أعلام

محمد صالح الفرفور .. العلامة المربي الكبير

كان يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها، حكيماً يضع الأمور في مواضعها، يتواضع في غير مذلة

اسمه ونسبه:

عين أعيان دمشق العلامة المربي الكبير: محمد صالح بن عبد الله بن محمد صالح بن سعيد بن عبد الله الفرفوري الحسني، الدمشقي المولد والوفاة، الحنفي مذهباً، الأشعري عقيدة، من سلالة آل فرفور الأشراف التي اشتهرت بالعلم والفضل منذ القرن الثامن الهجري.

ولادته ونشأته:

ولد محمد بدمشق في قصر بني فرفور، في حي العمارة الجوانية سنة 1318هـ ونشأ بين أبوين صالحين، فقد كان والده السيد عبد الله (ت1336هـ) من أهل الصلاح والتقوى والذكر وتلاوة القرآن، ووالدته هي السيدة صفية بنت عبد القادر غنام (ت1345هـ)، دفعه والده في سن السادسة إلى المكتب ليلقى مبادئ العلوم وكان شيخه في المكتب هو الشيخ أنيس الطالوي (ت1327هـ) ثم ألحقه والده بالمدرسة العثمانية الكاملية بإشارة من الشيخ محمد سليم الحلواني، فدخلها بتاريخ 14 شوال سنة 1328هـ، وقرأ فيها العلوم الشرعية والعربية والعصرية واللغة التركية والفرنسية، ثم تخرج من مدرسة الكاملية في ذي الحجة سنة 1335هـ.

محمد صالح الفرفور

عمله وكسبه:

ثم توفي والده وترك ذرية تحتاج إلى من يعولها، فاضطر الشيخ محمد صالح الفرفور إلى الاكتساب فعمل نجاراً في القباقبية، وكان يغدو لدرس الشيخ هاشم الخطيب في المسجد.

زواجه وأسرته:

تزوج محمد أولاً السيدة عائشة ابنة العلامة الشيخ إبراهيم الغلاييني، ولم تطل صحبته معها، ففارقها على خير دون أن تنجب له.

ثم تزوج من السيدة حليمة ابنة الحاح فرس لطفي فارس، واستمر معها إلى آخر حياته، ومنها رزق الأولاد: محمد، وصفية، ومحمد عبد اللطيف، وحسام الدين، وولي الدين، وعبد الرحمن، ونصر الدين، وعبد الله، وأحمد شهاب الدين، وفاطمة، ولطيفة، وأسيمة. وقد ابتلى بفقد ولديه الأولين: محمد وصفية، واعتنى بالباقين ذكراً وإناثاً، فرباهم على طلب العلم الشرعي ونشره وخدمته، وأخذ عليهم العهد بذلك.

صفاته وأخلاقه:

كان محمد صالح فرفور يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها، حكيماً يضع الأمور في مواضعها، يتواضع في غير مذلة، عزيز النفس من غير كبر، يصدع بالحق ولا يخشى ف الله لومة لائم، يغب لله ولا يغضب لنفسه، حكيماً يحسن التصرف، يعيد النظر، لين الجانب، كثير الإحسان لتلامذته وللضعفاء والفقراء، كريماً سخياً، كثير الإنفاق في سبيل الله، وفياً لشيخوخه وأبنائهم، يقدرهم وينزل الناس منازلهم، ويكرمهم غاية الإكرام، لا يستخدم أحداً في شؤونه الخاصة، يشتري حوائجه ويخد نفسه، أبي النفس عفيفاً، لا يمد يده لأحد، ولا يستذل إلا إلى الله، أسس “جمعية الفتح” وترأسها ثلاثين سنة لم يأخذ من أموالها شيئاً، وكريماً نزيهاً، رقيق القلب، بكاءً من خشية الله، حاضر القلب، يراقب الله في جميع أحواله، مخلصاً في أقواله وأفعاله، كثير الذكر والعبادة والتلاوة، مع فكر دائم واهتمام بالغ بشؤون المسلمين والعمل على نشر الدين ونصرة الإسلام.

شارك محمد صالح الفرفور في الثورة السورية ضد الفرنسيين المستعمرين مع شيخه بدر الدين الحسني، وفي المقاومة الشعبية سنة 1376هـ ضد العدوان الثلاثي على مصر، كما كان يمارس الفروسية والرماية والسباحة والمصارعة والأخذ بالسيف والترس بطلاً فيهما، ويشجع تلاميذه على التدرب والإعداد والأخذ بالقوة.

دمشق زمن محمد صالح الفرفور
أحد أحياء مدينة دمشق في خمسينيات القرن الماضي – مكتبة الكونغرس

مرضه ووفاته:

قضي الشيخ محمد حياته كلها مجاهداً في العلم والتعلم ليل نهار، لا يكل ولا يمل حتى أقعده المرض في أواخر حياته، وفي صبيحة يوم الثلاثاء الخامس من محرم سنة 1407هـ انتقل إلى جوار ربه الكريم، وصلى عليه في المسجد الأموي عصر يوم الأربعاء، وخرجت دمشق وسائر المدن السورية تشيعه في عشرات الألوف، وكانت جنازته حافلة تشبه جنائز كبار الأئمة الأعيان، ودفن في مسجد الشيخ أرسلان، في قبر القاضي ولي الدين ابن فرفور أحد أجداد الأسرة، ورثاء العلماء والشعراء، ومن ذلك قول الشيخ صادق حبنكة في قصيدة يرثيه بها:

لـم يتــرك التدريس طــول زمـــانه .. فالعـلـم والتعليم ذاك المطلب

(الفتح) من أعماله، والنصح في .. توجيهه فيما يقول ويكتب

الشيخ محمد صالح الفرفور
الشيخ محمد ينتمي إلى أسرة عريقة في العلم والفضل

شيوخ محمد:-

  1. قرأ العلم على أكثر من خمسة عشر شيخاً، منهم أجل الشيوخ وأعظمهم أثراً في نفسه الشيخ المحدث الأكبر محمد بدر الدين بن يوسف الحسني البيباني المغربي (1267-1354هـ) لازمه وقرأ عليه دروسه العامة والخاصة مطولات الكتب ومختصراتها في مختلف العلوم، كالحديث، والتفسير، والفقه، والأصلين، والفرائض، والتوحيد، والنحو، والصرف، والفلسفة، والاصطرلاب، والفلك، والمقيات، والرياضيات، وألف فيه كتاباً سماه: “المحدث الأكبر وإمام العصر”.
  2. وقرأ على الفقيه الزاهد الشيخ صالح بن أسعد الحمصي (1285-1362هـ) قرأ عليه الفقه الحنفي، والأصول والتصوف وغيرها، ومما قرأه عليه “حاشية ابن عابدين”.
  3. وقرأ على العلامة الفلكي مفتي الجراكسة في مرج السلطان محمد الساعاتي المقيات في جلسة واحدة متواصلة استمرت يوماً وليلة، فسر منه الشيخ، وكان يذهب إليه ماشياً على قدميه مدة أربع ساعات، فيقرأ عند بقية نهاره، وطرفاً من ليله، ويبيت عنده، ويرجع في اليوم الثاني مشياً.
  4. ومنهم العلامة مفتي الشام الشيخ محمد عطاء الله بن إبراهيم بن ياسين الكسم (1260-1375هـ) حضر عليه دروس حاشية ابن عابدين”.
  5. ومنهم العلامة المقرئ محمد سليم بن أحمد الحلواني شيخ قراء دمشق (1285-1363هـ) قرأ عليه القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.
  6. ومنهم العلامة الشيخ محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني المغربي نزيل دمشق (1274-1345هـ) صاحب: “الرسالة المستطرفة في بيان مشهور كتب السنة المشرفة” حضر عليه بعض دروسه العامة وأجازة.
  7. ومنهم الشيخ محمد أمين بن محمد سويد الدمشقي (1273-1355هـ) حضر عنده دروساً متفرقة وانتفع به.
  8. ومنهم الشيخ محمد نجيب بن صالح كيوان الدمشقي (1287-1352هـ) حضر دروس وانتفع به.
  9. ومنهم الشيخ محمد هاشم بن محمد رشيد الخطيب الحسن (1304-1378هـ) وهو الذي أخذ بيده إلى مجالس الشيخ بدر الدين الحسني، وقد حضر دروسه العامة.
  10. ومنهم الشيخ عبد الكريم بن محمد سليم الحمزاوي الدمشقي (ت1346هـ) حضر مجالسه وانتفع به.
  11. ومنهم الشيخ عبد الرزاق بن عبد القادر الأسطواني الدمشقي (1270-1363هـ) حضر مجالسه وانتفع به.
  12. ومنهم الشيخ محمود بن محمد رشيد العطار الدمشقي (1284-1362هـ)
  13. ومنهم الشيخ محمد الشريف بن محمد الصديق اليعقوبي الخلوتي (1281-1362هـ) حر بعض مجالسه العامة وانتفع به، ورافقه في جولاته إلى لبنان للدعوة والتعليم.
دمشق زمن محمد صالح الفرفور
دمشق عام 1940 م – هذه المدينة أنجبت الكثير من النجباء

شيوخ الإجازة:-

  1. محمد بدر الدين الحسني الدمشقي (ت1354هـ).
  2. محمد عبد الباقي بن ملاعلي اللكنوي الأنصاري (ت1364هـ).
  3. محمد بن جعفر الكتاني (ت1345هـ).
  4. صالح بن أسعد الحمصي (ت1362هـ).
  5. محمد على بن حسين المالكي المغربي ثم المكي (ت1367هـ).
  6. عبد القادر بن توفيق الشلبي الطرابلسي (ت1369هـ).
  7. عمر بن حمدان المحرسي (ت1368هـ).
  8. محمد علي بن أعظم حسين الصديقي (ت1374هـ).
  9. محمد سليم بن أحمد الحلوني (ت1363هـ).
  10. محمد الساعاتي.
  11. عبد القادر بن حسين القصاب الديرعطاني (ت1360هـ).
  12. محمد العربي التباني (ت1391هـ).

نشاط محمد وجهوده العلمية:

اهتم محمد صالح الفرفور بالتعليم والإرشاد، فدرس في الثانويات الرسمية كالمدرسة البادرائية، والمدرسة الفتحية في محلة القيمرية، ومدرسة جلال الدين قيمر المعروفة اليوم بمسجد القطاط وفي الكليات الشرعية في دمشق وبيروت، كما كان يلقي دروساً في مساجد دمشق، كمسجد الباذرائية، ومسجد فتحي القلاقنسي، والمسجد الأموي، ومسجد الأقصاب (السادات)، وجامع سنان آغا في المناخلية، وجامع النورية، وجامع النجارين في الشاغور، وجامع العمرية في العمارة، وجمع تحت القناطر في مئذنة الشحم، وجامع السروجية في سوق السروجية، وجامع الياغوشية في الشاغور، وجامع الزاوية في  محلة الأقصاب، وجامع النطة في القيمرية، وجامع البريدي في حي البريدي، وجامع البدوي في الشاغور، وجامع الدرويشية في باب الجابية، وغيرها.

محمد صالح الفرفور

وكان يعطي عشرات الدروس الصباحية والمسائية في سائر العلوم الشرعية والعربية.

واستمر محمد يدرس في المساجد مدة طويلة لا سيما في (المدرسة الفتحية)، حتى ضاق المكان بالطلاب، فعزم على تأسيس معهد شرعي كبير يتسع لعدد كبير من الطلاب، تصير فيه الدراسة بشكل نظامي، فأسس لهذا الغرض “جمعية فتح الإسلامي”، مع جماعة من التجار الأغنياء الذين كانوا ينفقون على الطلاب ليتفرغوا للعلم، ترخصت في 14/9/1375هـ، ثم أسس بعد ذلك “معهد الفتح الإسلامي” في محلة القيمرية الذي تخرج منه علماء في دمشق وسائر أنحاء العالم الإسلامي، ثم أسس معهداً للإناث عام 1385هـ، وكان في نيته افتتاح جامعة يكمل فيها الطلاب تحصيلهم دون الحاجة إلى السفر إلى أزهر مصر، فأسس قسم التخصص في عام 1391هـ في معهد الفتح، وقد تحقق حلمه على أيدي أولاده الأبرار والمخلصين من العلماء والتلامذة، وفي عام 1415هـ أجرت معادلة لها مع جامعة الأزهر بمصر، وطبقت فيها المناهج الأزهرية.

مؤلفات محمد وتصنيفاته:

من أبرز تصانيف محمد صالح الفرفور:

  1. “النسائيات من الأحاديث النبوية الشريفة”.
  2. “في مشكاة النبوة في شرح الأربعين النبوية”.
  3. “الرسالة النافعة والحجة القاطعة”.
  4. “الدر المنثور على الضياء الموفور في أعيان بني فرفور”.
  5. المحدث الأكبر وإمام العصر العلامة الزاهد الشيخ محمد بدر الدين الحسني كما عرفته”.
  6. “سلسلة الخلود” وهي مجموعة مقالات أدبية وقصص من التاريخ في ثلاثة أجزاء: “الأول”: “من نفحات الخلود” والثاني: “من نسمات الخلود” والثالث: “من رشحات الخلود”.
  7. “ترجمة العلامة الزاهد الشيخ عبد الحكيم الأفغاني نزيل دمشق”.
  8. تهذيب نور الإيضاح مع شرحه” في الفقه الحنفسي.
  9. “الإفصاح شرح كتب الاقتراح” للسيوطي في أصول النحو.
  10.    “شرح جوهرة التوحيد” في علم العقائد.
  11. “تاريخ مسجد الأقصاب ومن دفن به من الأصحاب”.
  12.   “شرح كفاية الألمعي في تفسير قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي) لابن الجزري.
  13. “فقه السيرة النبوية”.
  14.  “آلام وآمال” وهو ديوان شعر.
  15. “شرح رسالة الغنيمي في الفقه الحنفي”.
  16. “رسالة في أحكام المساجد في الإسلام”.

كما كتب عدداً كبيراً من المقالات العلمية نشرها في عدد من المجلات، ومنها ما لم ينشر.

تلاميذ محمد:

تلاميذه أكثر من أن يحصون، نذكر أشهرهم علاوة على أولاده:

  1. الشيخ عبد الرازق الحلبي.
  2. الشيخ محمد أديب الكلاس.
  3. الشيخ إبراهيم اليعقوبي (ت1406هـ).
  4. الشيخ رمزي البزم (ت1411هـ).
  5. الشيخ صبحي القيسي البغجاتي (ت1413).
  6. الشيخ شعيب الأرنؤوط.
  7. الشيخ عبد القادر الأرنؤوط.
  8. الشيخ سهيل الزبيبي.
  9. الشيخ سعيد طناطرة.
  10. الشيخ نزار الخطيب.
  11. الشيخ أحمد رمضان.
  12. الشيخ نور الدين خزنه كاتبي.
  13. الشيخ موفق النشوقاتي (ت1421هـ).
  14. الشيخ أحمد نوناتي القتابي.
  15. الشيخ عبد الفتاح البزم.

كما استجازه عدد من العلماء منهم:

  1. محمد ياسين الفاداني (ت1410هـ).
  2. محمد بن علوي مالكي.
  3. محمد علي مراد الحموي (ت1421هـ).
  4. محمد عوض.
  5. أسامة الرفاعي.
  6. سارية الرفاعي.
  7. محمد مطيع حافظ.
  8. محمد عدنان المجد.
  9. محمد أبو الهدى اليعقوبي.

مصادر ترجمته:

  • انظر تاريخ علماء دمشق، لمحمد مطيع الحافظ 3/507
  • مجلة التمدن الإسلامي 1/3/113-114
  • ذكريات، لعلي الطنطاوي 2/182
  • إتحاف ذوي العناية للعزوزي ص51
  • الروض الفائح وبغية الغادي والرائح بإجازة فضيلة الأستاذ محمد رياض المالح، لمحمد ياسين الفاداني (1/71) له
Image by Pexels from Pixabay 

https://www.stockvault.net/photo/109821/arabic-text#

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى