معلومات تاريخية

الخياري يصف مدينة الزرقاء الأردنية قبل أن يصيبها التصحُّر

رأيتُها مكلَّلة بالورد الجوري والنصيبي تكليلاً يُعجب الرَّائين وُيُذهِب بحُزن الحزين

وصَفَ الأديب والفقيه والجغرافي إبراهيم بن عبد الرحمن الخياري المدني معالم مدينة الزرقاء الواقعة في الأردن و التي زارها خلال رحلته الاستكشافية التي قادته من المدينة المنورة إلى الشَّام وتمخض عنها تأليف كتابه “تحفة الأدباء وسلوة الغرباء”.

الخياري المصري الأصل انتقل مع أبيه إلى المدينة المنورة حيث كان والدهُ مُحدِّثها وخطيبها وسبق له أن كان متصدِّراً للإقراء في الجامع الأزهر.

عاش إبراهيم الخياري بين عامي 1628 و1672م، وقد قدَّم أوصافاً مهمة للمدن التي قصدها في رحلاته التي شملت أيضاً مصر والقسطنطينية ( إسطنبول لاحقاً).

وتكمن أهمية بعض الوصوفات التي قدَّمها الخياري، في أنَّها تميط اللثام عن تغيُّر في معالم الحواضر والمدن التي قصدها مقارنة بواقعها المعاصر، ومن ذلك ما قدَّمه من وصفٍ لمدينة الزرقاء والتي أصابها التصحُّر في العصر الحديث، وذلك بفعل النشاط البشري، ولربما نتيجة لتغير المُناخ أيضاً.

وصفه للمدينة:-

وقال الخياري في هذا الصدد: ” .. فإذا الأعلام الخُضر لاحت بالزَّرقاء، وإذا العيون السُّود تلمح قصرها الأبيض حقَّاً، وهو قصرٌ عالٍ مرتفعٌ مبيض الظَّاهر، عظيم الوضع، يقال له: قصر شبيب، ويُقال إنه شيخٌ من مشايخ العرب أقام بهذا المنزل فابتنى هذا القصر ولم نزَل ندنو والخيام تقرب وأنا أقول مُسلِّياً للنَّفسَ أي ذات أرادت الوصول إلى العلم بعظيم القدرة فلتغترب”.

وزاد” فبعد أن وصلناها (الزرقاء) وحططنا الرِّحال وانتظم الشأن والحال؛ سِرْنا للتنزُّه في جِهاتها والإحاطة ببعض صفاتها، فإذا سوق قائمة، وخيرات متراكمة، وعوالم مزدحمة، واردة من دمشق الشَّام ومما حولها من البلدان والقُرى، فمن الشَّام كل فاكهة به موجودة، فمن المنقول التُّفَّاح بأنواعه، وكذلك الكمثرى والعنب والحبحب (البطيخ) والخوخ، ومنه الخراساني وهو غريب الهيئة أشبهُ شيءٍ بالمفاخر الكبير من الرُّطَب الجبلي المعروف بالمدنية هيئةً ولوناً، والخيار والقِثَّاء بكثرة.

وأضاف ” ومن غير الفاكهة البيض بالسَّلَّات بحيث تحتوي كل سلَّة على نحو الخمسمائة بيضة مسلوقاً مصبوغاً بألوان من الصبغ، كل عشرة بمحلق ديواني ويسمونه مصرية (عملة نحاسية) والخبز الخمير المخبوز مدهوناً بسمن أو زيت ويُباع رخيصاً جداً، فاشترينا منه مخبوزاً أبيض كل خمسة عشر رغيفاً بديواني واحد، وهو كثيرٌ ليس عليه من يسومه مع كثرة الحجاج وبعدهم عن الخمير، والعنَّاب نصف المدّ المدني بأربعة مصارية، والكباش الضأن والغَنَم المعز أمرٌ كثيرٌ لا يُسأل عنه، وخيلٌ جِيادٌ تُعرَض لتُباع حسنة الأوصاف والإبداع”.

“وأمَّا الشَّعير والتبن وما يشبهُهُما فالأمر عجيب كثرةً ورُخصَاً، فالمدّ المدني من الشعير المغربل بنصفين فضة ديواني، والدَّجاج نيَّاً ومطبوخاً، فالمطبوخ الواحدة بثلاث مصريات، والنيء كل غثنين بخمسة”.

وأما ماؤها (الزرقاء)، وما أدراك ما ماؤها، فهو أعذبُ ماءٍ وأحلاه وأرقّه وأصفاه، في ناحية منها على يسار داخلها وصلتُ إلى مورده المورود، وشربتُ منه، فقُلت: لا عيبَ فيهِ يُقال إلَّا أنه حُلوٌ وبارِد يُشبه الماء النجل (السائل)، لم أرَ له جرياً ولا زيادة، ويُقال: إنه ينبع من محلٍ فيسيلُ فلا يُعلَمُ أين يذهب، وعلى حافتيه أشجار أشبهُ شيءٍ بأشجار الورد العِظام هيئة ولوناً وزهراً”.

“فلقد رأيتُها مكلَّلة بالورد الجوري والنصيبي تكليلاً يُعجب الرَّائين وُيُذهِب بحُزن الحزين، وينعكِسُ على الماء لونُ ذلك الورد فتخاله مغروساً مُثمِراً بباطِنه، جلَسنا على خَدِّ ذلك النهر (سيل الزرقاء حالياً) يظلنا عذاره الريحاني المُكَلَّل بالورود، فتخيلته عذاراً جديداً غشي وردي خد، وأقمنا به ننتقل بالفاكهة الشَّامية والمفاكهة المدنية، وهذا المنقول من غير دمشق من بلادٍ يقال لها: عجلون، قريبة من هذا المنزل تنتقل خيراته إليه إذا نزلهُ الحاج، وهي قُرىً مُتقاربة كما أخبرني بذلك بعضهم..”. ولم يكتفِ الخياري بذكر طبيعة المدن التي زارها، بل إنه حرص على التقاء كبار أعلامها والاستفادة منهم، والترجمة لهم، كما كان شديد السعي لتناول مشاهداته في القرى الصغيرة، من قبيل عادات قاطنيها وتقاليدهم وطبيعة تجاراتهم وأطعمتهم.. إلخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى