أعلامانفوجرافيكس

محمد بن طاهر المقدسي .. المؤرخ الحافظ للحديث

اعتنى كثيراً بولده، وأصبح نجله أبو زرعة من المشهورين بعلو الإسناد وكثرة السماع

اسمه ونشأته:

محمد بن طاهر بن علي بن أحمد، أبو الفضل المقدسي ، الحافظ المعروف بابن القَيْسَرَاني، صاحب الرحلة الواسعة، مؤرِّخ من حفَّاظ الحديث، وُلِدَ ببيت المقدس، 6 شوال، سنة 448هـ.

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:

كان أحد أبرز الرحَّالة في طلب الحديث، سمع بالقدس أولاً من ابن ورقاء، وببغداد من أبي محمد الصَّرِيْفِيْنِيّ، وبنيسابور من الفضل بن المحبّ، وبهَرَاة من محمد بن أبي مسعود الفارسي، وسمع بالحجاز، والشام، ومصر، والعراق وفارس، وخوزستان، وخراسان، وأصبهان، وشيراز، والري، وأول سماعه كان سنة 460هـ، وكان عمره وقتها 12 عاماً.

ابن طاهر المقدسي الذي ينتمي لمدينة القدس

حدَّث عنه: شِيْرَوَيْه بنُ شهردَار، وأبو جعفر بن أبي علي الهَمَذَانِيّ، وابن ناصر، وَالسِّلَفِيّ، وغيرهم الكثير.

كان من أسرع الناس كتابة وأذكاهم، وقد استوطن همذان، وكان من المشهورين بالحفظ والمعرفة بعلوم الحديث، وله في ذلك مصنفات ومجموعات تدل على غزارة علمه وجودة معرفته.

كان يهتم بالكتابة؛ لأثرها البليغ في الحفظ، قال السِّلَفِيُّ: سمعت ابن طاهر يقول: “كتبت البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، وابن ماجه، سبع مرات بالوراقة”.

وكانت له معرفة بعلم التصوف وأنواعه، متفننا فيه، وله فيه تصنيف أيضاً، وله شعر حسن، وكتب عنه غير واحد من الحفاظ: منهم أبو موسى محمد بن أبي بكر الأصبهاني.

محمد بن طاهر المقدسي – عناؤه في طلب الحديث:

قال ابن طاهر المقدسي: “بُلْتُ الدم في طلب الحديث مرتين، مرةً ببغداد، وأخرى بمكة، كنت أمشي حافياً في الحر، فلحقني ذلك، وما ركبت دابةً قط في طلب الحديث، وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألت في حال الطلب أحداً، كنت أعيش على ما يأتي”.

اعتناؤه بولده:

اعتنى محمد بن طاهر المقدسي كثيراً بولده، وأصبح ولده أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر من المشهورين بعلو الإسناد وكثرة السماع، ولم يكن له معرفة بالعلم، لكن كان والده قد أسمعه في صباه من جماعة من العلماء؛ منهم: أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الدوني بالري، وأبو الفتح عبدوس بن عبد الله بهمذان، وأبو عبد الله محمد بن عثمان الكَامَخِيّ، وأبو الحسن مكي بن منصور السَّلَّار، وقدم به بغداد فسمع بها من أبي القاسم علي بن أحمد بن ريان، وغيره.

وسكن بعد وفاة أبيه بهمذان، وكان يقدم بغداد للحج، فحدث بها بأكثر سماعاته، وسمع منه الوزير أبو المظفر يحيى بن هُبَيْرَةَ وغيره، توفي فيها سنة 566هـ.

محمد بن طاهر المقدسي – أقوال العلماء فيه:

قال إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ: “أحفظ من رأيت محمد بن طاهر”.

وقال ابن كثير: “سافر في طلب الحديث إلى بلاد كثيرة، وسمع كثيراً، وكانت له معرفة جيدة بهذه الصناعة، وصنف كتباً مفيدةً؛ غير أنه صنف كتاباً في إباحة السَّماع وفي التصوف، واستعمل فيه أحاديث منكرةً جداً، وأورد أحاديث صحيحة في غير كُنْهِهَا، وقد أثنى على حفظه غير واحد من الأئمة، وذكر ابن الجوزي في كتابه هذا الذي سماه «صفوة التصوف» وقال عنه: يضحك منه من رآه، قال: وكان داودي المذهب، فمن أثنى عليه أثنى لأجل حفظه للحديث، وإلا فما يُجرَّح به أولى”.

الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال الحافظ ابن ناصر الدين: “كان حافظاً، مكثراً، جوَّالاً في البلاد، كثيرَ الكتابة، جيدَ المعرفة، ثقةً في نفسه، حسنَ الانتقاد، ولولا ما ذهب إليه من إباحة السماع لا نعقد على ثقته الإجماع”.

وقال الذهبي: “كتب ما لا يُوصَف كثرةً بخطه السريع، القوي الرفيع، وصنف وجمع، وبرع في هذا الشأن، وعُنِيَ به أتم عناية، وغيرُه أكثر إتقاناً وتحرياً منه”.

وقال أبو زكريا يحيى بن مَنْدَه: “كان ابن طاهر أحد الحفاظ، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، صدوقاً، عالماً بالصحيح والسقيم، كثير التصانيف، لاًزما للأثر”.

مآخذ العلماء عليه:

ذكره الدَّقَّاق في «رسالته»، فحط عليه، فقال: “كان صوفياً مَلاَمتيّاً، سكن الري، ثم هَمَذَان، له كتاب «صفوة التصوف»، وله أدنى معرفة بالحديث في باب شيوخ البخاري ومسلم وغيرهما”.

ولكن رد على هذا الادعاء الإمام الذهبي بعبارات جميلة، حيث قال: “قلت: يا ذا الرجل، أَقْصِرْ، فابن طاهر أحفظ منك بكثير … وذُكِرَ لي عنه الإباحة. قلت: ما تعني بالإباحة؟ إن أردت بها الإباحة المطلقة، فحاشا ابن طاهر، هو -والله- مسلم أثري، مُعظِّم لحرمات الدين، وإن أخطأ أو شذ، وإن عَنِيتَ إباحةً خاصةً، كإباحة السماع، وإباحة النظر إلى المُرْدِ، فهذه معصية، وقول للظاهرية بإباحتها مرجوح”.

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

محمد بن طاهر المقدسي –كتبه ومصنفاته:

  1. أطراف الكتب الستة: والكتب الستة هي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه.
  2. أطراف الغرائب والأفراد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام الدارقطني.
  3. الأنساب المتفقة في الخط المتماثلة في النقط والضبط: في جزء لطيف، وهو الذي ذيله الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر الأصبهاني.
  4. إيضاح الإشكال فيمن أُبهِمَ اسمه من النساء والرجال.
  5. الجمع بين كتابي أبي نصر الكلاباذي وأبي بكر الأصبهاني في رجال الصحيحين.
  6. صفوة التصوف.
  7. تاريخ أهل الشام ومعرفة الأئمة منهم والأعلام.
  8. معجم البلاد.
  9. تذكرة الموضوعات.

وفاته:

توفي محمد بن طاهر المقدسي في بغداد عند قدومه من الحج آخر حجاته، يوم الجمعة، 28 ربيع الأول، سنة 507هـ، وقد عاش 60 سنة، ودُفِنَ في المقبرة العتيقة بالجانب الغربي، وقيل: توفي يوم الخميس، 20 ربيع الأول. ولما احتُضِرَ جعل يُردد هذا البيت:

وَمَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ الْجَفَــا ..

فَمِمَّـنْ تُــرَى قَـدْ تَعَلَّمْتُمُ

صفحتان من القرآن الكريم تم خطهما في بغداد بعد سنوات من وفاة عالمنا في مدينة دار السلام – متحف الميتروبوليتان

المصادر:

  • الأعلام (6/171).
  • البداية والنهاية (16/222).
  • سير أعلام النبلاء (19/361/رقم 213).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (6/30).
  • العبر في خبر من غبر (2/390).
  • وفيات الأعيان (4/287/رقم 619).

https://www.freepik.com/free-photo/muslim-boy-learning-how-make-dua-allah_2895105.htm#page=1&query=muslim%20man&position=6

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى