أعلام

محيي الدين بن عربي .. المتصوف الكبير

هو للطريق كالفنار للماء، لا يهتدي السائر إلا به، ولا يرشد إلا بنوره

مولده:-

هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي، من ولد عبد الله بن حاتم أخي عدي بن حاتم، من قبيلة طيئ مهد النبوغ والتفوق العقلي في جاهليتها وإسلامها.

 يكنى أبا بكر ويلقب بمحيي الدين، ويعرف بالحاتمي وبابن عربي لدى أهل المشرق تفريقاً بينه وبين القاضي أبي بكر بن العربي، وبابن العربي لدى المغاربة، ويعرف في الأندلس بابن سراقة.

نشأته:-

هو سلسل أسرة عريقة في العلم والتقوى، عراقتها في الحروب والنضال، كان جده الأعلى عبد الله الحاتمي أحد قادة الحروب والفتوحات، وكان جده الأدنى أحد قضاة الأندلس وعلمائها، وكان أبوه علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث، ومن أعلام الزهد والتقوى والتصوف.

هذا هو النبع الأبوي الزكي، الذي أنجب محيي الدين، أما نبعه من حيث خئولته؛ فهو سلسل الأنصار الأطهار، الذين لا يسلكون فجاً إلا سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم معهم.

وهكذا درج محيي الدين بين بيت والده، وداره خاله، في جو عامر بنور التقوى، فيه سباق حار نحو الشرفات العليا للإيمان، وفيه عزمات لرجال أقوياء ينشدون نصراً وفوزاً في محاريب الهدى والطاعة.

ثم لا يذكر لنا التاريخ بعد ذلك شيئاً عن شباب محيي الدين، ولا عن شيوخه، ومقدار ما حصل من العلوم والفنون، ولكن محيي الدين أرخ نفسه وجلا حياته، فهو يذكر لنا في “الفتوحات”: أنه قد أعرض عن العلم والشيوخ، وأنه قد اتجه بروحه إلى محاريب الله ومهابط إلهامه، إلى التفكر في خلق السموات والأرض، وإلى الذكر الدائم المطهر الملهم.

ثم إلى الجلوة والخلوة، يطهر خواطرهن ويطهر وجدانه، ويزكي نفسه لتلهم تقواها، حتى تفجرت في قلبه ينابيع الفيض، وأشرقت في حياته شمس الهبات والعطايا اللدنية.

مكانة ابن عربي عند الصوفية:-

للشيخ ابن عربي في التصوف مكانة عليا فهو للطريق كالفنار للماء، لا يهتدي السائر إلا به، ولا يرشد إلا بنوره، إنه علم المعلم العقلي، والمربي المدرسي، فوظائفه فوق التعليم والتلقين، مراقبة القلب والخواطر والواردات.

محيي الدين ابن عربي وملك المغرب:-

وكما جابت أفكار محيي الدين آفاق السماء، وتنقلت في أبراجها؛ كذلك كانت حياته، رحلات وتنقلات في جنبات الأرض، مطوفاً وزائراً وعابداً ومقيماً.

وكان سنن العلماء في هذا العصر التنقل والتطواف في رقعة العالم الإسلامي العظيم والمتحد، الممتد من أوروبا إلى هضاب الصين وسهول الهند.

كان العلماء يتلاقون ويتجادلون، ويأخذ بعضهم من بعض ما درس وتعلم وحفظ، ويفضي بعضهم إلى بعض بما منح وأعطى.

وكان العالم الإسلامي يقود الدنيا ويفرض عليها سلطانه بسيوفه ورماحه، وبعلومه وآدابه، وكشوفه الفنية والروحية، كما كانت تغلي في باطنه أحداث جسام بعيدة الأثر في حاضره وغده، بل في حاضر العالم كله وغد الإنسانية بأسرها.

كان الصليبيون يقرعون أبواب الشرق الأوسط، ويتصارعون مع فرسان مصر وأبطال الأيوبيين على ثالث الحرمين وأولى القبلتين.

وكان المرابطون وهم فئة ثائرة بالسيف، غضوبة بالرمح يعيثون بأمن المغرب الأقصى ويفسدون، وتسل سيوفهم عروش ملوكه وسادته.

وكان للعلماء ورجال التصوف خاصة هنا وهناك قوة رهيبة، تقود الجماهير وتوجهها، وتجلها الملوك وتتقرب إليها، ويتزلف إليها السادة والأمراء.

فلا عجب إذا رأينا ملك المغرب المهدد بثورة المرابطين، يسعى إلى محيي الدين، الذي بزغ نجمه، وأشرق أفقه، وعرف اسمه ومكانه في دنيا التصوف وعالم البيان واللسان، ولا عجب إذا سعى محيي الدين إليه، تدفئ صدره آمال كبار، في أن يوجه هذا الملك وجهة صوفية روحية، وبالتالي ويوجه شعبه إلى تلك المناهل والينابيع.

وظائفه:-

كانت رحلة محيي الدين الأولى إلى المغرب في مطلع عام تسعين وخمسمائة من التاريخ الهجري، أي: ومحيي الدين في الثلاثين من عمره.

وتقلد محيي الدين وهو في رونق الشباب وفورة الحياة عمله الجديد، موقعاً على المراسيم ومنشئاً للرسائل، ومربياً لأبناء البيت المالك، وهي وظيفة أشبه بالوزارة.

ويعود محيي الدين إلى إشبيلية بالأندلس بعدما تحدث وقيعة بينه وبين الملك، ولكن بعد مرور أعوام تأتيه دعوة من الشيخ الصوفي أبو عبد الله بن المرابط، صديق الملك ومرشده الروحي، وحبيب محيي الدين، فعاد لمنصبه واطمأن الملك إليه فأطلق يده في شئون مملكته يقومها على النهج الصوفي، ويدفعها إلى التعاليم التي عرفت عن محيي الدين وعرف بها.

المرأة في حياة ابن عربي:-

في حياة محيي الدين ثلاث نساء: أولاهن عابدة زاهدة، عرفها بإشبيلية في مطلع شبابه، فكانت له أماً روحية، والثانية تعرف بها في مكة المكرمة، فحادثته في المحبة الإلهية وحاورته، واتصل بينهما حبل المودة والخالصة، والثالثة: التقى بها في مكة أيضأً، طفلة عذراء هيفاء، لرجل من أهل العلم، وله فيها أشعار وتكنيهات رائقة رائعة.

قصيدته رأيتُ البدر:.

رأيتُ البدرَ في فلكِ المعالي    يشيرُ إليَّ حالاً بعدَ حالِ

ويطلبني ليسلبني فؤادي      فيحوجني إلى ذلِّ السؤالِ

دعاني بالغداة ِدعاءَ بلوى    إلى وقتِ الظهيرة ِ والزوالِ

فلما لم يجبه دعاه حباً       ووجداً دائماً أخرى الليالي

فلم يكن غير قلبي من دعاه  فما ظفرت يداي من النوال

بشيءٍ غيرَ نفسي إذْ أجابتْ   فحرت إلى الوصال من الوصال

وقولي من إلى لا علم فيه      وفيه علمه عند الرجال

رجالُ اللهِ لا أعني سواهمْ    فضوءُ البدرِ ليس سنا الهلال

ومنْ وجهٍ يكونُ سناهُ أيضاً   كما أنَّ الهدى عينُ الضلالِ

رجالُ الله لا أعني سواهم     يميزه المحل وليس غير

وليسَ يخالها منهُ بوجهٍ    ولمْ يكثرْ بها فاعلمْ مقالي

دعاني في المودة ِوالوصالِ  بألسنةٍ العداوة ِ والتقالي

إذا كان الإمام يؤم قوماً   همُ الأعلونَ آلَ إلى سفالِ

وجيدٌ عاطلٌ لا شكَّ فيهِ    يميز قدره عن جيد حالِ

فآل المعتلى بأبي قبيس   إذا شاء الصلاة إلى سفال

كظهرِ البيتِ منزلهُ سواءٌ  يؤدِّي من علاه إلى اعتلال

ولكن في صلاتك ليس إلا  ووجداً دائماً أخرى الليالي

فإنَّ العبد عبد الله ما لم     تراهُ دريئةً  بينَ العوالي

لذلك إن أقيم على يقين    إشارة ُأسهمٍ عندَ النضالِ

ومنْ بعضِ الزجاجِ هوى ً وعجباً يطيعُ العالياتِ منَ الطوالِ

ألا إنَّ الطبيعة َ خيرُ أمٍّ    وفيها الكون من حكمِ البغال

ألا إنَّ الطبيعة َ أمّ عقمٍ   إذا كان البغالُ من البغالِ

ستورٌ في ظهور الخيلِ مهما  رأيتَ الخيلَ ترمى بالمخالي

إذا إنسانُ شخصٍ منْ فيالٍ  تعينت اليمين من الشمال

فقوٍ شمالهُ ليعودَ طلقاً      فهذا حكمُهُ يومَ النزالِ

وكن في القلبِ منه تكن إماماً  إذا تدعو جحاجحة ًالنزالِ

مقارعة ُ الكتائبِ ليسَ يدري الـ  ـذي تحويهِ رباتُ الحجالِ

ففي الدنيا بدت أسماء ربي   فعاينتِ النقائصَ في الكمالِ

وفي الأخرى إذا حققتُ أمري  أكونُ بها كأفياءِ الظلالِ

كمالُ الأمرَ في الدنيا لكوني  ظهرنا بالجلالِ وبالجمالِ

وفي الأخرى يريكَ كمالَ ربي  فنائي عندَ ذلكَ أو زوالي

كمالُ الحقِّ في الأخرى يراهُ  كمالي في الجنان بما يرى لي

كمالي أنْ أكون هناك عبداً  فمالي والسيادة َقلْ فمالي

وكن من أعظم الخدماء عندي بها صححت في الأخرى كمالي

إذا كان التكوُّن بانحراف   فعين النقصِ عين الاعتدال

سبقتُ القومَ جدّاً واجتهاد  على كوماءَ مشرفة ِ القذالِ

أصابتْ عينُ منْ تهوى مناصي  فقامَ بساقها داءُ العقالِ

وكنتُ أخاف من حدِّي وعدوي  أصابَ بنظرة ِالداءِ العضالِ

وكنتُ منَ السباقِ على يقينٍ   فأخرني القضاءُ عنِ النوالِ

بأعمالي فبتُ لها كئيباً   اردّد زفرتي من شغلِ بالي

ولكني سبقتُ القومَ علماً  ومعرفة ً إليهِ فما أبالي

فإنَّ الله ينزلني إليه  بعلمي بالكثيبِ مع الموالي

وهذا العلمُ كنتُ بهِ كريماً  أردّ به السفالَ إلى الأعالي

من العمال قد عصموا وفازوا    فأجني منهمُ ثمرَ الفعالِ

نفخت بعلمنا روحاً كريماً   بأجسامٍ منْ أعمالِ الرجالِ

فإني قدْ سبقتهمْ اعتناءً   بتعليمي إلى دارِ الجلالِ

وفاته:-

عاش محيي الدين يجوب بروحه آفاق السماء، ويعرج بهمته إلى معارف الملأ الأعلى، عاش معلق القلب أبداً بربه، عاش في مقامات النور وأحوال الصفاء تتنزل عليه هبات خالقه مبشرات ومرشدات، عاش محباً ومحبوباً، راضياً مرضياً، فلما اكتملت رسالته، وأحس بقرب الأجل، والرحيل إلى الرفيق الأعلى، أقبل على القرآن يصوغ له تفسيراً جديداً على هدى كشوفاته وفتوحاته وإلهامات قلبه.

وفي دمشق في ليلة الجمعة، في الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة والمحابر والأوراق بين يديه، والقلم في يمناه منطلقاً بالفتح الأكبر، مفسراً لآي القرآن والذكر الحكيم، فلما وصل إلى قوله تعالى (وعلمناه من لدنا علماً)، وقف القلم واهتز الجسد، ومال الرأس الكبير، وهرع إليه صحبه، فإذا بنور يتصاعد إلى السماء، يحمل معه سر تلك الحياة الخالدة.

وصف الإدريسي لدمشق التي توفي فيها ابن عربي

مصادر الصور:-

https://www.universalilluminism.org/2018/12/reading-ibn-arabi-wisdom-of-holiness.html

https://en.qantara.de/content/the-poems-of-ibn-arabi-interpreting-desire

الوسوم

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق