آثارمعلومات تاريخية

مكتبة آشور بانيبال تجسد عظمة تاريخ العراق القديم

احتوت قُرابة نصف مليون من اللوحات الصغيرة المكتوبة وزُهاء خمسة الآف كتاب

مكتبة آشور بانيبال:-

لقد كُشِف عن الألواح الطينية لمكتبة آشور بانيبال أثناء عمليات التنقيب التي أقيمت بالقصر الملكي في مدينة نينوى شمالي العراق وذلك خلال منتصف القرن قبل الماضي.

وكان آشور بانيبال (668-627 قبل الميلاد)، أحد ملوك أسرة سرجون آخر العائلات العظيمة من ملوك آشور، كما كان أكثر أسلافه عناية بالأنشطة الثقافية.

ثقافة واسعة:-

بل إن آشور بانيبال كان على قدرٍ عالٍ من التعليم والاطلاع، إذ كان يفتخر بقدرته على قراءة النقوش الحجرية التي تعود إلى ما قبل حقبة الطوفان.

نصب آشور بانيبال في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة
نصب آشور بانيبال في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة

ومنذ توليه العرش؛ أخذ آشور بانيبال في جمع آداب بابل وآشور بشكل منظم، بل وأصدر أوامره للرعية ليشتركوا في عملية جمع النصوص اللازمة.

لقد أمر آشوربانيبال بترجمة ألواح الطين المكتوبة بالسومرية والأكدية والبابلية التي احتوت على علوم وآداب الأقدمين وأساطيرهم، وكل ما اتصل بحياتهم.

الحرص على دقة وجودة العمل في مكتبة آشور بانيبال:-

وقد عمل لدى آشور بانيبال عدد من النسَّاخ، وفي أثناء عملهم؛ كان الأول شديد الحرص على توجيه القائمين على مشروعه بتجويد عملهم.

نقش يتناول منجزات آشور بانيبال
نقش يتناول منجزات آشور بانيبال – الميتروبوليتان

وقد كان لمكتبته هيئة من الموظفين المختصين بها، وقد تم ترتيب (فهرسة) الكتب في مكتبة آشور بانيبال بعناية استناداً لموضوعاتها، وذلك لتسهيل الرجوع إليها، وقد خُتِمت بخاتم يُظهر موضعها من المجموعة.

وكانت مقتنيات المكتبة من الأعمال الفكرية والوثائق والرسائل والنصوص الدينية والتواريخ وسواها، بحسب ألفرد هيسيل مؤلف كتاب تاريخ المكتبات، الذي قال: إن احتواءها على سائر فروع المعرفة يدلُّ على الغرض الذي جُمعت من أجله وهو خدمة الدولة والكَهنة وتخليد شُهرة مؤسسها، فضلاً عن تنمية المعارف العلمية.

قواسم مشتركة مع الإسكندرية:-

وقد أوجد الكاتب المذكور مجموعةً من القواسم المشتركة التي جُمعت مكتبة آشور بانيبال ونظيرتها التي في الإسكندرية والتي تأسَّست في القرن الثالث قبل الميلاد وذلك في أعقاب التخطيط لها من قبل بطليموس سوتر وهو أول ملوك أسرة خلفاء الإسكندر في مصر (المتوفى سنة 283 قبل الميلاد)، وتنفيذ الخطة عبر ابنه بطليموس فيلادلفوس.

ويقول كاتب المؤلف الذي نستقي منه هذه السطور: إن المكتبتين تمتعا بطابع عالمي، كما تم تأسيسهما من قبل الملوك الحاكمين (الإرادة والدعم السياسي)، هذا فضلاً عن تشابههما في معالجة المواد المكتبية فيهما وذلك على الرغم من اختلاف مادة الكتابة ( الألواح الطينية في نينوى ولفائف البردى في الإسكندرية).

ويستبعد ألفرد هيسيل حصول أي علاقات أو تواصل بين المكتبتين، إذ كان يفصل بينهما نحو أربعة قرون من الزمن، وهنا يجري الحديث عن حُكم الميديين الفرس لأرض العراق، وهم الذين أعرضوا عن المكتبات.

مكتبة الإسكندرية كانت الأكبر من نوعها لقرون طويلة

مكتبة زاخرة:-

في القرن السابع قبل الميلاد؛ كان في منطقة الشرق الأدنى؛ مكتبة تحتوي قُرابة نصف مليون من اللوحات الصغيرة المكتوبة وزُهاء خمسة الآف كتاب، نعم هذا المشهد كان في أرض العِراق القديم، ففي مكتبة ملك آشور أو “ملك الكُل” كان هناك هذا العدد الهائل من الوثائق التي تُضاهي أعدادها تلك التي تزخر بها كبرى المكتبات في العصر الحديث.

هذه المعلومة ورَدت في كِتاب “كُتُب تحترق: تاريخ تدمير المكتبات” الذي أشارَّ أيضاً إلى أن مكتبة ملك آشور، تعرّضت للنهب والسلّب بعد انتهاء العهد الآشوري، خصوصاً وأنَ العراق توالت عليه الأمم بعد ذلك بدءاً من سيطرة ملك الفُرس داريوس الأول.

ومنذ ذلك الحين؛ لم يعد الناس يستخدمون الصلصال المُجفف من أجل الكتابة عليه.

شخصية آشور بانيبال:-

في أعقاب وفاة الملك أسرحدون في العام 669 قبل الميلاد؛ انتقل المُلك في الإمبراطورية الآشورية إلى آشوربانيبال (668-627 قبل الميلاد)، والذي استهل حكمه بتجهيز الجيوش لأغراض إخماد الفتن أو مواجهة القوى المحاذية لحدود دولته المترامية الأطراف.

وازن بين اهتمامه بالعلم وحرصه على إعادة المكانة للآلهة ومواجهة مناوئي حكمه

وقد ورث آشور بانيبال عرش أبيه الملك المعتدل وذلك بمساعدة جدته (نقية) الآرامية زوجة الملك الجد سنحاريب، حيث وصِف آشور بانيبال بكونه رزيناً ومثقفاً على غير شاكلة الملوك السابقين له الذين اشتهروا بالجبروت.

التخلص من المناوئين:-

ونجح آشور بانيبال في حروبه ضد العيلاميين الذين أجبرهم على التراجع إلى بلادهم وذلك حينما سعوا إلى غزو جنوب بلاد الرافدين بمساعدة القبائل الآرامية في تلك المنطقة.

كما استطاع آشور بانيبال إخماد ثورة أخيه ملك بابل (شمش شم أوكين) وذلك بمساعدة من القبائل الآرامية والعربية، حيث حاصر المدينة واقتحمها عنوة وأحرق شقيقه وسط لهيب قصره، قبل أن يتجه جنوبا وذلك لينتقم من القبائل التي ناصرت أخاه.

نصب يتحدث عن عمليةإعادة بنائه لمعابد الآلهة

تشير أشهر حولياته إلى حملاته في بلاد الشام ومصر وآسيا الصغرى وبلاد العرب.

وأخيراً؛ تمكن آشور بانيبال من إعادة بناء معبد الإله سين في حران، كما قام بتعمير معبد الآلهة عشتار .

بذور إنشاء المكتبات لدى السومريين:-

يعتبر السومريون أول من استخدم اللغة المكتوبة على الألواح وذلك من خلال نقوش طينية كان الهدف منها؛ ضمان التعاملات التجارية والمدنية بين مواطني هذه الحضارة العريقة التي اتخذت من العراق معقِلاً لها.

ولم يكتفِّ السومريون بذلك، بل كانت لديهم طريقة لحفظِّ تلك الألواح الكتابية التي كانت تعتبر بمثابة وثائق يتم العودة إليها عند الحاجة.

وبذلك، كان العراقيون القدماء هم من وضع اللبنات الأولى التي انتجت المكتبات الحافظة والحاضنة للكتب والمُصنفات والوثائق.

طريقة صناعة وحفظ الألواح الكتابية عند سومر:-

لكن ما هي الطريقة التي اهتدى السومريون من خلالها إلى صناعة الألواح المخصصة للكتابة، ومن ثم القيام بحفظها في مكتبات تضمن الاحتفاظ بها وحفظ سلامتها وذلك اعتبارا من العام 2500 قبل الميلاد، أي قبل قرون طويلة من ظهور مكتبة آشور بانيبال .

هذا السؤال يجيب عنه بنيامين بيري في مقالة منشورة في كتاب “كتب تحترق: تاريخ تدمير المكتبات”، قائلاً: إن السومريين كانوا يشتغلون على النحو التالي:

  • أولاً: تجفيف اللوحة الصغيرة -التي يريدون الكتابة عليها في الشمس- وذلك لمنحها الهشاشة المطلوبة، وأصل هذه اللوحة هي مادة الصلصال أو الفخار المِلتقط من المنطقة الواقعة بيّن نهريّ دجلة والفرات.
  • ثانياً: يمكن تجفيف اللوحة في فرّن ساخنٌ على شاكلة مدخنة ملائمة لئلا ينكسر الفخّار ويتفتت.
  • ثالثاً: تُصبح اللوحة متينة ومقاومة، إلا إذا كُسِرت بالعُنف، وتنسي صالحة للكتابة التي تُسمى بالمسمارية.

ثم إن السومريين كانوا يرتبون نصوصهم وسجلات محفوظاتهم (الأرشيف) داخل سلاسل مصنوعة من ورق الصفصاف، أو داخل أكياس من الجِلد، أو عُلَب خشبية، ثم يفهرسونها بواسطة بطاقات مصنوعة من الفخار أيضاً.

السومريون أسسوا لعملية إنشاء المكتبات وذلك من خلال نقوشهم المسمارية التي تبقى بعضها إلى اليوم

وفي متحف فيلادلفيا؛ هناك صفيحة تاريخية فخّارية من هذا الطراز، وقد كُتِبت عليها لائحة باسم الأعمال الأدبية التي كانت معروفة قبل ألفي عام من ميلاد السيّد المسيح.

وتضم اللائحة المذكورة عناوين اثنين وستين كتاباً.

المصادر:-

 تاريخ المكتبات، ألفرد هيسيل، تعريب الدكتور شعبان خليفة، المكتبة الأكاديمية، القاهرة.

كِتاب “كُتُب تحترق: تاريخ تدمير المكتبات”، لوسيان بولاسترون.

كتاب سرجون الآشوري، وسيم رفعت عبد المجيد، دار الجواهري، بغداد.

متحف الميتروبوليتان

https://images.metmuseum.org/CRDImages/an/original/ME86_11_413.jpg

https://enacademic.com/pictures/enwiki/65/Ashurbanipal_by_Parhad.JPG

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى