معلومات تاريخية

منارة الإسكندرية .. الأعجوبة التي لم يندثر ذكرها

تعرضت للعديد من الهزات والكوارث الطبيعية حتى انهارت في النهاية بشكل تام

توطئة:

تعتبر منارة الإسكندرية اليوم إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة، وهي التي كانت منذ الأزل معلماً يجذب السياح من كل أرجاء العالم، حتى أن كل من زارها في العصور الوسطى ؛ أُبهِر بروعة بنائها وضخامته.

منارة الإسكندرية

من بناها، أين ومتى؟

هذه الأعجوبة تم بناؤها خلال القرن الثالث قبل الميلاد وذلك في عهد بطليموس الأول وابنه المسمى فيلادلفيوس خلال تلك الفترة التي تحولت فيها الإسكندرية إلى مدينة عظيمة.

ساهم شكل المنارة الفريد في لفت نظر زوار المدينة الذين شُدوا بجمال البناء وضخامته وموقعه المميز فوق جزيرة فاروس الصغيرة بجوار سواحل المدينة المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

العديد من العلماء والرحالة المسلمين تغنوا بروعة هذه المنارة أو الفنار كما سماه البعض وأبدعوا في وصفها، ربما السبب في ذلك هو كبر حجمها.

ولكن ما هو مؤكد؛ هو أن التقنيات التي تم تشغيلها عبر المنارة كانت جذابة للعديد من روادها وخاصة من حيث وظيفة المرايا فيها.

وعبر التاريخ؛ نجد أن وصف المنارة كان أمراً نادر الحدوث، ولم يظهر إلا في العهد الإسلامي الوسيط، فنجد بين الروايات الإسلامية كانت بمثابة مجموعة من الأوصاف -الواقعية وذات الطابع الأسطوري- حول حقائق تكوينها وإنشائها.

أبرز ما ذُكِر عن منارة الإسكندرية هو ما تركه الرحَّالة الأندلسيون -خلال القرن الثاني عشر للميلاد- من روايات وأخبار رائعة منها ما أخبر به ابن جبير، أبو حامد الغرناطي ويُوسف بن الشيخ البلوي وكان ذلك قبل فترة قليلة من تدمير هذه الأعجوبة بفعل سلسلة من الزلازل.

وفي هذا السياق؛ قال المؤرخ الشهير شهاب الدين النويري (المتوفى بالقاهرة سنة 1333 م) في كتابه “نهاية الأرب” وذلك خلال توثيقه لأبرز الأحداث التي حصلت في سنة أربع وعشرين وسبعمائة هجرية (1324 م) : “وفي هذه السنة؛ سقط من منارة الإسكندرية أكثرها، وكان سقوط ذلك شيئاً فشيئاً”.

ويُستَند إلى رواية الزلزال تبعاً لما ذُكر في أطروحة “الإسكندرية: مدينة الحكمة الغربية” والتي كان قد كتبها ثيودور فريتوس حيث قال فيها: بأنه من المرجح أن تكون منارة فاروس قد دمرت في زلزال سنة 1365 للميلاد.

ابن بطوطة يلخص زيارته الى الإسكندرية
ابن بطوطة يلخص زيارته للإسكندرية

هذا الزلزال أطاح بقطع الرخام والجرانيت النفيس في المياه لتبقى ولأكثر من مئة عام في الميناء إلى أن تم إزالة أكبر قطع المنارة من المرفأ.

وما يُذكر أنه في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي (1480 م)؛ بقي جزء من المنارة صامداً إلى أن قام السلطان المملوكي قايتباي ببناء حصن وقلعة قايتباي المشهورة مستفيدا من القطع الرخامية الكبيرة لأجزاء المنارة المنهارة في الزلزال وذلك لأغراض بناء جدران الحصن.

منارة الإسكندرية
المنارة موجودة في خريطة قديمة والتي تظهر المكان الذي تم تشييدها فيه.

ما هو شكل منارة الإسكندرية وصفاتها المعمارية؟

في الواقع لا يوجد ارتفاع محدد ومتفق عليه لمنارة الإسكندرية، حيث تُطرح العديد من وجهات النظر التي تفترض ارتفاعاً وحجماً متغيرين بشكل متكرر، حيث يتراوح ارتفاعها ما بين (100 و 200 متراً) عن سطح الجزيرة، وغالباً ما تم حساب الحجم الخاص بها استنادا لملاحظات المشاهدين والزائرين لها والقادمين من مختلف مراكز العالم الإسلامي العلمية.

الإدريسي يصف مدينة الإسكندرية
الإدريسي يصف مدينة الإسكندرية

وعلى سبيل الذكر؛ قام كل من الرحالة والجغرافي الإدريسي والعالم يُوسف بن الشيخ في القرن العاشر الميلادي بالقول:

” يبلغ ارتفاع المنارة قرابة 300 ذراعاً”، ولأن قياس الذراع كان يختلف في معياره من مكان لآخر؛ يمكن القول بأن ارتفاع منارة فاروس “منارة الإسكندرية” تتراوح بين (450 إلى 600 ذراعاً) هو ما يعادل (140 إلى 183 متراً).

وما ذُكِر من وصف لمنارة الإسكندرية من وجهة نظر أخرى؛ أن طولها قد تغير بشكل ملحوظ خلال عمليات الترميم بعد الزلازال، ويُظَن بأن ارتفاعها قد تغيَّر وازداد بنسبة (15%) ليتحول من 103 إلى 118 متراً وذلك على قاعدة تُعطى بمربع أبعاده (30×30) م.

الإدريسي يصف منارة الإسكندرية
الإدريسي يصف منارة الإسكندرية

وما اجتمع عليه معظم الكتاب والرحالة حينها؛ هو أن المنارة كانت عبارة عن برج يتألف من ثلاث طبقات ومستويات ويصفون قاعدتها بأنها ذات نمط مربع، والبعض يذكر أن قاعدتها كانت ذات شكل مثمن، في حين وصفها البعض الآخر بأنها ذات قاعدة دائرية مع وجود إنحناء كبير.

ولكن وعلى أية حال؛ لا خلاف اليوم حول ضخامة حجم وارتفاع المنارة في عيون زوارها ومرتاديها، ومن ذلك ما يخبرنا به ابن جبير بوصفه إياها بكونها “تتنافس مع السماء في ارتفاعها”.

دراسة لحجم منارة الإسكندرية القديمة المعروفة بفاروس وذلك من دراسة (1909 ثيرش، 2006 شنودة)

مصادر عربية أخرى تتحدث عن منارة الإسكندرية:

لم يقتصر ورود منارة الإسكندرية فيما تقدم ، بل جرى ذكرها في العديد من المصادر العربية والإسلامية الأخرى ومنها التالي:

  • بين القرنين التاسع والعاشر للميلاد؛ تحدث المسعودي عن العائلة التي قامت بتعديل وترميم هذه المنارة والإضافة عليها وهي أسرة طولون بقيادة أميرها أحمد بن طولون.
  • وصف أبو الحجاج بن محمد البلوي الأندلسي المنارة بشكل كامل خلال القرن الثاني عشر.
  • خلال القرن الخامس عشر؛ قام محمد بن إياس بذكر الزلزال الذي تسبب بتدمير المنارة.
  • ولا يقتصر الأمر على ذلك؛ بل قام كل من البكري وناصر خسرو بذكر فاروس الإسكندرية خلال القرن الحادي عشر للميلاد، بينما ذكرها المقدادي في أواخر القرن العاشر والعديد غيرهم.

هزات عديدة أثرت في منارة الإسكندرية:-

ما ورد عن العديد من الأعلام والرحّالة؛ أن المنارة تعرضت للعديد من الهزات والكوارث الطبيعية حتى انهارت في النهاية بشكل تام، وآخر ما بقي من حجارتها نجده اليوم ضمن أسوار قلعة قايتباي الأثرية التي يعود تاريخ بناؤها إلى أواخر القرن الخامس عشر للميلاد.

ومع أنها لم تعد موجودة اليوم؛ إلا أنها ظلت لفترات طويلة ضمن عداد العجائب القديمة جنباً إلى جنب مع أهرامات الجيزة الشامخة ومدينة هاليكارناسوس.

من مخطوطة التفريق في القصص وهي إحدى الكتابات التي كُتبت في القرن الثاني عشر وتنحدر من الأدب الفارسي، كاتبها مجهول
لا نعرف اليوم من هو الكاتب لهذه الأطروحة، ولكن الصورة تمثل منارة الإسكندرية، وهي موجودة ضمن صفحات إحدى المخطوطات العربية التي تعود بتاريخها إلى الفترة الواقعة بين القرنين الرابع والخامس عشر وتُعرف مخطوطها باسم كتاب العجائب/ كتاب البلهان

وصف ابن جبير والغرناطي:-

و قد كتب الرحالة الجغرافي المسلم الشهير ابن جبير حول منارة الإسكندرية خلال رحلاته الاستكشافية إلى مصر وهي البلد الأول الذي قصده وتم تأريخ الزيارة في سنة 1183 للميلاد، ويبدو أن زيارته إلى مصر والإسكندرية قد تركت بصمتها القوية عليه وخاصة مما شاهده من روعة المنارة العملاقة التي قال فيها:

“أعظم ما شاهدناه من عجائبها المنار، الذي وضعه الله عز وجل على يدي من سخر لذلك آية للمتوسمين وهداية للمسافرين، فلولاه ما اهتدوا إلى بر الإسكندرية، ويظهر على أزيد من سبعين ميلاً. ومبناه نهاية العتاقة والوثاقة طولاً وعرضاً يزاحم الجو سمواً وارتفاعاً، يقصر عنه الوصف وينحسر دونه الطرف، الخبر عنه يضيق والمشاهدة له تتسع”.

ومما ذكر في منارة الإسكندرية؛ هو رسم لأبي حميد الغرناطي الشهير، حيث قام بوصف دقيق للمنارة بالاعتماد على ملاحظاته الشخصية.

رسم لمنارة الإسكندرية من عمل الغرناطي.

المصدر:-

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى