وبها سوق عُرِفَ باسم “سوق الورّاقين ” وهو الأشهر والأثري بدكاكين الوراقة والندواتِ الثقافيةِ والكتب والمؤلفات،ومنها كانت تخرجُ القوافلُ عامِرةً ومُحمَّلة بِروائعِ الكتبِ لِتشُقَّ طريقَها نحو رُبوعِ العالمِ الإسلاميِّ[1].

الشروطُ الواجبُ توافرها في الوَرَّاقُ:-

  • حُسْنُ الخطِّ.
  • دِقَّةُ الضبطِ وصِحَّةُ النَّقل.
  • الحَذْقُ في التَّزويقِ والتَّذهيبِ.
  • الإلمامُ بِعُلومِ اللغةِ والنَّحوِ والصَّرف.

 ولمْ تُنجبْ هذه الحرفةُ للتراث العربيِّ نُسّاخًا فحسْب فقد كانت بِمثابةِ السُّلم الذي صعد عليه كثير من الشعراء والأدباء والرَّحالةِ، بدأوا حياتهم نُساخًا ثم انتهوا أعلامًا في التراثِ العربيِّ.

من أشهرِ الوَرَّاقين :-

ياقوتُ الحَمَويّ:-

 يَحَارُ القولُ في وصفِ شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي (574ھ – 626ھ)؛ فقد كان أدبيًا شاعرًا لُغويًا ورحَّالَة، بلغ من العلمِ والثقافةِ مَبلغه، واستقى من العلوم حتى ارتوى، وترك لنا تراثًا أدبيًا وثقافيًا فياضًا.

كانت الخطوةُ الأولى التي مهَّدت لإنطلاقه في عالمِ التأليفِ والتَّصنيفِ والشعرِ هى دكانَ الوراقة الذي فتحه في بغدادَ بعدما تركَ عمله بالتجارةِ مع وَالِيه عَسكر الحمويّ، عمل في هذا الدُّكانِ على نسخِ الكتبِ والمؤلَّفاتِ لِطلابِ العلمِ، واشتهرَ بحسنِ الخطِّ وروعتِه ودقةِ الضَّبطِ وصحِّةِ النَّقلِ[2]

الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..

حَرصَ ياقوتُ الحمويّ على عرضِ مُؤلَّفاتِه بدكانه التي كان يؤلفها أثناء أسفاره وترحاله للتجارةِ، فقد جابَ العديدَ من الأقطارِ منها بلاد فارس وبلاد الشام، ومصر وأرض الجزيرة العربيَّةِ، وقد كان يُسطِّرُ ملاحظاته حولَ أسفاره، وحول ما عايش فيها من نودار وطرائف وآثار وحضارات، ولعلّ من أشهرِ مؤلَّفاته:

  • “مُعجم البلدان” الجغرافي الذين دون فيه مواقعَ البلدان على خطوطِ الطولِ والعرضِ.
  • المُقتَضَبُ في النسبِ.
  • أخبارُ المُتنبي.
  • المَبدأُ والمَآلُ.
  • معجم الأدباء.
  • معجمُ الشعراء.

ومن أشعاره:

إنْ غَاضَ دمعُك والأحباب قد بانوا .. فكل مـا تدَّعـي زورٌ وبهتانُ

وكيف تأنَـــسَ أو تنســى خَيَالَهـــم .. وقد خلى منهم رَبع وأوطـانُ

لا أوحشَ اللــــهُ من قومٍ نَـأَوا فنـَأَى .. عن النَّواظرِ أقمـارٌ وأغصـانُ

ساروا فســــار فؤادي إِثْرَ ظعْنِهم .. وبانَ جيشُ اصْطِباري ساعةَ بانـوا

لا أفتر ثغر الثــرى من بعد بعدهم .. ولا ترنَّح أَيْـكٌ لا ولا بـانُ

وفي سياق خطَّه للكتب واتجاره بها؛ يروي الحموي قصَّةً حَصَلت لهُ مع أحِد كُتُب البلخي، حيث قال ياقوت: كُنتُ في سنة سبع وستمائة قد توجَّهتُ إلى الشَّام، وفي صُحبتي كُتُبٌ من كُتُبِ العِلم أتَّجِرُ فيها، وكان في جُملتها كتاب صُوَرِ الأقاليم للبلخي، نُسْخَةً رائقةً مَليحةَ الخَطِّ والتَّصوير، فقُلتُ في نفسي: لوكَانت هذهِ النُّسخة لِمن يجتَدي بها بعض الملوك ويكتُبُ معها هذه الأبيات – وقُلتها ارتجالاً- لكَانَ حَسَناً:

ولمَّّّا رِاَيْــتُ الدَّهرَ جَـارَ وَلَــــمْ أجِدْ .. مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْدى عَلى الدَّهرِ عَدْوَاكا

رَكِبتُ الفَـــلا يَحدُو بِيَ الأمَـــــلُ الَّذي .. يُدنَّــــي على بُعدِ التَّنائِي مَثْواكَمــا

وِرُمتُ بــــأَنْ أُهــدِي إلَيْـــكَ هَدِيَّــةً .. فَلَمْ أرَ مَـــا يُهْدِيهِ مِثْــلِي لِشَــرْوَاكَــا

فَجِئْتُــكَ بِالأرْضِــينَ جَمْعــاً تفَـــاؤلاً .. لِــعِلمِي بِــأَنَّ الفَــالَ رَائِـدُ عُقْبــاكَ

فَخُذْ هَـــذِهِ واسْتَخْدِمِ الْفَــلَــكَ الَّذِي .. بَـــرَلهُ إِلَــهِي كَيْ يَدُورَ بِبُغْيَاكَـــا

ابنُ النَّديم:-

هو أبو الفرج محمد بن إسحاق بن محمد بن إسحاق الذي تُوفي سنة 995 وقِيل 998 م، بدأ حياته في مهنة الوراقة التي ورِثها عن أبيِه الوراقِ فكان نسّاخًا وخطاطًا مُجوِّدًا ببغداد، ثم شرعَ بالتّأليف فكان أديبًا ومُصنِّفًا وكاتبَ سيرة، ولعلّ كتابَه الأشهرَ والأولَ من نوعه في عالمِ التصنيفِ هو كتابه “الفهرست”، والذي ضَمَّن فيه كلَّ المصادرِ في زمانِه للكتبِ والمقالاتِ العربيةِ بتصنيفٍ مُنقطع النَّظير[3]

وقد شَهدَ الكثيرُ من الكُتَّابِ والأدباءِ لهذا الكتاب مثل ياقوت الحموي الذي قال: “مُصَنِّفُ كتاب الفهرست جَوَّدَ فيه ، واستوعب استيعاباً يدل على اطلاعه على فنون من العلم وتَحَقُّقِهِِ لجميع الكتب… وذكر في مقدمة هذا الكتاب أنه صُنِّفَ في سبع وسبعين وثلاثمئة”[4].

مهنة الوراقة
بغداد كانت مقراً للعلماء والأدباء

أبو حيَّان التوحيديِّ:-

“كان مُتَفَنِّنًا في جميعِ العلومِ من النحو واللغةِ والشعرِ والأدبِ والفقهِ والكلامِ، وكان جاحظيًا، يسلُك في
تصانيفه مِسلك الجاحظِ، ويشتهي أنْ ينتظمَ في سلكه، فهو شيخٌ في الصوفيَّةِ، وفيلسوفُ الأدباءِ، وأديبُ
الفلاسفةِ، ومُحققُ أهلَ الكلامِ، ومُتكلم المحققين، وإمام البُلغاءِ، فَرْدُ هذه الدنيا الذي لا نظير له ذكاءً
وفِطنةً، وفصاحةً ومُكْنةً، كثير التحصيل للعلومِ في كل فن، حُفَظَةُ واسع الرواية والدراية”

هكذا أثنى ياقوتُ الحمويِّ على أبي حيان في كتابِه “معجم الأدباء”.

وقد احترف أبو حيان مهنة الوراقة مدةً طويلةً في بغداد، ففتحت هذه المهنةُ أمامَه أبوابَ العلمِ والمعرفةِ
على مِصراعيها، فظلّ مصاحبًا للكتبِ مُجالسًا للمثقفين والأدباءِ ناهلًا منهم زاد العلوم ومنهم :

  1. أبي سعيد السيرافيّ.
  2. عليّ بن عيسى الرمانيّ.
  3. أبي حامد المَرْورُوذيّ.
  4. أبي سليمان محمد بن طاهر بن بهرام.

 فصنَّفَ وألَّف في شتَّى المجالات، واشتهر بروعةِ أسلوبِه، وقد كان يسلُك مَذهبَ الجاحظِ في كتاباته من حيث انتقاء أرفع الألفاظِ وحسن البلاغةِ وثراء المعاني والفصاحة، وترك تراثًا من المؤلَّفاتِ منها:

  1. الإمْتاعُ والمُؤانَسَةُ.
  2. البصائرُ والذَّخائر.
  3. المُقابسات.
  4. الهَوامل والشَّوامل[5].

الجاحظ:-

أبو عثمان عمرو بن بحر الكنانيّ البصريّ، هو موسوعةٌ حيةٌ تمشي على الأرضِ، بدأ حياتَه صبيًا يبيعُ الخبزَ
والسمكَ بسوقِ البصرة، لكنّه كان نَهِمًا للعلمِ والمعرفة ساعيًا لكل سبيلٍ ينهلُ من فنونِ العلومِ، وكانت
دكاكين الورَّاقين له مأوي يربُضُ فيها لِيقرأ ما حَوَتْ من كتبٍ ومؤلفاتِ وتراجمَ وكان يستأجرها لِيَبيتَ فيها
لِيروي ظمأه من كل الثقافات والمعارف، وتتلمذَ على يدِ أعلامِ عصره مثل الأخفش، والأصمعيّ، وأبي زيد الأنصاريّ، وأبي عُبيدة[6]

يقول عنه ابن خلدون فيما يتعلق بفن الأدبِ : «وسمعنا من شُيُوخِنا في مجالسِ التعليمِ أن أصولَ هذا الفنّ
وأركانه أربعة كتب هي: أدب الكاتبِ لابن قُتيبة، كتاب الكامل للمبرد، كتاب البيان والتَّبيين للجاحظِ، وكتاب
النوادرِ لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع منها» للجاحظ مؤلفاتٌ من الصعوبة بمكان
إحصائها، فقد تجاوزَ عددها الثلاثمائة مؤلَّف، ولعلّ من أشهرها :

  • البيان والتبيين.
  • الحيوان.
  • البخلاء.
مهنة الوراقة

الخلاصة:-

إن من أسلفنا ذكرهم من علماء شقّوا طريقَ العلمِ بامتهانهم حِرفةَ الوراقة والنّسخِ؛ ليس إلا نقطةٌ من فيضِ
ما أنتجتْ مهنة الوراقة الرفيعةُ للتراثِ الحضاريِّ العربيِّ، ولا يُنكرُ مبصرٌ كيف ساهَم الورَّاقون في إثراءِ
ودعم الثقافة العربية، فقد كانوا هم البذرة التي انتجت ورَوَّجَت جُلَ التراثِ العربي.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى