معلومات تاريخية

مسجد الأعلى الكبير .. علامة فارقة في حماة

تم بناء الناعورة المحمدية التي تنقل مياه نهر العاصي إلى الجامع عام 763هـ

توطئة:-

اشتهرت بعض الآثار التاريخية بقدمها وبمرورها على عدة عصورٍ مختلفة ما قبل الإسلام وميلاد المسيح، هذه الآثار التي جُددت وبقيت حتى هذا اليوم لتحكي لنا ماضياً قديماً جداً بحجارتها وطريقة بنائها العجيبة والتي تغيّرت بشكلٍ كبير في أيامنا هذه.

ومن هذه الآثار الخالدة؛ مسجد الأعلى الكبير في مدينة حماة في سوريا، هذا المعلم الذي يعتبر من أقدم المساجد في حماة والعالم الإسلامي بأكمله، فمتى أُنشئ ومن المسؤول عن بنائه؟ سنتعرف عليه بشكلٍ أكبر فتابعوا معنا…

مسجد الأعلى الكبير - سوريا
المسجد يسعى للحفاظ على مكانته وقيمته التاريخية الرفيعة

تاريخ بناء مسجد الأعلى الكبير في حماة:-

يعود بناء مسجد الأعلى الكبير في حماة إلى تاريخٍ قديمٍ جداً، حيث كان معبداً وثنياً في البداية ومن ثم كنيسة حتى تحول إلى مسجدٍ من قبل القائد أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وذلك بعد فتحه لمدينة حماة عام 18هـ/639م.

وهو خامس أقدم مسجدٍ في العالم بعد مسجد قباء والأقصى والحرمين الشريفين، كما أنه أعظم معلمٍ تاريخي في المدينة ويُسمى بالمسجد الأعلى الكبير لأنه أعلى من الأرض ويتم الوصول إليه عن طريق درجٍ يصعد إليه المصلون، بينما هناك قولٌ آخر أنه سُمي بذلك للتفريق بينه وبين جامع النوري.

ترميم وإضافات كثيرة:-

وقد جرى للجامع الكثير من عمليات الترميم والإضافات خلال التاريخ، ففي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تم بناء قبة الخزنة للحفاظ على أموال المسلمين.

النواعير الشهيرة في مطلع القرن العشرين

وفي العصر العباسي؛ تمت له أيضاً عمليةٍ ترميمٍ واسعة، وقد بنى المظفر مدرسةً بجواره مع الزيادة في المسجد، وفي عهد نور الدين زنكي تم بناء المئذنة الجنوبية، وتم بناء المنبر عام 701هـ،  كما تم بناء الناعورة المحمدية التي تنقل مياه نهر العاصي إلى الجامع عام 763هـ، وهناك كتابة على وجه القنطرة العاشرة مؤرخة لهذا الحدث.

وأما الرواق الشرقي الذي يُسمى اليوم بالحرم السعدي؛ فقد تم بناؤه من قبل إبراهيم الهاشمي عام 823هـ، وكذلك بُني الرواق الشمالي من قبله أيضاً بعد أن صدر أمرٌ عام 830هـ بنقل حجارة المساجد التي تُخرب إلى الجامع الكبير، فتم استعمالها في أعمال بناء الرواق الشمالي، ومن أعماله بناء المئذنة ذات النقوش البديعة والزخرفة الجميلة.

وتم نقش المراسيم على أعمدة قبة الخزنة في عصر المماليك، حتى تعرض للإهمال في العهد العثماني، وفي عام 1991 م؛ تم ترميم المسجد بجهودٍ كبيرة حتى أصبح كما نراه اليوم.

المسجد الأعلى الكبير
المسجد شاهد على تتالي الحقب والأزمان

وما يؤكد التاريخ القديم عندما كان معبداً فهناك كتابتين باللغتين الحثية والهيروغليفية تم العثور عليها في الموقع تعود لما قبل 250م، وقد تم نقلهما خلال العهد العثماني إلى متحف إسطنبول، وحصل المعبد على الترميم وتشييد الجدار الجنوبي والجدار الشرقي والمدخل الشمالي عام 250م، حتى عام 350م عندما تم تحويله إلى كنيسة.

جانب من المدينة العريقة في مطلع القرن العشرين

موقع مسجد الأعلى الكبير وتصميم البناء:-

يقع مسجد الأعلى الكبير في حي المدينة في حماة بالقرب من القلعة من الجهة الغربية، وهو جامعٌ عظيمٌ وكبير، كان له الكثير من الأوقاف في السابق، ذو تخطيطٍ تقليدي بصحنه الواسع الذي يتوسطه مع بحرته المربعة، وقد تغطت أرضه ببلاطٍ ذو أنواعٍ مختلفة مع زخارف هندسية متنوعة.

وله ثلاثة أقسام، قسمان منهم هما مصليان صيفيان يقع واحدٌ منهما أمام الرواق الشمالي وله محراب والآخر أمام الحرم وله محرابين.

ابن بطوطة واصفاً مآثر مدينة حماة

أما الحرم؛ فيقع في الشطر الجنوبي من المسجد متألفاً من ثلاث بلاطات تعود لزمن بناء المعبد هي وجدرانه الشرقي والغربي والجنوبي، أي أنها أصلية، وقد رُصفت أرضه ببلاط بازلتي مع القليل من الحجر الكلسي، ويضم ثلاثة أروقة مطلة على الباحة وقد بُنيت من الحجر الكلسي والبازلتي أيضاً.

وله ثلاثة مداخل بسقوفٍ منحنية ومشكاته الصغيرة من فوقه بزخرفةٍ بديعة وهذه الزخرفة تعود للعهد البيزنطي وتناسق مداخله من فن بنائهم أيضاً، أهم ما يميّزه قبة الخزنة المنتصبة في صحن الجامع معتمدةً على ثمانية أعمدة عليها خطوط عربية قديمة وذات تيجان كورنثية، وتقع تحتها بحرةٌ صغيرة وهي في ساحةٍ في الجهة الجنوبية الغربية للمصلى الصيفي الذي يلاصق الحرم، وهناك ثلاث قبابٍ في مساجد القدس ودمشق وحماة مماثلةً لها.

معمار بديع:-

تناوبت الأحجار السوداء والبيضاء بالجامع بشكلٍ جميلٍ وبديع ولافتٍ للأنظار، كما يتميز بمئذنته الجنوبية ذات الشكل المربع بطرازٍ شامي مع زخرفتها العربية بالخط الكوفي الذي يحمل تاريخ تأسيسها عام 529هـ/ 1124م، وتبدو مزخرفةً بالحجارة بشكلٍ هندسي بسبب تناوب المداميك، ولم يبقَ منها إلا نصفها ومع ذلك فهي مميزةٌ بشكل بنائها الرائع.

مئذنة المسجد الأعلى الكبير
مئذنة المسجد الشامخة

وأما المئذنة الشمالية التي بُنيت في العهد المملوكي عام 1427م؛ فهي مثمنة الشكل كثيرة الزخرفة وفي أعلى بابها نقشٌ بالخط المملوكي في نهايته تاريخ بنائها، ويضم المسجد كنزاً قيماً وآيةً في جمال الحفر والنقش وهو منبره الخشبي المزخرف، فيه روعةٌ من الجمال مع حفرٍ ونقوشٍ وتطعيمٍ بالصدف الناصع الدقيق الذي تم تجزيئه إلى أشكال هندسية دقيقة جداً، ويضم المسجد ضريحين مهمين للملكين الأيوبيين المنصور وابنه المظفر مع تابوتيهما الخشبيين.

كان هناك كتاباتٌ قديمة جداً نُقش أحدها على قوسٍ من حجر بازلتي في أعلى الوجهة الغربية من الحرم متوجة النافذة الجنوبية، وكتابتان على مرتفع من قاعدة المئذنة الجنوبية واحدٌ منهما في الوجهة الشرقية والأخرى في الجنوبية.

كما كان هناك كتابةٌ في جانب منبر الحرم وفوق مدخله، وأقدمها كتابة يونانية نُقشت على حجر مرمري كبير في دعامة الحرم الغربية من الشمال، وغيرها من الكتابات الأخرى، وقد تم إزالة كل رسوم جدارية معارضة للدين الإسلامي وتم طلي الجدران بطلاء عادي عوضاً عن ذلك.

مسجد الأعلى الكبير في عصرنا الحالي:-

تعرض المسجد الأعلى الكبير للدمار بأكمله عام 1982م بسبب حوادث حماة، فتهدم منبره وكذلك التابوت الأثري للملكين، حتى أعيد بناء المسجد عام 1990م وكان هناك محاولاتً لإعادته كما كان سابقاً تقريباً، وأما التابوت فقد تم وضع تابوت بسيط عوضاً عنه، وتم وضع منبرٍ صغير عوضاً عن ذلك المدمر، مع القول بنية صنع منبرٍ آخر مشابهٍ للمنبر القديم السابق.

حماة .. مدينة النواعير البديعة

المصادر:-

http://tishreen.news.sy/?p=94125

https://syrianoor.net/article/14

كتاب تاريخ حماة

صفحة حماة جنة الأرض عن الفيس بوك

https://www.hindawi.org/books/20902971/

https://cdn.loc.gov/service/pnp/matpc/02100/02150v.jpg

amal

أمل.. كاتبةٌ سورية مستقلة، تعمل منذ سنوات في ميدان الكتابة الحصرية في الحقول الأدبية والثقافية والإجتماعية وحتى العلمية منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى