معلومات تاريخية

وصف مدينة جدة عند الرحالة والمؤرخين

عامرةٌ كثيرةُ التجارات والأموال، وليسَ بالحِجَاز بعدَ مكَّة مالاً وتجارةً أكثر منها

حظيت مدينة جدة باهتمام ورعاية الرحالة والمؤرخين العرب والمسلمين الذين قصدوها أثناء زيارتهم للديار المقدسة في الحجاز.

مدينة جدة الواقعة على ساحل البحر الأحمر، اشتُهِرَت تاريخياً بتنوعها العرقي، ذلك أن كثيراً من الحُجَّاج القادمين من آسيا وإفريقيا فضَّلوا الاستقرار فيها، وقد نشأ عن موقعها وتنوعها الديمغرافي المتميز؛ ازدهارها التجاري خصوصاً في ظل تواصلها البحري الدائم مع مصر والسودان وسواهُما.

وسنسوق شهادات الرحالة والمؤرخين الذين جاؤوا على ذكر مدينة جدة التي أضحت العاصمة الاقتصادية للمملكة العربية السعودية في العصر الحديث.

الإصطخري يذكر مدينة جدة :-

جاء الرحَّالة الإصطخري على ذكر مدينة جدة بشكل مختصر وذلك في كتابه “مسالك الممالك”.

عاش الإصطخري بين عامي 850 و957 م، وهو أكثر الرحَّالة الذين عمَّروا طويلاً.

وقال الإصطخري عن المدينة الواقعة على البحر الأحمر: ” وجدَّة فرضةُ أهل مكَّة على مرحلتين منها، على شطِّ البَحَر، وهي عامرةٌ كثيرةُ التجارات والأموال، وليسَ بالحِجَاز بعدَ مكَّة مالاً وتجارةً أكثر منها، وقُوَامُ تجاراتها بالفُرْس”.

المقدسي البشاري ووصف جدة :-

وصف الرَّحَّالة المقدسي البشاري المدينة في كتابه “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم بالقول: ” و جدة بلدُ اللبن، يُحْمَلُ إليهم الماء من بُعْد، وجوامعهم على السَّاحل”.

وزاد المقدسي (945-1000 م) ” جدة مدينة على البحر اُشتُقَّ اسمها ..، محصَّنة عامرة، آهلة أهل ُ تِجارات ويسار، خزانة مكة ومطرح اليمن ومصر، وبها جامع سِرَّي، غير أنهم في تعبٍ من الماء، مع أن فيها بِرَكَاً كثيرة، ويُحمَلُ إليهم الماء من البُعد، قد غَلَبَ عليها الفُرْس لهُم بها قصورٌ عجيبة، وأزقَّتها مستقيمة، ووضعها حَسَن، شديدةُ الحَرِّ جِدَّاً”.

الإدريسي يتحدث عن جدة : –

تحدَّث الرحالة والجغرافي الإدريسي عن مدينة جدة وذلك في كتابه الشهير “نزهة المُشتاق في اختراق الآفاق”.

جدة عام 1914 م – مكتبة الكونغرس.

وقال محمد آل محمد الإدريسي القرطبي الحسني السبتي (1099-1166م) عن المدينة السَّاحلية: ” وهي فرضةٌ لأهل مكة وبينهما أربعون ميلاً، وهي مدينةٌ كبيرةٌ عامرة ٌتجاراتها كثيرةٌ وأهلها مياسيرٌ ذوو أموالٍ واسعةٍ وأحوالٍ حَسَنَة ومرابح ظاهرة، ولها موسمٌ قبل وقت الحَجِيج مشهودُ البَرَكَة تُنْفَق فيهِ البضائع المجلوبة والأمتعة المُنتخَبَة والذَّخَائر النَّفيسَة”.

وزاد ” وليسَ بعد مكَّة مدينة عن مدائن الحِجَاز أكثرُ من أهلها (جدَّة) مالاً وأَحْسَنُ منهم  حالاً، وبها والٍ من ناحية الهاشمي صاحِبُ مكَّة يقبض صدقاتها ولوازِمَهَا ومُكوسها ويحرس عمالتها، ولها مراكبٌ كثيرةٌ تتصرَّفُ إلى جهاتٍ كثيرةٍ، وبها مصائدُ للسَّمَكِ الكثيرِ والبقول بها مُمْكِنَة، وبهذه المدينة فيما يُذْكَرَ أُنْزِلَت حوَّا منَ الجَنَّةِ وبها قبرها”.

ابن جبير يُسهِب في ذكر أوصاف مدينة جدة :-

لقد تفوَّق الرحالة والأديب والشاعر ابن جبير على سابقيه في وصف مدينة جدة، سواء من ناحية براعة الكتابة أو من جهة كثرة الشروحات.

ولد ابن جبير  الأندلسي في بلنسية سنة 1145 م ، وتوفي بالإسكندرية عام 1217م، وقد قصد الديار المقدَّسة وأطال المكوث فيها، ما مكَّنه منَ الاستفاضة في الحديث عن مراكزها الدينية والتجارية والحضارية.

وقال ابن جبير عن المدينة الواقعة على بحر القلزم (الأحمر) : ” و جدة هذه قرية على ساحل البحر المذكور، أكثر بيوتها أخْصَاص، وفيها فنادق مبنية بالحجارة والطِّين، وفي أعلاها بيوت من الأخصاص كالغُرَف، ولها سطوحٌ يُسْتَراح فيها بالليل من أذى الحَر”.

جدة ابن جبير
ابن جبير خلال حديثه عن مدينة جدة .

وزاد “وبهذه القرية آثار قديمة تدلُّ على أنها كانت مدينة قديمة، وأثر سُورها المُحدِّق بها باقٍ إلى اليوم، وبها موضع فيه قُبَّة مُشَيَّدَة عتيقة يُذْكَر أنَّهُ كان منزل حَوَّاء أم البشَر، صلى الله عليها، عند توجُّهِهَا إلى مَكَّة، فبُنِي ذلكَ المبنى عليه تشهيراً لبركته وفضله، والله أعلمُ بذلك”.

وأضاف ابن جبير ” وفيها مسجدُ مباركٌ منسوبٌ إلى عمر بن الخطَّاب، رضي الله عنه، ومسجدٌ آخر لهُ ساريتان من خشب الآبنوس يُنسَب أيضاً إليه، رضي الله عنه، ومنهم من ينسبه إلى هارون الرَّشيد، رحمة الله عليه”.

ويزيد ” وأكثر سُكَّان هذه البلدة مع ما يليها من الصَّحراء والجبال أشْرَافٌ علويون: حَسنيُّون وحُسينيُّون وجعفريُّون، رضي الله عن سَلَفهم الكريم، وهُم من شظَفِ العيش بحالٍ يتَصَدَّعُ لهُ الجمادُ إشفاقاً، ويستخدمونَ أنفسهم في كُلِّ مهنةٍ من المِهَنْ: من إكراء جِمَال إن كانت لهُم، أو مبيع لبنٍ أو ماء، إلى غيرِ ذلكَ من تمرٍ يلتقطونهُ أو حَطَبٍ يَحتطبونهُ، وربَّمَا تناول ذلك نساؤهم الشريفات بأنفُسِهِنّ، فسبحان المُقَدِّر لِمَا يَشاء، ولا شكَّ أنهم أهل بيت ارتضى اللهُ لهُم الآخرة ولم يرتضِ لهُم الدُّنيا، جعلنا الله ممن يدين بحُبِّ أهلِّ البيت الذين أذهَبَ عنهُم الرِّجس، وطَهَّرَهُم تطهيراً”.

ويقول ابن جبير أيضاً: ” وبخارج هذه البلدة (جدة) مصانع قديمة تدُلُّ على قِدَمِ اختطاطِها، ويُذْكر أنَّها كانت من مُدُن الفُرْس، وبها جِباب (جمع جُب أي البئر) منقورة في الحَجَر الصُّلْد يتَّصِل بعضها ببعض تفوت الإحصار كثرة وهي داخل البلد وخارجه، حتَّى إنهُم يزعمونَ أنَّ التي خارج البلد ثلاث مئة وستون جُبَّاً، ومثل ذلك داخل البلد، وعاينَّا نحنُ جُمْلة كثيرة لا يأخذها الإحصاء، وعجائب الموضوعات كثيرة، فسُبْحَانَ المُحيط عِلْمَاً بِهَا”.

ياقوت الحموي يصفها أيضاً : –

كما تناول الأديب والجغرافي ياقوت الحموي  (1178-1225 م) مدينة جدة وذلك في كتابه “معجم البلدان”.

وقال الحموي في هذا الصَّدَدْ: “بلدٌ على ساحل بحر اليمن، وهي فرضةُ مكَّة، بينها وبين مكَّة ثلاث ليالٍ”.

ونقل الحموي عن الحازمي قوله: “بينهما يوم وليلة، وهي في الإقليم الثاني، طولها من جهة المغرب أربع وستون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها إحدى وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة.

ونقل الحموي عن أبي المنذر قوله: ” وبجدَّة وُلِدَ جدَّة بن حزْم بن ريَّان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة فسمي جدة باسم الموضع، وقال: ولمَّا تفرقت الأمم عند تبلبُل الألسُن؛ صار لعمرو بن  معدٍّ بن عدنان، وهو قضاعة، لمساكنهم ومراعي أغنامهم جدَّة من شاطئ البحر، وما دونها إلى منتهى ذات عرق إلى حيز البحر من السَّهْل إلى الجَبَل، فنزلوا وانتشروا فيها وكثروا فيها”.

ياقوت الحموي الجغرافي الرحّالة صاحب البصمة التاريخية
ياقوت الحموي الجغرافي الرحّالة صاحب البصمة التاريخية.

المصادر:-

كتب الرحالة والجغرافيين المذكورين أعلاه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى