معلومات تاريخية

من القسطنطينية إلى إسطنبول .. قصة مدينة تاريخية عظيمة

ظلت عاصمة للإمبراطورية الرومانية إلى حين سقوطها سنة 1453 م على يدِّ العثمانيين

تعتبر مدينة القسطنطينية إحدى أهم المدن في التاريخ، نظراً للدور الذي لعبته في الصراع بين العديد من الإمبراطوريات والدول المتباينة من حيث الديانات والعرقيات.

فمنذ  نشأة المدينة وهي محط صراع  بين الدول التي حكمت العالمين الاسلامي والأوروبي، ويعود سبب ذلك إلى الموقع الإسترتيجي الهام الذي تحتله القسطنطينية.

القسطنطينية بداية التأسيس :-

 تأسست مدينة القسطنطينية من قِبَل ملّاحين يونانيين من ميجارا وذلك سنة 657 قبل الميلاد، وأُطلق عليها حينذاك اسم بيزنطة، وفي سنة 330 ميلادية ؛ تم اتخاذها عاصمة للإمبراطورية الرومانية خلال فترة حكم الإمبراطور قسطنطين الأكبر ( 306 م – 337 م)، وتمت تسميتها بروما الجديدة، غير أن الناس اختاروا تسميتها بالقسطنطينية تخليدا لذكرى مؤسسها الذي اهتم بإعادة بنائها وتهيئتها وتوسيعها.

معصم ذهبي
معصم ذهبي يعود لأحد كبار الساسة أو القادة البيزنطيين عثر عليه في إسطنبول (القرنان السادس او السابع ) – الميتروبوليتان

قام قسطنطين الأكبر بإعادة ترميم المدينة وتوسيعها وأحاطها بعناية كبيرة، حيث قام  بنقل الرخام الأبيض و التماثيل إليها من بلاد اليونان القديمة، وبنى فيها القصور الشامخة والحمامات الفخمة، ونصب أقواس النصر، كما تمت احاطتها بأسوار وتحصينات قوية جعلت المدينة محمية من هجمات أعدائها لقرون طويلة.

ومباشرة بعد افتتاح المدينة من قِبَل الإمبراطور نفسه سنة 330 ميلادية والإعلان عن اتخاذها عاصمة جديدة للإمبراطورية الرومانية؛ توافد إليها التجار من جميع أنحاء أوربا وذلك للإستفادة من المشاريع والمرافق الكبرى التي أقيمت فيها .

وظلت المدينة عاصمة للإمبراطورية الرومانية إلى حين سقوطها سنة 1453 م على يدِّ العثمانيين، بعد أن  توالت على حكمها إحدى عشرة أسرة مسيحية آخرها أسرة قسطنطين الحادي عشر  ( 1405 – 1453 م)  الذي قتل أثناء معركة الفتح.

موقع مدينة القسطنطينية و دوره في ازدهارها :-

تتميز مدينة القسطنطينية بموقع فريد جعلها محط صراع بين الدول و الإمبراطوريات، فهي تقع في نقطة التقاء القارتين الأوربية والآسيوية، وبالتالي فقد كانت نقطة تواصل بين الشرق والغرب، ومركزاً تجارياً هاماً تلتقي فيه خطوط التجارة البرية والبحرية معاً.

وقد بنيت المدينة فوق مجموعة من التلال تحيط بها البحار من ثلاث جهات، فجنوباً يوجد بحر مرمرة، وشرقاً مضيق البوسفور، وشمالا البحر الأسود أو القرن الذهبي، و تتميز المدينة بانتشار الوديان والبحيرات و الأراضي الخصبة، مع سيادة مناخ معتدل.

الشاطى الذهبي
الشاطئ الذهبي في نهايا القرن التاسع عشر – مكتبة الكونغرس

 ونظرا لهذا الموقع المتميز الذي جعلها تلعب دور الحصن المنيع أمام غزوات الشعوب غير المسيحية المهددة لأوروبا؛ عاشت المدينة فترة من الإزدهار لقرون طويلة، وكانت مقر انطلاق الحملات التوسعية البيزنطية نحو الشرق.

المسلمون ومحاولات الفتح :-

عانى المسلمون من هجمات وضغوط الإمبراطورية الرومانية التي كانت تتخذ من القسطنطينية عاصمة لها، وقد أدرك المسلمون منذ القرن الهجري الأول مدى خطورة المدينة وأهمية موقعها الاستراتيجي، الأمر الذي حدا بهم إلى غزوها ومحاولة ضمها للعالم الاسلامي.

وقد انطلقت أولى المحاولات في العهد الأموي لتليها أخرى في العصر العباسي، غير أن هذه المحاولات جميعا باءت بالفشل بسبب التحصينات القوية للمدينة.

  لكن؛ ورغم تحصينات المدينة القوية، فقد استمرت المحاولات من قِبَل الدولة العثمانية التي تولت حكم العالم الإسلامي بدءاً من القرن 14 م ، بغية تحقيق بشارة النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام الذي بشّرَ بفتحها من قِبَل المسلمين، وفي القرن 15 ميلادي؛ استطاع السلطان محمد بن مراد الثاني تحقيق الحلم الذي راود المسلمين لقرون عديدة.

السلطان الفاتح والحلم الطويل في فتح القسطنطينية :-

استطاع السلطان السابع للدولة العثمانية محمد بن مراد الثاني  خلال فترة حكمه ( 1451 – 1481 م) أن يحقق الحلم الذي طالما راود المسلمين، والمتمثل في القضاء على الروم  ألدُّ وأخطر أعدائهم.

ومباشرة بعد تولي السلطان محمد حكم الدولة العثمانية خلفا لأبيه، عمل جاهدا على تجهيز كل الوسائل والتجهيزات اللازمة لإخضاع المدينة، مستفيدا من تكوينه العسكري وخبراته القتالية التي راكمها في الغزوات والحروب، ومستفيداً من معرفته التاريخية حول المحاولات السابقة للمسلمين في  فتح المدينة.

بحر اسطنبول
موقع إستراتيجي عزز من مكانة وأهمية المدينة

قام السلطان محمد بن مراد بتقوية أسطوله البحري وزيادة تسليحه ليصل قوامه إلى 400 سفينة حربية، كما قام باقتناء المدافع وأمر بإجراء عمليات تطوير واسعة أخرى، كما أشرف على إعداد الخرائط والخطط وجمع المعلومات، وفي يوم الخميس 26 ربيع الأول 857 هـ/ 06 أبريل 1453 م؛ وصل السلطان إلى أرض المعركة ليقود الحرب بنفسه.

و يوم 20 جمادى / 29 مايو من نفس السنة؛ أعطى السلطان  الأوامر ببدء الهجوم على المدينة من ناحيتي البر والبحر.

وبسبب التحصينات القوية المتمثلة في سلسلة ضخمة كانت تمنع دخول السفن إلى القرن الذهبي؛ لجأ العثمانيون إلى حيلة ذكية، حيث قاموا بنقل السفن براً من بحرِّ مَرمرة إلى القرّن الذهبي على ألواح خشبية مطلية بالزيت والشحم، فبعث منظر السفن الشراعية وهي تسير وسط اليابسة والغابات الدهشة والرعب معا في صفوف المدافعين عن المدينة في الوقت الذي كانت فيه المدافع تدك أسوار المدينة وتحصيناتها القوية .

 وسرعان ما انتهت المعركة بانتصار العثمانيين، معلنين بذلك عن إحدى أكبر التحولات في التاريخ، حيث انهارت الإمبراطورية الرومانية التي سادت العالم القديم طويلا.

خوذه عسكرية للخليفة سليمان القانوني
خوذة عسكرية تعود للخليفة سليمان القانوني – متحف الميتروبوليتان

نقطة تحول كبيرة :-

هذا؛ وقد شكل سقوط القسطنطينية بيد العثمانيين بداية تحول كبير في تاريخ المدينة، حيث انتقلت من مدينة ذات ثقافة رومانية غربية إلى أخرى ذات ثقافة اسلامية شرقية،  فبنيت فيها المساجد والقصور والمدارس المعتمدة على المعمار الاسلامي، كما تمت توسعتها وترميمها واتخاذها عاصمة للدولة العثمانية حتى سقوط هذه الأخيرة في بداية القرن 20 ميلادي بعد الهزيمة في الحرب العالمية الأولى.

نتائج الفتح الاسلامي العثماني للقسطنطينية :-

أدى فتح القسطنطينية إلى إنهيار الإمبراطورية الرومانية وإسدال الستار على مسيرتها، في الوقت الذي زادت فيه شوكة الدولة العثمانية، فبعد السيطرة على المدينة -التي تعد من أهم المدن الاستراتيجية بين الشرق والغرب-، تزايدت وثيرة  الفتوحات بسرعة كبيرة ، وتم فتح  العديد من المناطق الأخرى في أوروبا الشرقية بعد ذلك كاليونان وألبانيا والبوسنة.

إضافة إلى ذلك؛ عرفت المدينة توسعاً كبيراً بعد اتخاذها عاصمة للدولة العثمانية وتغيير إسمها من مدينة القسطنطينية إلى إسلامبول ، فشُيّدت بها العديد من القصور والمساجد، لدرجة وصفها بمدينة المآذن.

من إسلامبول إلى إسطنبول :-

 أدت الهزيمة التي لحقت بالإمبراطورية العثمانية بعد مشاركتها في الحرب العالمية الأولى  ( 1914 – 1918م) إلى تفكيكها، وذلك في أعقاب توقيع  معاهدة سيفر  التي فُرِضَت عليها سنة 1920، والتي تقضي بتسليم غالبية أراضيها لصالح اليونان، فضلاً عن فصل منطقة المشرق العربي عنها.

 وفي سنة 1930 م ؛ قام القوميون الأتراك بتغيير إسم المدينة من إسلامبول إلى إسطنبول، وهو الإسم الذي مازالت تحمله المدينة إلى اليوم.

الحرب العالمية الاولى
تحول كبير شهدته البلاد بعد خسارتها في الحرب العالمية الأولى

أهم مآثر مدينة إسطنبول :

تشتهر مدينة إسطنبول أو القسطنطينية من القِدَم بالعديد من المآثر التاريخية، التي تعكس تاريخها الطويل، والذي تتجلى فيه  روعة المعمار الإسلامي وجمالية نظيره الروماني ، فهناك المساجد ذات المآذن المرتفعة و قصور السلاطين الفخمة، إضافة إلى القلاع و الجسور والقناطر والمدارس والحمامات، و لعل من أشهر مآثر المدينة اليوم، نجد :

  • قصر دولما باهشه  : تقع هذه التحفة المعمارية في منطقة بشيكتاش على الجانب الأوربي من مضيق البوسفور، ويتميز هذا القصر بتمازج المعمارين الشرقي والغربي، ويعتبر شاهداً على محاولات الإمبراطورية العثمانية الانفتاح على أوروبا.
  • تشراغان ويلدز  : يقع فوق تل في حديقة يلدز في مدينة إسطنبول، وقد تم بناؤه في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث اتخذه السلطان عبد الحميد الثاني ( 1842 – 1918 م ) مقرا لحكمه حتى عام 1909 م.

     هذا فيما يخص القصور؛ أما فيما يخص المساجد فنجد :

  • المسجد الأزرق أو جامع السلطان أحمد : يحتوي على ست منارات مرتفعة، ثلاث في اليمين ومثلها في الجهة المقابلة حيث يقع جنوبي آيا صوفيا، الذي تم تشييده ما بين سنتي 1609 و1616 م على يد أحد أشهر المعماريّين الأتراك المهندس محمد أغا.
  • جامع الفاتح  : تم إنشاء المسجد بين عامي 1463 و 1470 م، ومازالت آثاره في إسطنبول رغم تغير شكله الحقيقي بسبب الزلزال الذي ضرب المدينة سنة 1766 م.
  • جامع أورطا كوي : تم بناؤه من قِبَل السلطان عبد المجيد (1823 م – 1861 م) ويظهر على بابه كتابة وختم يدل على ذلك، ويتكون من كتلتين، كتلة الجامع وكتلة محفل السلطان، وقد تم ترميم أساساته سنة 1960 م وذلك بسبب ضعف البناء.
مظاهر العمارة في اسطنبول
روعة العمارة تظهر في جميع أركان إسطنبول
  • كنيسة/ مسجد  آيا صوفيا : بنيت عام 537 م، وذلك بطلب من الإمبراطور البيزنطي آنذاك يوستينيانوس الأول ، لتكون صرحاً عظيماً يمثل الدولة البيزنطية، وبعد فتح مدينة القسطنطينية سنة 1453 م من طَرَف محمد الفاتح؛ تم تحويلها إلى مسجد، أما الآن فهي عبارة عن مُتحف .

     وتحتضن المدينة أيضا العديد من القلاع التاريخية، ومن أشهرها :

  • قلعة أسكي : أو ما يسمى البرج الشرقي لإسطنبول، والتي يعود تاريخها إلى العصر البيزنطي، وقد جددها العثمانيون عدة مرات واستخدموها طويلا في معاركهم وحروبهم.
  • قلعة طوبجى ومنارة روميلى : التي يعود تاريخ بنائها إلى القرن السابع عشر الميلادي على يد السلطان مراد الرابع ( 1612 – 1642 م )، وتتشكل هذه القلعة من برجين ضخمين مطلين على البحر مبنيان بالقرميد والحجارة.

مكانة القسطنطينية المميزة :

وإلى يومنا هذا؛ ماتزال مدينة القسطنطينية أو إسلامبول أو إسطنبول تحتل مكانة متميزة في العالم بسبب الموقع الاستراتيجي الذي بنيت فوقه، وبسبب الآثار الكثيرة والمتنوعة التي تشهد على عُمر المدينة الطويل وعلى تعاقب عدة دول وإمبراطوريات عليها، الأمر الذي يجعل من الجمهورية التركيّة حالياً قِبلة لملايين السياح الذي يرتادونها باستمرار، ما يساهم في تقوية اقتصاد البلاد وتعزيز مكانتها في العالم .

اقرأ ايضاً بلاطة عثمانية فائقة الجمال تصور الحرم المكي

مسجد السلطان احمد
مسجد السلطان أحمد في العام 1880 م – مكتبة الكونغرس

المصادر:

– فهد بن عايش بن محمد الطيار، فتح مدينة القسطنطينية، اصدارات النادي الأدبي بمنطقة تبوك.

https://www.turkpress.co/node/14955

https://www.turkpress.co/node/9021

https://istanbul.imtilak.net/articles/fatih-mosque

https://www.turkpress.co/node/12618

https://www.aljazeera.net/encyclopedia/citiesandregions/2016/7/5/%D8%A3%D9%8A%D8%A7-%D8%B5%D9%88%D9%81%D9%8A%D8%A7-%D8%AC%D8%AF%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D9%81

https://www.almrsal.com/post/123883

https://mawdoo3.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D9%81%D9%8A_%D8%A5%D8%B3%D8%B7%D9%86%D8%A8%D9%88%D9%84

https://mawdoo3.com/%D8%A3%D9%8A%D9%86_%D8%AA%D9%82%D8%B9_%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B3%D8%B7%D9%86%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9

https://www.youm7.com/story/2018/5/11/%D8%B1%D9%88%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B3%D8%B7%D9%86%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%B2%D9%86%D8%B7%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%86%D8%A8%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AB%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86/3788375

https://expertsproperty.net/%D8%A7%D8%B3%D8%B7%D9%86%D8%A8%D9%88%D9%84/%D9%85%D9%85%D9%8A%D8%B2%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%B7%D9%86%D8%A8%D9%88%D9%84-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7/

https://istanbul.imtilak.net/articles/information-about-istanbul

https://blogs.aljazeera.net/blogs/2018/6/3/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%AA%D8%AD-%D9%88%D9%81%D8%AA%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B3%D8%B7%D9%86%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%AE%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A9

Photo by Fatih Yürür on UnsplashCopy

Photo by Emre Gencer on Unsplash

https://cdn.loc.gov/service/pnp/ppmsca/03700/03793v.jpg

aziz

عزيز سليمان من مواليد عام 1988، مغربي الجنسية، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجغرافيا عام 2013، وعلى شهادة التربية والتكوين عام 2015، ويعمل مدرسا لمادة الاجتماعيات منذ 2015. كاتب محتوى عربي، مهتم بالقضايا التاريخية والثقافية والحقوقية والتربوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى