أعلام

محيي الدين ابن عربي .. المتصوف الكبير

هو للطريق كالفنار للماء، لا يهتدي السائر إلا به، ولا يرشد إلا بنوره

مولده:-

هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي، من ولد عبد الله بن حاتم أخي عدي بن حاتم، من قبيلة طيء مهد النبوغ والتفوق العقلي في جاهليتها وإسلامها.
يكنى أبا بكر ولقبه محيي الدين ، ويعرف بالحاتمي و ابن عربي لدى أهل المشرق تفريقاً بينه وبين القاضي أبي بكر بن العربي، وبابن العربي لدى المغاربة، ويعرف في الأندلس بابن سراقة.

نشأته:-

هو سلسل أسرة عريقة في العلم والتقوى، عراقتها في الحروب والنضال، كان جده الأعلى عبد الله الحاتمي أحد قادة الحروب والفتوحات، وكان جده الأدنى أحد قضاة الأندلس وعلمائها، وكان أبوه علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث، ومن أعلام الزهد والتقوى والتصوف.

هذا هو النبع الأبوي الزكي، الذي أنجب محيي الدين، أما نبعه من حيث خئولته؛ فهو سلسل الأنصار الأطهار، الذين لا يسلكون فجاً إلا سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم معهم.

محيي الدين ابن عربي

وهكذا درج محيي الدين بين بيت والده، وداره خاله، في جو عامر بنور التقوى، فيه سباق حار نحو الشرفات العليا للإيمان، وفيه عزمات لرجال أقوياء ينشدون نصراً وفوزاً في محاريب الهدى والطاعة.

ثم لا يذكر لنا التاريخ بعد ذلك شيئاً عن مرحلة شباب محيي الدين، ولا عن شيوخه، ومقدار ما حصل من العلوم والفنون، ولكن محيي الدين أرخ نفسه وجلا حياته، فهو يذكر لنا في “الفتوحات”: أنه قد أعرض عن العلم والشيوخ، وأنه قد اتجه بروحه إلى محاريب الله ومهابط إلهامه، إلى التفكر في خلق السموات والأرض، وإلى الذكر الدائم المطهر الملهم.

ثم إلى الجلوة والخلوة، يطهر خواطرهن ويطهر وجدانه، ويزكي نفسه لتلهم تقواها، حتى تفجرت في قلبه ينابيع الفيض، وأشرقت في حياته شمس الهبات والعطايا اللدنية.

مكانة ابن عربي عند الصوفية:-

للشيخ ابن عربي في التصوف مكانة عليا فهو للطريق كالفنار للماء، لا يهتدي السائر إلا به، ولا يرشد إلا بنوره، إنه علم المعلم العقلي، والمربي المدرسي، فوظائفه فوق التعليم والتلقين، مراقبة القلب والخواطر والواردات.

نبِّــه علـــى السِّـــــرِ ولا تُفْشِــــهِ .. فالبَــــوْحُ بالسِّــرِّ لـهُ مقتٌ

على الذي يُبْدِيـــــهِ فاصبِــــرْ بـــهِ .. واكتُمْــــهُ حتَّى يصِـلَ الـوَقْتُ

محيي الدين ابن عربي وملك المغرب:-

وكما جابت أفكار محيي الدين آفاق السماء، وتنقلت في أبراجها؛ كذلك كانت حياته، رحلات وتنقلات في جنبات الأرض، مطوفاً وزائراً وعابداً ومقيماً.

وكان سنن العلماء في هذا العصر التنقل والتطواف في رقعة العالم الإسلامي العظيم والمتحد، الممتد من أوروبا إلى هضاب الصين وسهول الهند.

كان العلماء يتلاقون ويتجادلون، ويأخذ بعضهم من بعض ما درس وتعلم وحفظ، ويفضي بعضهم إلى بعض بما منح وأعطى.

وكان العالم الإسلامي يقود الدنيا ويفرض عليها سلطانه بسيوفه ورماحه، وبعلومه وآدابه، وكشوفه الفنية والروحية، كما كانت تغلي في باطنه أحداث جسام بعيدة الأثر في حاضره وغده، بل في حاضر العالم كله وغد الإنسانية بأسرها.

كان الصليبيون يقرعون أبواب الشرق الأوسط، ويتصارعون مع فرسان مصر وأبطال الأيوبيين على ثالث الحرمين وأولى القبلتين.

وكان المرابطون وهم فئة ثائرة بالسيف، غضوبة بالرمح يعيثون بأمن المغرب الأقصى ويفسدون، وتسل سيوفهم عروش ملوكه وسادته.

وكان للعلماء ورجال التصوف خاصة هنا وهناك قوة رهيبة، تقود الجماهير وتوجهها، وتجلها الملوك وتتقرب إليها، ويتزلف إليها السادة والأمراء.

فلا عجب إذا رأينا ملك المغرب المهدد بثورة المرابطين، يسعى إلى محيي الدين، الذي بزغ نجمه، وأشرق أفقه، وعرف اسمه ومكانه في دنيا التصوف وعالم البيان واللسان، ولا عجب إذا سعى محيي الدين إليه، تدفئ صدره آمال كبار، في أن يوجه هذا الملك وجهة صوفية روحية، وبالتالي ويوجه شعبه إلى تلك المناهل والينابيع.

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

إنَّ لهُ توسُّطَاً في الكَلَام، وذكَاءً، وقوَّة خاطرٍ، وحافِظة، وتَدْقِيقَاً في التَّصَوُّف، وتآليف جَمَّة في العِرفَان، لولا شَطْحُهُ في كَلَامِه وشِعْرِه، ولعلَّ ذلِكَ وقَعَ منْهُ حالَ سُكْرِهِ وغيبَتِهْ، فيُرْجَى لَهُ الخَبَر.

— شمس الدين الذهبي يتحدَّث عن ابن عربي.

وظائفه:-

كانت رحلة محيي الدين الأولى إلى المغرب في مطلع عام تسعين وخمسمائة من التاريخ الهجري، أي: ومحيي الدين في الثلاثين من عمره.

وتقلد محيي الدين وهو في رونق الشباب وفورة الحياة عمله الجديد، موقعاً على المراسيم ومنشئاً للرسائل، ومربياً لأبناء البيت المالك، وهي وظيفة أشبه بالوزارة.

ويعود محيي الدين إلى إشبيلية بالأندلس بعدما تحدث وقيعة بينه وبين الملك، ولكن بعد مرور أعوام تأتيه دعوة من الشيخ الصوفي أبو عبد الله بن المرابط، صديق الملك ومرشده الروحي، وحبيب محيي الدين، فعاد لمنصبه واطمأن الملك إليه فأطلق يده في شئون مملكته يقومها على النهج الصوفي، ويدفعها إلى التعاليم التي عرفت عن محيي الدين وعرف بها.

محيي الدين ابن عربي

المرأة في حياة ابن عربي:-

في حياة محيي الدين ثلاث نساء: أولاهن عابدة زاهدة، عرفها بإشبيلية في مطلع شبابه، فكانت له أماً روحية، والثانية تعرف بها في مكة المكرمة، فحادثته في المحبة الإلهية وحاورته، واتصل بينهما حبل المودة والخالصة، والثالثة: التقى بها في مكة أيضأً، طفلة عذراء هيفاء، لرجل من أهل العلم، وله فيها أشعار وتكنيهات رائقة رائعة.

قصيدته رأيتُ البدر:-

رأيتُ البدرَ في فلــكِ المعـــالي .. يشيــــرُ إليَّ حالاً بعدَ حالِ

ويطلبني ليسلبني فـــــؤادي .. فيحوجنـــي إلى ذلِّ السؤالِ

دعــــــــاني بالغداة ِدعــــاءَ بلــوى .. إلى وقتِ الظهيرة ِ والزوالِ

فلمــا لم يجبه دعـــاه حبـــــــــاً .. ووجداً دائماً أخرى الليالي

فلم يكـــــن غير قلبي من دعـــــاه .. فمـــا ظفرت يداي من النوال

بشيءٍ غيــرَ نفسي إذْ أجـــــابتْ .. فحــرت إلى الوصال من الوصال

وقولـــــي من إلى لا علـــم فيـــه .. وفيـــه علمه عند الرجال

رجــــــالُ اللـــــهِ لا أعنـــي ســواهمْ .. فضوءُ البدرِ ليس سنا الهلال

ومنْ وجــــهٍ يكونُ سنــــــــاهُ أيضــاً .. كما أنَّ الهدى عينُ الضلالِ

رجــــــالُ الله لا أعني سـواهـــم .. يميـــزه المحل وليس غير

وليــــسَ يخالهــــــــا منـــهُ بوجـــهٍ .. ولمْ يكثرْ بها فاعلمْ مقالي

دعـــاني في المودة ِوالوصــــــالِ .. بألسنةٍ العداوة ِ والتقالي

إذا كــــان الإمـــام يؤم قومـــــــــاً .. هــمُ الأعلونَ آلَ إلى سفالِ

وجيـدٌ عـــــــاطلٌ لا شــكَّ فيـــهِ .. يميـــز قدره عن جيد حالِ

فـــآل المعتـــلى بـــــــأبــــي قبـيس .. إذا شاء الصلاة إلى سفال

كظهــرِ البيتِ منزلـــــهُ ســــــواءٌ .. يــؤدِّي من علاه إلى اعتلال

ولكــــــن في صلاتــــك ليــــس إلا .. ووجداً دائماً أخرى الليالي

فـــــإنَّ العبد عبد اللـــــه ما لم .. تـــــــراهُ دريئةً بينَ العوالي

لذلـــــــــك إن أقيم على يقين .. إشـــــــــارة ُأسهمٍ عندَ النضالِ

ومنْ بعــضِ الزجـــــــاجِ هـــــوىً .. وعجباً يطيعُ العالياتِ منَ الطوالِ

ألا إنَّ الطبيعــــــة َ خيـــــرُ أمٍّ .. وفيهـــــــا الكون من حكمِ البغال

ألا إنَّ الطبيعــــــــــــة َ أمّ عقــــــــمٍ .. إذا كان البغالُ من البغالِ

ستورٌ في ظهور الخيـــــلِ مهمــــــــا .. رأيتَ الخيلَ ترمى بالمخالي

إذا إنســـانُ شخصٍ منْ فيـــــالٍ .. تعينــت اليمين من الشمال

فقوٍ شمالهُ ليعودَ طلقـــاً .. فهــــــــــــــــذا حكمُهُ يومَ النزالِ

وكـــن في القلبِ منه تكن إمامــــــــاً .. إذا تدعو جحاجحة ًالنزالِ

مقـارعة ُ الكتـــــــائبِ ليسَ يدري الـ ـ .. ذي تحويهِ رباتُ الحجالِ

ففي الدنيـــــا بدت أسمـــــاء ربي .. فعاينتِ النقائصَ في الكمالِ

وفي الأخـــــــــرى إذا حققتُ أمري .. أكــونُ بها كأفياءِ الظلالِ

كمــــالُ الأمرَ في الدنيــــا لكوني .. ظهرنــا بالجلالِ وبالجمالِ

وفي الأخرى يريــكَ كمــــــالَ ربي .. فنــــائي عندَ ذلكَ أو زوالي

كمــــــــــالُ الحقِّ في الأخرى يراهُ .. كمــــالي في الجنان بما يرى لي

كمــــــــالي أنْ أكون هنــــــــاك عبداً .. فمـــالي والسيادة َقلْ فمالي

وكـــــن من أعظم الخدمــــــاء عندي .. بها صححت في الأخرى كمالي

إذا كــــــــان التكوُّن بانحـــــــراف .. فعين النقصِ عين الاعتدال

سبقتُ القومَ جــــدّاً واجتهـــــــــاد .. على كوماءَ مشرفة ِ القذالِ

أصـــــــــابتْ عينُ منْ تهوى منـــاصي .. فقامَ بساقها داءُ العقالِ

وكنتُ أخــــــــاف من حدِّي وعدوي .. أصـــابَ بنظرة ِالداءِ العضالِ

وكنتُ منَ السبـــــــاقِ على يقينٍ .. فأخـــرني القضاءُ عنِ النوالِ

بـــأعمــــالي فبتُ لهــا كئيبـــــــــاً .. اردّد زفرتي من شغلِ بالي

ولكني سبقتُ القومَ علماً .. ومعرفـــــــــةً إليهِ فما أبالي

فـــــــــــإنَّ الله ينزلني إليـــــــــــــه .. بعلمي بالكثيبِ مع الموالي

وهــــذا العلـــمُ كنــتُ بهِ كريمــــــــاً .. أردّ به السفالَ إلى الأعالي

من العمــــــــال قد عصمــوا وفازوا .. فأجني منهمُ ثمرَ الفعالِ

نفخت بعلمنا روحاً كريمــــــــاً .. بأجســامٍ منْ أعمالِ الرجالِ

فإني قدْ سبقتهمْ اعتنـــــــــــــــــاءً .. بتعليمي إلى دارِ الجلالِ

هُوَ لا يعوِّلُ كثيراً على تفرقةٍ بين يهوديةٍ ونصرانية ومسيحية ووثنية وإسلام، ويقولُ في ذلك:

لقد صـارَ قلبي قـــابلاً كُـــلَّ صورةٍ .. فمرعىً لغزلانٍ وديرٍ لرُهبانِ

وبيتٌ لأوثـــانٍ وكعبـــةُ طَــائــفٍ .. وألـــواحُ توراةٍ ومُصْحَفِ قرآنِ

أدينُ بدين الحُبِّ أنَّى توجَّهَت ركائبهُ .. فـالحُــبُّ ديني وإيمــــاني

من شيوخ ابن عربي:-

  • أبو بكر بن أخلف اللخمي – القراءن الكريم بالقراءات السبع .
  • أبو الحسن شريح بن محمد بن محمد بن شريح الرعيني – القرآن الكريم والقراءات.
  • أبو القاسم بن عبد الرحمن بن غالب الشراط – القرآن الكريم.
  • أبو محمد عبد الله البازلي قاضي مدينة فاس- القراءات السبع.
  • القاضي أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي حمزة – القراءات.
  • المحدِّث أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الإشبيلي – الحديث الشريف.
  • عبد الصمد بن محمد الحرستاني – صحيح مسلم.
  • يونس بن يحيى أبي الحسن العباسي الهاشمي – صحيح البخاري.
  • أبو شجاع زاهد بن رستم الأصفهاني إمام المقام بالحرم – كتاب الترمذي.
  • البرهان نصر الدين بن أبي الفتوح بن عمر الحصري إمام مقام الحنابلة بالحرم الشريف – سمع منه ابن عربي كتباً كثيرة منها السنن لأبي داوود السجستاني.
  • سالم بن رزق الله الإفريقي – قرأ عليه كثيراً من تآليفه وناوله كتاب ” نهاية المجتهد وكفاية المقتصد” والأحكام الشريفة من تأليفه.
  • محمد بن محمد بن محمد البكري، سمَّع عليه رسالة القشيري.
  • ضياء الدين عبد الوهاب بن علي بن علي بن سكينة شيخ الشيوخ ببغداد، ومنحه إجازة عامة.
  • الحافظ الكبير ابن عساكر صاحب “تاريخ دمشق”، الذي منح ابن عربي إجازة عامة أيضاً.
  • أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحافظ، والذي كتب إليه بالرواية عنه بجميع تآليفه ونظمه ونثره وسمى له من كتبه “صفوة الصفوة” و” مثير الغرام السَّاكِن إلى أشرف الأماكن” وغير ذلك.
  • ابن مالك والذي حدَّثه بمقامات الحريري عن مصنِّفها.
  • أبو زيد السهيلي والذي حدَّثه بالروض الأنف في شرح السيرة والمعارف والأعلام وجميع تآليفه.
من أقوال محيي الدين ابن عربي

كتب ومصنَّفات ابن عربي:-

ألَّف الشيخ محيي الدين ابن عربي عشرات الكتب والمصنَّفات فيما يلي أسماء بعضها:

  • الفتوحات المكية وهو الكتاب الأشهر ويتألف من عشرين مجلَّداً.
  • الجمع والتفصيل في أسرار معاني التنزيل – يتضمن 64 مجلداً.
  • إشارات القرآن في العالم والإنسان.
  • المثلثات الواردة في القرآن العظيم.
  • أسرار قلوب العارفين.
  • الموعظة الحسنة.
  • مناهج الارتقاء إلى افتضاض أبكار النقا بجنان اللقا، ويحتوي ثلاثة آلاف مقام في طريق الله تعالى على ثلاثمائة باب، كل باب عشرة مقامات.
  • شفاء العليل في إيضاح السَّبيل.
  • كشف الغين: سر أسماء الله الحُسنى.
  • عقلة المستوفز جلاء القلوب.
  • التحقيق في الكشف عن سِر الصَّديق.
  • الإعلام بإشارات أهل الأوهام والإفهام في شرحه.
  • السِّراج الوهَّاج في شرح كلام الحلَّاج.
  • كنه ما لا بد للمريد منه.
  • مفتاح السعادة في معرفة الدخول إلى طريق الإرادة.
  • الأجوبة عن المسائل المنصورة.
  • المنتخب في مآثر العرب.
  • نتائج الأفكار وحدائق الأزهار.
  • الميزان في حقيقة الإنسان.
  • الجذور المقتبسة والخطرة المختلسة.
  • التنزلات الموصلية.
  • الجمال والجلال.
  • عنقاء المغرب.
  • شروط أهل الطَّريق.

بين التذلَُــلِ والتَدَلُّــلِ نقطـــــةً .. فيـهــــا يتيه العالمُ النحريرُ

هيَ نُقْطَةُ الأكْـوَانِ إن جــــاوزتها .. كُنْــتَ الحكيم وعلمك الإكسيرُ

مسائل عند ابن عربي:-

  • للعقل نور يُدرك به أمور مخصوصة، وللإيمان نورٌ به يدرك كل شيء ما لم يقُم مانع، فبنور الله تصل إلى معرفة الألوهة وما يجب لها ويستحيل، وما يجوز منها فلا يستحيل ولا يجب، وبنور الإيمان يدرك العقل معرفة الذَّات وما نسب الحق إلى نفسه من النعوت.
  • لا يمكن عندنا معرفة كيفية ما يُنسب إلى الذَّوات من الأحكام إلَّا بعد معرفة الذَّوات المنسوبة والمنسوب إليها، وحينئذٍ تعرف كيفية النِّسبة المخصوصة لتلك الذَّات المخصوصة كالاستواء والمعية واليد والعين وغير ذلك.
  • المعلومات منحصرة من حيث ما تدرك به في حسٍ ظاهرٍ وباطنٍ وهو الإدراك النفسي والبديهة، وما تركب من ذلك عقلاً إن كان معنى، وخيالاً إن كان صورة، فالخيال لا يركب إلَّا في الصور خاصَّة، فالعقل يعقل ما يركب الخيال، وليس في قوَّة الخيال أن يصوِّر بعض ما يركبه العقل، وللاقتدار الإلهي سرّ خارج عن هذا كله يقف عنده.
  • الحق أصل الوجود، الواحد الأحد الذي لا يقبل العدد، فهو وإن كان واحد العين فهو المسمَّى بالحي القيوم العزيز المتكبِّر الجبار إلى تسعة وتسعين اسماً لعين واحدة وأحكامٍ مختلفة.
  • الحَمْدُ ثناءٌ عام ما لم يقيِّده الناطق به بأمر، وله ثلاث مراتب، حمد الحمد، وحمد المحمود نفسه، وحمد غيره له، وما ثم مرتبة رابعة في الحمد.
  • واحذر أن تسبَّحه بعقلك، واجعل تسبيحه منك بالقرآن الذي هو كلامه، فتكون حاكياً لا مخترعاً ولا مبتدعاً، فإن كان هناك ما يقدح كُنتَ أن بريء السَّاحة من ذلك، إذ ما سبَّحه إلَّا كلامه، وهو أعلم بنفسه مِنك وهو يحمد ذاته بأتمِّ المحامد وأعظم الثَّناء، كما قال الرسول عليه الصلاة والسَّلام “أنتَ كما أثنيتَ على نفسك” وقد أثنى على نفسه بما يقول فيه دليل العقل أنه لا يجوز عليه ذلك وينزهه عنه، وهذا غاية الذَّم وتكذيب الحق فيما نسبه إلى نفسه وعلمك بأنَّك أعرف به منه، فاحذر أن تنزَّهه عن أمرٍ ثبت في الشَّرع أنه وصف له كان ما كان.
  • لا يلزم الرَّاضي بالقضاء؛ الرضى بالمقضي، فالقضاء حكمُ الله، وهو الذي أمرنا بالرضى به، والمقضي المحكوم به فلا يلزمنا الرِّضى به.
  • إن العدم هو الشرُّ المحض: لم يعقل بعض النَّاس حقيقة هذا الكلام لغموضه، وهو قول المحققين من العلماء المتقدمين والمتأخرين، لكن أطلقوا هذه اللفظة ولم يوضحوا معناها، وقد قال لنا بعض سفراء الحق في منازلة في الظلمة والنُور: إن الخير في الوجود والشرّ في العدم في كلامٍ طويل علمنا أن الحق تعالى له إطلاق الوجود من غير تقييد وهو الخير المحض الذي لا شرَّ فيه، فيقابله إطلاق العدم الذي هو الشرُّ المحض الذي لا خير فيه، فهذا معنى قولهم إن العدم هو الشرُّ المحض.
  • لا يؤثِّر تعدد التعلُّقات من المتعلق في كونه واحداً في نفسه، كما لا يؤثر تقسيم المتكلم به في أحادية الكلام.
  • الصفات الذاتية للموصوف بها وإن تعدَّدت؛ فلا تدل على تعدُّد الموصوف في نفسه، لكونها مجموع ذاته، وإن كانت معقولة في التمييز بعضها عن بعض.
المفكر عباس محمود العقاد أحد أعلام الأدب بمصر، عشق القراءة والمطالعة، وتفرغ للكتابة والتأليف، وأعجب الناس بكتابته، أتقن الإنكليزية، الألمانية، الفرنسية، ...

ويظُن- والظَّنُ من الأوروبيين قبل الشرقيين- أن الفيلسوف الصُّوفي محيي الدِّين بن عربي كان له أثرٌ كبيرٌ في عُقولِ النُسَّاكِ والمُتصوِّفة من فقهاء المسيحية الذين ظهروا بعده، فإنَّهُ نشأ في مدينة مرسية قبل خِتام القرن الثاني عشر للميلاد، وانتقَلَ من دراسة علوم الكلام ومذاهِب الفلسفة إلى الرِّياضةِ الصُّوفيَّة والإيمان بوحدة الوُجود، وقد حبَّبَهُ إلى المسيحيين أنَّهُ وحَّدَ بين الأديان، كما وحَّدَ بين حقائق الوُجود.

— عباس محمود العقاد.

حدوث العالم:-

  • يقول الشيخ محيي الدين ابن عربي : ” ارتباط العالم بالله ارتباط ممكن بواجب ومصنوع بصانع، فليس للعالم في الأزل مرتبة فإنها مرتبة الواجب بالذَّات فهو الله ولا شيء معه، سواء كان العالم موجوداً أو معدوماً، فمن توهَّم بين الله والعالم بوناً يقدر تقدّم وجود الممكن فيه وتأخره فهو توهُّم باطل لا حقيقة له، فلهذا نزعنا في الدلالة على حدوث العالم خلاف ما نزعت إليه الأشاعرة”
  • وقال ابن عربي: قد رأيتُ في واقعة أنّي أطوفُ بالبيت مع أُناس لا أعرفهم، فأنشدوني بيتين حفظتُ أحدهما ونسيتُ الآخر:

لقد طُفنا كما طُفتُم سنينا .. بهذا البيت طراً أجمعينا

وتكلَّمتُ مع واحد منهم، فقال: أما تعرفني؟ فقُلت: لا ، فقال: أنا أحد أجدادك الأولين، فقُلتُ له: كم لك منذ مِت، فقال لي : بضعٌ وأربعون ألف سنة، فقُلت: ليس لأبينا آدم عليه السَّلام هذا القدر من السنين، فقال لي : عن أيِّ آدم تقول هذا؟ الأقرب إليكم أم عن غيره؟ فذكر حديثاً رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّلم أنه قال: “إن الله تعالى خلق مائتي ألف آدم”، فقُلت في نفسي: قد يكون الجد الذي ينسبني إليه ذلك الشَّخص من أولئك، قال: والتَّاريخ في ذلك مجهول مع حدوث العالم لا شك”.

  • قال الشيخ محيي الدين ابن عربي : “اجتمعتُ يوماً في عالم الأرواح مع إدريس عليه السَّلام، وسألته عن صحَّة ذلك الكَشف، فقال إدريس عليه السَّلام: صدق الخَبَر وصَدَقَ شُهودك ومكاشفتك في ذلك، نحن معشر الأنبياء آمنَّا بحُدوث العالم، وانقَطَعَ عِلمنا عن مبدأ الأعيان والأكوان”.
  • وفي سياق إجابته على سؤال حول: هل اطَّلَعَ أحدٌ من الخَوَاص على معرفة تاريخ أول العالم على التحديد من طريق العقل أو الكَشْفَ أو الأدلة؛ قال الشيخ محيي في الباب التسعين وثلاثمائة من “الفتوحات المكيَّة”: إنَّه لم يبلغنا أن أحداً عرِفَ مُدَّة الخَلْق على التَّحديد، وذلك لأن أكثر الكواكب قطعاً في الفلك الأطلس الذي لا كوكب فيه الكواكب الثابتة، والأعمار لا تُدرك حركتها لظهور ثبوتها للأبصار مع أنَّها سابحة سبحاً بطيئاً، والأعمار لا تُدرك حركتها لظُهور ثبوتها للأبصار فإن كل كوكب منها يقطع الدَّرجة الواحدة من الفلك الأقصى في كُلِّ مئة سنة إلى أن ينتهي إليها، فما اجتمع من السنين فهو يوم تلك الكواكب الثابتة، فتحسب ثلاثمائة وستين درجة، كل درجة مائة سنة..”.

ابن عربي هو إمام القائلين بوحْدَة الوُجود، ويكَادُ الإجماعُ ينعقدُ على أنَّ القولَ بوحْدَةِ الوجودِ لم يظهَر في صيغتهِ المُتكَامِلَة إلَّا على يديه، وإن كانت هُناكَ أفكارٌ سابقةٌ على ابن عربي مهَّدَت لظُهُورِ مذهَبِهِ، ومع ذلكَ؛ فقَد استمدَّهَا من كُلِّ مصدرٍ وسعهُ أن يستفيدَ منهُ، وقد عُرِفَ هذا المَذْهَب عندَ البَرَاهِمَة في الهِنْد، والرُّواقِيَّة اليونانية والأفلوطنية الحديثة، كمَا ظَهَرَ في صورةِ جديدة كوحْدَةِ الوُجُودِ الأسبينوزيَّة، ووحْدِة الوُجُودِ المِثالية.

— عبد الله بن دجين السهلي.

وفاته:-

عاش محيي الدين ابن عربي يجوب بروحه آفاق السماء، ويعرج بهمته إلى معارف الملأ الأعلى، عاش معلق القلب أبداً بربه، عاش في مقامات النور وأحوال الصفاء تتنزل عليه هبات خالقه مبشرات ومرشدات، عاش محباً ومحبوباً، راضياً مرضياً، فلما اكتملت رسالته، وأحس بقرب الأجل، والرحيل إلى الرفيق الأعلى، أقبل على القرآن يصوغ له تفسيراً جديداً على هدى كشوفاته وفتوحاته وإلهامات قلبه.

وفي دمشق في ليلة الجمعة، في الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة والمحابر والأوراق بين يديه، والقلم في يمناه منطلقاً بالفتح الأكبر، مفسراً لآي القرآن والذكر الحكيم، فلما وصل إلى قوله تعالى (وعلمناه من لدنا علماً)، وقف القلم واهتز الجسد، ومال الرأس الكبير، وهرع إليه صحبه، فإذا بنور يتصاعد إلى السماء، يحمل معه سر تلك الحياة الخالدة.

وصف الإدريسي لدمشق التي توفي فيها ابن عربي

فإيَّاكَ أن تتقيَّد بعقدٍ مخْصُوص، وتكْفُر بما سِوَاه، فيفوتَكَ خيرٌ كثيرٌ، بل يفوتَكَ العِلْم بالأمْرِ على ما هوَ عليه، فكُن في نفسِكَ هيولى لصورِ المُعتَقَدَات كُلَّهَا؛ فإنَّ الله أوسَع وأعظَم من أنْ يحصرهُ عقدٌ دون عقْد.

مصادر الصور:-

https://www.universalilluminism.org/2018/12/reading-ibn-arabi-wisdom-of-holiness.html

https://en.qantara.de/content/the-poems-of-ibn-arabi-interpreting-desire

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى