أعلام

معن بن زائدة .. الشجاع الجواد الفصيح

كثير المعروف، وللشعراء فيه أماديح ومراث من عيون الشعر

اسمه ونسبه:-

معن بن زائدة بن عبد الله بن زائدة بن مطر، أبو الوليد الشيباني، من أشهر أجواد العرب، وأحد الشجعان الفصحاء في القرن الهجري الثاني.

منزلته ومكانته:-

كان جواداً شجاعاً فطناً، جزل العطاء، كثير المعروف، وللشعراء فيه أماديح ومراث من عيون الشعر.

أدرك العصرين الأموي والعباسي، وكان في العصر الأموي مكرماً يتنقل في الولايات، فلما صار الأمر إلى بني العباس طلبه المنصور، فاستتر وتغلغل في البادية، حتى كان يوم الهاشمية عندما ثار جماعة من أهل خراسان على المنصور وقاتلوه، فتقدم معن بن زائدة وقاتل بين يديه حتى أفرج الناس عنه، فحفظها له المنصور وأكرمه وجعله في خواصه، وولاه اليمن، فسار إليها ولقي فيها صعوبات، ثم ولي سِجِسْتَانَ، فأقام فيها مدة، وابتنى داراً، فدخل عليه قوم من الخوارج في زي العمال، فقتلوه وهو يحتجم فقتلوه غيلة، فقتلهم ابن أخيه يزيد بن مَزْيَد الأمير في سنة 152هـ.

من الأشعار الشهيرة المأثورة عن معن بن زائدة
من الأشعار الشهيرة المأثورة عنه

شعر معن:-

لمعن بن زائدة أشعار جيدة وأكثرها في الشجاعة؛ فمن ذلك قوله في خطاب ابن أخي عبد الجبار بن عبد الرحمن، وقد رآه يتبختر بين السماطين، وكان قبل ذلك لقي الخوارج ففر منهم:

هلَّا مشيت كـــذا غداة لقيتهــــم …

وصبرت عند الموت يا خطَّاب

نجــــاك خوار العنان كأنَـــــــــــّه …

تحت العجاج إذا استحثَّ عقاب

وتركت صحبك والرِّماح تنوشهم …

وكذاك من قعدت به الأحساب

نوادره:-

وفد أعرابي على معن بن زائدة فمدحه وطال مقامه على بابه ولم يحصل له جائزة، فعزم على الرحيل، فخرج معن راكباً فقام إليه وأمسك بزمام دابته وقال:

وما في يديـــك الخير يا معن كلــه …

وفي الناس معروف وعنك مذاهب

ستدري بنـــات العم ما قد أتيتـــــه …

إذا فتَّشت عند الإياب الحقــائب

فأمر معن بإحضار خمس نوق من كرام إبله وأوقرهم له ميرة وبراً وثياباً وقال: انصرف يا ابن أخي في حفظ الله إلى بنات عمك، فلئن فتَّشْنَ الحقائب ليجدن فيها ما يسرهن، فقال له: صدقت.

رسم قديم لمدينة بغداد التي عاش فيها ابن ملكا البغدادي
رسم قديم لمدينة بغداد

قال معن بن زائدة: عندما كنت متولي بلاد اليمن، طلبني المنصور وجعل لمن يحملني إليه مالاً، فاضطررت لشدة الطلب إلى أن تعرضت للشمس حتى لوحت وجهي، وخففت عارضي ولبست جبة صوف، وركبت جملاً وخرجت متوجهاً إلى البادية لأقيم بها، فلما خرجت من باب حرب -وهو أحد أبواب بغداد- تبعني أسود متقلد بسيف، حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، وقبض على يدي، فقلت له: ما

بك؟ فقال: أنت طلبة أمير المؤمنين فقلت: ومن أنا حتى أُطْلَب؟ فقال: أنت معن بن زائدة ، فقلت له: يا هذه اتق الله عز وجل، وأين أنا من معن ؟! فقال: دع هذا، فوالله إني لأَعْرَفُ بك منك، فلما رأيت منه الجد قلت له: هذا جوهر قد حملته بأضعاف ما جعله المنصور لمن يجيئه بي، فخذه ولا تكن سبباً في سفك دمي، قال: هاته، فأخرجته إليه، فنظر فيه ساعة وقال: صدقت في قيمته، ولست قابله حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك، فقلت: قل، قال: إن الناس قد وصفوك بالجود، فأخبرني هل وهبت مالك كله قط؟ قلت:

لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، حتى بلغ العشر، فاستحييت وقلت: أظن أني قد فعلت هذا، قال: ما ذاك بعظيم، وأنا والله راجل ورزقي من أبي جعفر المنصور كل شهر عشرون درهماً، وهذا الجوهر قيمته ألوف دنانير، وقد وهبته لك ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور بين الناس، ولتعلم أن في هذه الدنيا من هو أجود منك، فلا تعجبك نفسك، ولتحقر بعد هذا كل جود فعلته ولا تتوقف عن مكرمة، ثم رمى العقد في حجري وترك خطام الجمل وولى منصرفاً، فقلت: يا هذا، قد والله فضحتني ولسفك دمي أهون عليَّ مما فعلت، فخذ ما دفعته لك فإني غني عنه، فضحك وقال: أردت أن تكذبني في مقالي هذا، والله لا أخذته ولا آخذ لمعروف ثمناً أبداً، ومضى لسبيله، فوالله لقد طلبته بعد أن أَمِنْتُ، وبذلت لمن يجيء به ما شاء، فما عرفت له خبراً، وكأن الأرض ابتلعته.

مواقف معن:-

  • كان معن قد أمَرَ بقتل جماعةٍ من الأسرى، فقام إليه أصغرُ القوم، فقال له: يا معن: أتقتلُ الأسرى عِطاشاً؟، فأمَرَ لَهَم بالماء؛ فلمَّا سُقٌوا، قال: يا معن : أتقتُل ضِيفانَك؟، فأمَرَ مَعْن بإطلاقهم.
  • قال رجلٌ لمعن: أحملني أيها الأمير، فأمرَ له بناقةٍ وفرسٍ وبغلةٍ وحِمار، ثم قال للطالب: لو علمتُ أنَّ الله خَلَق مَركوباً غير هذا لحملتُك عليه، وقد أًمًرنا لكً من الخَّز بجبةٍ وقميص ودراعة وسراويل وعمامةٍ ومنديل ورداء وجورب وكيس، ولو علمنا لباساً غير هذا من الخَّز لأعطيناك، ثم أوعز بإدخاله إلى الخِزانة وصبَّ تلكَ الخلع عليه.
  • قال هارون الرَّشيد لمعن بن زائدة : كيف زمانك يا مَعْن؟ قال: يا أمير المؤمنين، أنتَ الزَّمان؛ فإن صَلُحْتَ صلُحَ الزَّمان، وإن فسدْتَ فَسَدَ الزَّمان.
  • وَرَدَ بعض فصحاء العرب على مَعْن، فقال: أصلحَ الله الأمير، لو شئت أن أتوسَّل إليك ببعض من يثقُل عليك لوجَدْتَ ذلك سهلاً عليك، ولكن استشفَعتُ بقدرتك واستعنتُ عليكَ بفضلِك، فإن أردتَ أن تضعني من كَرَمِك حيثُ وضعتُ نفسي من رحلك؛ فإني لم أُكرِم نفسي عن مسألتِك، فأكرِم وجهَك عن ردِّي، فقال مِعْن: سَل حاجتك، فقال: ألفُ دِرهَم، قال: ربحتُ عليكَ رِبحاً مُبيناً، قال: مِثلُكَ لا يربحُ على سائله، فقال: أضعِفوا له ما سأل.
  • ودَخَلَ معن على أبي جعفر المنصور يُقارِب خَطْوَه، فقال الخليفة العباسي: لقد كَبُرَتْ سِنَّك؛ قال: في طاعتِك؛ قال المنصور: وإنَّكَ لجَلْد؛ قال: على أعدائك؛ قال: أرى فيكَ بقيَّة، قال : هيَ لَك.

معن بن زائدة وشاعره:-

كان لمعن بن زائدة شاعرٌ يغشى مجَلسه في كل يوم، فانقطع عنه أيَّاماً، فلمَّا دَخَلَ عليه، قال: ما أبطأك؟، قال: وُلِدَ ليَ مولود، قال: فما سميته، قال:

سَمَــا بِجُودكَ جُودُ النَّاسِ كُلهُم ..

فَصَارَ جُودُكَ مِحرابُ الأجاويدِ

قال: يا غلام، أعطِهِ ألف دينار، فقال الشَّاعر بيتاً آخر:

أَنْتَ الجوادُ وَمِنْكَ الجُودُ أولهُ ..

فَإنْ فُقِدْتَ فَمَــا جُودٌ بِمَوجودِ

فقال: يا غُلام، أعطِه ألف دينار أُخرى، وقُل بيتاً آخر، فقال:

مِنْ نُورِ وَجهِك تُضْحِي الأرضُ مُشرِقةً ..

ومِنْ بِنَانِكَ يَجري المـــاءُ في العُودِ

فقال: يا غُلام، أعطِهِ ألف دينار، وقُل بيتاً آخر، فقال الغُلام: لا تقُل، واللهِ لم يبقَ في بيت المال إلَّا ما أخذت، ثم انصرَف.

معن بن زائدة والمنصور:-

قال أبو جعفر المنصور لمعن: ما أظنّ ما قيل عنك من ظُلْمَك أهلَ اليَمن واعتسَافِك عليهم إلَّا حقاً؟ قال: كيف ذلك يا أمير المؤمنين؟، قال: بَلَغَني عنك أنَّك أعطيتَ شاعِراً لبيتٍ قالهُ ألف دينار، وأنشدهُ البيت وهو:

مَعْنُ بنُ زائِدَة الذي زِيدَتْ به ..

فجــراً إلى فجــرٍ بنو شيبــان

قال: نعم يا أمير المؤمنين، قد أعطيتهُ ألف دينار، ولكن على قوله:

مـــا زلتَ يومَ الهاشِميَّـةِ مُعْلِمــاً ..

بالسَّيفِ دونَ خليفةِ الرْحمـــنِ

فَمَنَعْتَ حَوْزَتَــه وكُنْتَ وِقــاءَهُ ..

مِن وقْعِ كُـلِّ مُهَنَّــدٍ وسِنــانِ

قال: فاستحيا المنصور وجعلَ ينكُت (يحفر) بالمخصرة، ثم رَفَعَ رأسهُ، وقال: اجلِس أبا الوليد.

وفاة معن:-

قُتِلَ سنة 151هـ، ولما قُتِلَ رثاه الشعراء بأحسن المراثي؛ فمن ذلك قول مروان بن أبي حفصة في قصيدة من أفخر الشعر وأحسنه:

مَضى لِسَبيلِـــــهِ مَعــنٌ وَأَبقى …

مَكـــارِمَ لَن تَبيدَ وَلَن تُنالا

كَــــأَنَّ الشَمـــــسَ يَومَ أُصيبَ مَعنٌ …

مِنَ الإِظلامَ مُلبَسَةٌ جِلالا

هُوَ الجَبَــــلُ الَّذي كـــــــانَت نِزارٌ …

تَهـــدُّ مِنَ العَدُوِّ بِهِ الجِبــالا

وَعُطِّلَتِ الثُغـــــــورُ لِفَقـــدِ مَعـــنٍ …

وَقَد يُروي بِها الأَسَلَ النِّهالا

وَأَظلَمَتِ العِــــراقُ وَأَورَثَتهــــا …

مُصيبَتُهُ المُجَلِّلَةُ اِختِلالا

أَصابَ المَوتُ يَومَ أَصــــابَ مَعنــــاً …

مِنَ الأَحياءِ أَكرَمَهُم فَعالا

مَضى مَن كــانَ يَحمِلُ كُلَّ ثِقـــلٍ …

وَيَسبِقُ فَضلُ نائِلِهِ السُّؤالا

وَلا بَلَغَت أَكُــــفُّ ذَوي العَطايـــا …

يَميناً مِن يَديهِ وَلا شِمالا

المقدسي يصف إقليم العراق وهي البلاد التي عاش فيها معن بن زائدة الشطر الأكبر من حياته
المقدسي يصف إقليم العراق وهي البلاد التي عاش فيها ابن زائدة الشطر الأكبر من حياته

المصادر:

الأعلام (7/273).

سير أعلام النبلاء (7/97/رقم 42).

شذرات الذهب في أخبار من ذهب (2/237).

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (12/237).

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك (8/160/رقم 816).

وفيات الأعيان (5/244/رقم 732).

العقد الفريد.

نوادر الكرام، إبراهيم زيدان.

المختار من نوادر الأخبار، محمد بن أحمد المقري الأنباري.

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق