أعلام

ملكشاه بن ألب أرسلان … ثالث سلاطين نهضة السلاجقة

من هو ملكشاه بن ألب أرسلان ؟

هو السلطان جلال الدولة أبو الفتح ملكشاه بن ألب أرسلان محمد بن جغري بك السلجوقي التركي، رائد نهضة السلاجقة، وثالث سلاطين إمبراطوريتهم العظيمة، ولد في التاسع من جمادى الأولى سنة 447 هـ/ 1055م، لُقّب بالملك العادل، وكان من أبرز وأقوى حكام السلاجقة. 

متى بدأت نهضة السلاجقة؟ وكيف تأسست دولتهم؟

في النصف الأول من القرن الخامس الهجري؛ أشرقت نهضة السلاجقة وتأسست دولتهم على يد طغرل بك، الذي استطاع تأسيس دولته القوية في خراسان وبلاد ما وراء النهر، وأعلنت تلك الدولة تبعيتها للخلافة العباسية في بغداد، وقد استطاع طغرل بك بمهاراته القيادية والعسكرية بسط سيطرته على إيران والعراق، وتمكن من دخول عاصمة الخلافة سنة 447هـ، فكان ذلك بمثابة عصر جديد شهدته الخلافة العباسية سماه المؤرخون عصر نفوذ السلاجقة، أو عصر نهضة السلاجقة.

ثم تُوفي طغرل بك سنة (455هـ = 1063م) ولم يكن له وريث يخلفه على الحكم، فنشبت الصراعات والنزاعات على كرسي الحكم، إلا أن ابن أخيه ألب أرسلان استطاع أن يحسم الصراع لصالحه، ليظفر بالكرسي بمساعدة وزيره الحاذق نظام الملك أبي علي الحسن، وقد كان ألب أرسلان قديرًا وجديرًا بالحكم، واستطاع الحفاظ على إرث دولته، وتوسيع رقعة حدودها، وانتصر انتصارًا كاسحًا على قيصر الروم في معركة ملاذكرد سنة 463هـ/ 1071م، لِيعترف الروم بنفوذ السلاجقة، ويقرّوا بسيطرتهم على البقاع التي فتحوها من بلاد الروم.

الوزير نظام الملك الطوسي أشهر وزراء الدولة السلجوقية، له دور كبير في خدمة الشريعة والثقافة الإسلامية، أسس المدارس النظامية وبذل جهده للنهوض بالحركة العلمية
نظام الملك ساهم بمساعدة ألب أرسلان .

نشأة ملك شاه وتوطيد المُلك له:-

حرص الملك ألب أرسلان على إعداد ابنه ملك شاه إعدادًا مَلَكيًّا، استعدادًا لتوليّه زمام الحُكم من بعده، سيرًا على نَهج أبيه جغري بك الذي أهَّله مُسبقًا لتولِّي مقاليد الحُكم من بعد عمه طغرل بك، فأسدى ألب أرسلان إلى وزيره النابه نظام الملك مهمة تريبه وتأهيله، وحَرِص على تلقيّه صنوف العلوم والفنون؛ العِلمية، والقتالية، والعسكرية، والقيادية، وذلك رغبةً في استمرار العرش بين يدي آل سلجوق.

ولم يكن هذا التدريب والتأهيل نظريًّا فحسب، لكن ألب أرسلان كان يَزُجُّ بوَلَده في ساحات القتال وميادين المعارك، حتى يتثنَّى له تطبيق ما تعلّمه على أرض الواقع، ليكون مُحيطًا بخُدع الحروب وخططها، ثم أصدر منشورًا بمنحه حكومة كيلان، ليُباشر ويمارس إدارة شئون الرعايا عن كَثَب، ويُتقن أصول وتدابير الحُكم بالممارسة.

وفاة ألب أرسلان واعتلاء ملكشاه الحُكم:-

أمر الملك ألب أرسلان قوَّاده بمُبايعة ابنه ملك شاه على تولِّي الحكم من بعده، وكان ذلك بعد معركة سمرقند التي قام بها سنة 465هـ، وقُبيل وفاته على إثر جراحه، وكان عمره آنذاك ثمانية عشر عامًا، فجعل وزيره نظام الملك وَصيًّا عليه، وأمر القُوَّاد والأعيان بالسَّمع له والطاعة، وبالفعل اجتمعوا في حِلفٍ لإتمام مراسم الجلوس، ومبايعة ملك شاه بن ألب أرسلان على الحكم سنة 465هـ، فألقى خِطاب اعتلاء العرش، وكان مما قال: “الأكبر منكم أبي، والأوسط أخي، والأصغر ابني، وسأفعل معكم ما لم أسبق إليه”.

وقد أدَّى نظام الملك الأمانة التى استودعه إياها ألب أرسلان على أكمل وجه، فأعان ملكشاه على إرساء دعائم الدولة، وكان له دور بارز في تحقيق الانتصارات الحربية، ودحض العقائد المتطرفة، وازدهار العِلم، والدين، والثقافة، باهتمامه بالعلماء والفقهاء، وتأسيس الكثير من مدارس أهل السُّنة في شتّى أنحاء الدولة السُّلجوقية،

فزهق المد الباطني وأهله، وطُمست معالم الدعوات الفلسفية والشيعية المخالفة للعقيدة، ومنها المدارس النظامية التي سُميت باسمه، وأشهرها “نظامية بغداد” التي اختار أئمة الفكر والعلم والثقافة للتدريس بها مثل أبي حامد الغزالي، وقد سعى خصوم نظام الملك بالوشاية إلى السلطان ملك شاه قائلين: “إن نظام الملك ينفق في كل عام على الفقهاء والقُرّاء أكثر من ثلاثمائة ألف دينار، ولو صُرِف هذا المال على جيش لرفع رايته على أسوار القسطنطينية”، فاستجوبه السلطان فردّ عليه قائلًا: “إنك تنفق على الجيوش المحاربة أضعاف هذا المال، مع أن أقواهم وأرساهم لا تبلغ رميته ميلًا، ولا يضرب سيفه إلا ما قرب منه، وأنا أقمت لك بهذا المال جيشًا يُسمى جيش الليل، قام بالدعاء إذا نامت جيوشك، فمدّوا إلى الله أكفَّهم، وأرسلوا دموعهم فتصل من دعائهم سهام إلى العرش، لا يحجبها شيء عن الله، فأنت وجيوشك في خفارتهم تعيشون، وبدعائهم تثبتون، وببركاتهم ترزقون” فبكى السلطان ملك شاه وقال: “نِعم الجيش هذا! فاستكثِر منه ما استطعت”.

وقد أثبت ملكشاه بن ألب أرسلان مقدرته وجدارته على إدارة شئون البلاد مع مرور الوقت، ودوره البارز في نهضة السلاجقة العظمى، وأثبت مهارة لافتةً للأنظار في الحروب، حتى اعتبره بعض المؤرخين عَصَب نهضة السلاجقة، والمؤسس الحقيقي للدولة السلجوقية، ومما لا شك فيه أنه سار على نهج أسلافه في توطيد دعائم الإمبراطورية السلجوقية واتساع رقعتها، وقد استطاع أن يملك جميع بلاد ما وراء النهر، وبلاد الهياطلة، وباب الأبواب، والروم، وديار بكر، والجزيرة، والعراق، والشام، وخطب له على جميع منابر الإسلام سوى بلاد المغرب، فإنه ملك من كاشغر وهي مدينة في أقصى بلاد الترك وسوريا إلى بيت المقدس طولًا، ومن القسطنطينية إلى بلاد الخزر وبحر الهند عرضًا، وخُطِب له من حدود الصين إلى الشام.

نزاع على السلطة:-

كان من أعمام ملكشاه من يرى نفسه أحق منه بالسلطة بعد ألب أرسلان؛ وهو عمه قاروت بك صاحب كرمان، الذي خرج عليه فاشتبكا بالقرب من همذان، فانتصر ملك شاه وأسر عمه، فجعل قاروت يتوسّل ألا يقتله، ويكتفي باعتقاله فقط، لكن ملكشاه رفض، فأخرج قاروت بك مكتوبًا من الأمراء وبعض العسكر ليؤكد لملك شاه أنهم هم الذين حملوه وحرَّضوه على الخروج عليه، وزينوا له الأمر، فارتعبت قلوب الأمراء والعسكر الحاضرين خوفًا من أن يطلع ملك شاه على المخطوطة وقد كاتبه أكثرهم، لكن الوزير الحكيم نظام الملك أمسك المخطوطة وألقى بها في النار، ليتحوّل موقف العسكر والأمراء إلى صف ملكشاه بعدما اطمئنت قلوبهم بعد حرق المخطوطة، وتيقنهم من هلاك قاروت بك،

 فعاهدوا الملك الجديد على الولاء والطاعة، فترسَّخ بذلك حكم ملكشاه، وأحكم قبضته على السُّلطة، ولم يرض بعد ذلك أن يصفح عن عمه قاروت بك، فأمر بقتله خنقًا بوتر قوسه، لينفرد بالحُكم، وينطلق نحو فتوحاته.

زوجات ملك شاه وأبناؤه :-

كان لملك شاه ثلات زوجتان وجارية مملوكة وهن: تركان خاتون والتي أنجبت له ابنه محمود، وزبيدة خاتون التي أنجبت له بركياروق أكبر أبنائه، وجاريته المملوكة تاج الدين خاتون السفرية التي أنجبت محمد تبار، وأحمد سنجر، وكان تعدد زيجات ملكشاه وكثرة أبنائه الذكور سببًا في الصراع فيما بينهم على السلطة من بعده، ولاسيما زوجته تركان خاتون التي كانت تطمح في أن يكون ابنها محمود هو الحاكم بعد موت ملك شاه، لذلك أخفت نبأ وفاته وظلَّت تدير شئون البلاد بنفسها سرًا برغم أن ابنها كان عمره أربع سنوات فقط، فأرادت أن تمهد له الحكم، فأغدقت الهبات على الوزراء والعسكر، وأمرت باعتقال بركياروق كونه ابن ملكشاه الأكبر الذي يحق له العرش من بعده، لكنها اضطرت للتنازل عن الحكم بعد فترة وجيزة، بعد أن تسرّب نبأ وفاة ملك شاه، تحت ضغط وتهديد من الخليفة العباسي في ذلك الوقت.

وقد كان ملكشاه حريصًا على اتصاله بالبيت العباسي لاكتساب صفةً شرعيةً ورسمية لنَسله، فزوّج ابنته بالخليفة المقتدي سنة 480ھ، وكان عُرسها مشهودًا ولم يكن له مَثيل، فولَدت له جعفرًا، وزوج ابنته الأخرى من المُستظهِر العباسي.

أقوالٌ في ملك شاه بن ألب أرسلان:-

● قال ابن خلكان: “وكان حَسَنَ السِّيرةِ ، لَهِجًا بالصَّيدِ، واللّهوِ ، مُغرًى بالعَمَائِرِ ، وحَفْرِ الأنهارِ ، وتَشييدِ القَنَاطرِ ، والأسوارِ ، وعَمَّرَ ببغدادَ جَامعًا كَبيرًا، وأَبطلَ المكوسَ والخفَاراتِ في جمِيعِ بلاده”.

● وقال الذهبي: “كان ملكشاه خفيف الرِّكاب، كثير الجيوش، عَبر إلى ما وراء النهر سنة 482ھ، فسارَ إِلى بُخَارَى ، وسَمَرقَند، فتمَلَّكَها، ثم سار في بلادِ التُّرك إِلى كَاشْغَر ، فأذعَنَ له صاحبها بالطاعة”.

● وقال المُؤَيدُ في تَاريخِه: “كانَ مِن أحسنِ النَّاسِ صُورةً ومعنى، خُطِبَ له من حُدُودِ الصِّينِ إِلى آخر الشَّام، ومن مملكة الرُّومِ إِلى اليمَن، وقَصَد حَلب، فَافتتَحهَا ، ودانَت له الدنيا”.

وفاته:-

تُوفي ملكشاه في (15 شوال 485هـ/ 18 نوفمبر 1092م)، بعدما اعتلَّ فجأة، فقِيل أنه مات بالسُّم، وقِيل غير ذلك، وكان ذلك بعدما دخل السلطان مدينة بغداد، واستقر في دار المملكة، بعدما ساءت علاقته بالخليفة المقتدي بسبب خلافاته مع زوجته ابنة ملك شاه، فبدأ ملك شاه يتربص بالمقتدي خاصة بعد وفاة ابنته سنة 482ھ، واحتفى أهل بغداد بالسلطان وأقيم احتفال بيوم ميلاده على نهر دجلة، وازدانت بغداد تشريفًا لقدومه، وكان في نيَّته التدخل المباشر في شئون ومصير الخلافة العباسية، وكان ذلك واضحًا من الطلب الذي طلبه السلطان من الخليفة العباسي، وهو أن يجعل ابن بنته أبا الفضل جعفر وليًا لعهده بدلًا من ابنه الأكبر المستظهر العباسي، الذي قد بايعه المقتدي بالخلافة من بعده، ولم يستطع أن يتملَّص المقتدي من هذا الأمر، خاصة بعد تقلُّص نفوذه في الحكم، وبعدما أصرّ ملك شاه على إجلائه نهائيًا عن بغداد، فأرسل له يأمره بالانصراف من البلاد، وكان ذلك سنة 485هـ، فطلب منه المقتدي أن يمهله شهرًا واحدًا، غير أنه رفض، ولم يقبل إلا أن يمهله على مَضضٍ عشرة أيام فقط، فحلّ بالمقتدي الهم والحزن، لِما آل إليه حاله من ذلِّ وهَوان، فظل يتضرع إلى الله – عز وجل – أن يخرجه من هذه المحنة.

ملكشاه بن ألب أرسلان ساهم باستمرار ازدهار عاصمة الخلافة العباسية.

وشاء الله – عز وجل – أن يَمت ملك شاه فجأة قبل أن تنتهي المهلة، وذلك بعد عودته من رحلة صيد، فأصابته حمى شديدة مات على إثرها، فانفرجت كربة المقتدي، وانتهت مأساته، كما أوشكت بموت ملك شاه شمس نهضة السلاجقة على الأفول.

مسلسل نهضة السلاجقة العظمى :-

إن الأعمال الدرامية حتى ولو كانت تتحدث عن الوقائع والأحداث التاريخية؛ لا يمكن بأي حال أن تكون مَرجعًا صادقًا لتلك الأحداث، خاصةً أنها لا تخلو من الحَبْكة الدرامية اللازمة لجعل المشاهد في ترقُّبٍ دائمٍ للمتابعة، وهذا التّرقُّب هو الذي ينتج عنه الكثير من الفضول والتساؤلات حول الأحداث القادمة، فمن أشهر التساؤلات التي دارت حول مشاهد المسلسل الشهير نهضة السلاجقة العظمى: كيف سيعرف ملكشاه أن سنجار هو ابنه المفقود؟!!.

الحقيقة أن المصادر التاريخية لم تذكر قط أن سنجار كان مفقودًا من الأساس، أو أن أمه ادعت موتها وهربت به دون عِلم السلطان، ناهيك عن اللَّبس الواضح في التواريخ ومن ثّم في أعمار الشخصيات، فكما تذكر المصادر أن عُمر سنجر عندما توفي ملك شاه سنة 485ھ لم يكن قد  تجاوز سبع أو ثمان سنوات، وليس شابًا كما يذكر المسلسل، لكنها كما ذكرنا لدواعي الحبكة الدرامي، فهذا ليس عملًا وثائقيًا، بل هو عمل فنيّ دراميّ.

المصادر:-

  • الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج19، ص55-58.
  • ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج5، ص288.
  • ابن كثير، البداية والنهاية، ج16، ص130-133.
  • ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج6، ص308،309.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى