معلومات تاريخية

جنديسابور .. مدرسة الطب والحكمة الفارسية العريقة

تكتب بطرق وأشكال متعددة مثل: "جنديشابور" ، أو "گندي شاه بور"، أو "گندیشابور"

التعريف بمدرسة جنديسابور :-

مدرسة جنديسابور (جُنْدَيْسَابُور) الفارسية، هي من أعرق المدارس الطبية التي تناولها المؤرخون، حققت شهرة واسعة بفضل أطبائها المهرة وعلومها الطبية المتقدمة، أنشئت قبل الإسلام وبقيت مستمرة في إنجاب العلماء والأطباء حتى حدود العصر العباسي. وقد عاشت مدرسة جنديسابور أزهى أيامها عند فتح العرب بلاد فارس سنة 19 هـ الموافقة لسنة 642م، وذلك بقيادة الخليفة الخليفة عمر بن الخطاب، وتعتبر هذه المدرسة بقعة علمية تمتزج فيها علوم العرب والفرس واليونان ومختلف حضارات الشرق، ما جعل منها مركزاً ثقافياً مرموقاً.

مدينة جنديسابور ونشأة مدرستها :-

ترتبط مدينة جنديسابور باسم مؤسسها الملك الساساني”سابور بن أردشير” ( 241م – 272م )، الذي بنى هذه المدينة وعمّرها بمساعدة أسرى الحرب الرومانيين سنة 260م ، وذلك مباشرة بعد  هزيمة قيصر الروم  “فاليرين” وزواج سابور بابنة القيصر التي قدم لها المدينة كهدية، فكانت تلك بداية نشأة مدرسة جنديسابور، فبعد انتقال ابنة القيصر إلى المدينة الجديدة، اصطحبت معها عددا كبيرا من أبناء بلدها، من حرفيين، وأطباء، وعلماء من مختلف المجالات، فوضعوا حجر الأساس للمدرسة العلمية التي توسعت فيما بعد وبلغ صيتها مختلف بقاع العالم آنذاك. 

هذا وقد عرفت المدينة عند الجغرافيين المسلمين الأوائل باسم “جنديسابور” أو “جندي سابور”، أما في الأدبيات الإيرانية فتكتب بطرق وأشكال متعددة مثل: “جنديشابور” ، أو “گندي شاه بور”، أو “گندیشابور”.

التطور الطبي والعلمي في مدرسة جنديسابور :-

كانت العلوم الطبية المجال الأكثر شيوعا بين علماء جنديسابور وذلك لتوفر المصادر اليونانية والتي كانت تعتبر آنداك المرجع الاول في الطب، وقد شهدة مدينة جنديسابور تشييد أكبر وأول بيمارستان عرفته الحضارة القديمة آنذاك، كما كان بادرة حسنة ساعدت في انشاء بيمارستانات عدة في بلاد العرب فيما بعد.

لقد خرّج بيمارستان جنديسابور أطباء وعلماء عدة يعتبرون من أعلام الثقافة الإسلامية وبقي حافظًا لكيانه وشهرته زمنا طويلًا إلى ما بعد العصر العباسي، حيث بدأ العرب في انشاء مدارسهم وبيمارستاناتهم الخاصة في بلادهم وأمصارهم التي افتتحوها، ما أدى الى اندثار بيمارستان جنديسابور شيئا فشيئا مع مرور الزمن.

وتذكر كتب التاريخ أن الفضل في انشاء بيمارستان جنديسابور يعود الى “كسرى الأول” الذي بنى المدرسة وجلب إليها المعلمين من اليونان، ما جعل اليونانية اللغة الرسمية للدراسة في جنديسابور الى جانب الفارسية.

لقد كانت مدرسة جنديسابور أول من ساعد الخلفاء على نشر الطب في بلادهم بما تخرَّج منها من الأطباء والمترجمين الذين برزوا في بلادهم، وقد ذكر ابن القفطي في الحديث عن تطور صناعة الطب في جنديسابور: “إن أهل جنديسابور من الأطباء فيهم حذق بهذه الصناعة، وعلم من زمن الأكاسرة. وذلك سبب وصولهم إلى هذه المنزلة…ولم يزل أمرهم يقوى في العلم ويتزايدون فيه ويرقبون العلاج على مقتضى أمزجة بلادهم حتى برزوا في الفضائل، وجماعة منهم يفضلون علاجهم وطريقهم على اليونان والهند، لأنهم أخذوا فضائل كل فرقة فزادوا عليها بما استخرجوه من قبل نفوسهم، ورتبوا لهم دساتير وقوانين وكتبًا جمعوا فيها كل حسنة مما يستدل منها على فضلهم وغزارة علمهم”.

من أعلام مدرسة جنديسابور :-

خرّجت مدرسة جنديسابور رجالا أكفاء حفظ التاريخ أسماءهم في مجال الطب والصيدلة، نذكر من هؤلاء:

● عائلة بختيشوع: (هي عائلة من الأطباء والعلماء، اشتهروا بكفاءتهم وغناهم وخدمتهم قصر الخلافة في العصر العباسي).
ماسويه أبو يوحنا: اشتغل ببيمارستان جنديسابور لأزيد من أربعين سنة، فكان أعلم أهل زمانه في صناعة الأدوية.
● سابور بن سهل: كان صيدلانيا في بيمارستان جنديسابور عالمًا بقوى الأدوية وأسرار العقاقير، وقد خدم الخليفة المتوكل في قصر الخلافة.
● سرجيس: وهو تلميذ جورجيس بن بختيشوع، كان يدير بيمارستان جنديسابور عند غياب أستاذه.
● عيسى بن شهلانا: تلميذ جورجيس بن بختيشوع ورفيقه في رحلته لمعالجة الخليفة المنصور.
● عيسى بن طاهر بخت: من كبار أطباء البيمارستان وهو من كبار العلماء الذين تتلمذوا على يد جرجيس بن بختيشوع.

مدرسة جنديسابور قدَّمت عدداً كبيراً من مشاهير الطب.

انهيار مدرسة جنديسابور :-

لقد ظلت مدرسة جنديسابور صامدة لعصور طويلة، وكما عودنا التاريخ، ما أن تقوم قوة حتى تنهار أخرى، فما أن قامت بغداد وأعلنت عن نفسها كمركز للثقافة والعلم حتى انهار قطب مدرسة جنديسابور، حيث تركَّزت العلوم في بغداد وانتقل علم الطب وغيره إلى بيت الحكمة، فأفل نجم جنديسابور، لكن اسمها وعلماءها حافظوا على مكانتهم العظيمة في تاريخ العلم والطب في العالم بأسره.

تعرف على يوحنا بن ماسويه .. الطبيب النسطوري الأمين للخلفاء العباسيين

المصادر:-

  • نادر محمد إسماعيل: الجهود المبكرة لأساتذة جُنْدَيْسَابُور في نقل الفلسفة اليونانية إلى الحضارة الإسلامية.
  • القفطي: تاريخ الحكماء.
  • هيكل نعمة الله و الياس مليحة: موسوعة علماء الطب حياتهم وآثارهم.
  • ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء.

Amina

آمنة شاهدي، من مواليد سنة 1996، مغربيةُ الجنسيةِ؛ كاتبة محتوى عربي وأجنبي، حاصلة على شهادتيّ البكالوليوس في الفلسفة، والماجستير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، مهتمةٌ بالقضايا الفكريةِ والفلسفيةِ وكلّ ما يتعلق بالآدابِ والفنون، قديمها وحديثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى