أعلامانفوجرافيكس

محمد بن سيرين .. رائد مفسري الأحلام

أثنى عددٌ من الفقهاء والأئمة على علمه وحفظه للحديث النبوي

هو محدثٌ فقيه، وإمامٌ غزير العلم، علاَّمة في تفسير الأحلام وتأويل الرّؤى ؛ هو محمد بن سيرين ، رائد مفسري الأحلام في العالمين العربي الإسلامي.

من هو ابن سيرين ؟

هو محمد بن سیرین البصري، الأنصاري بالولاء، يكنى بأبي بكر، إمام وقته في علوم الدين بالبصرة، ولِد في فترة خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، سنة 653 م بسبي ميسان (العراق)، ويقال: بسبي عين التمر.

 وكان أبوه سيرين من أهل جرجرایا، كنيته أبو عمرة، وكان يعمل قدور النحاس، وهو ممن سباهم الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه، أما أمه؛ فكانت صفية مولاة لأبي بكر الصديق – رضي الله عنه – طيّبها ثلاث من أزواج رسول الله ودعون لها.

الصناعات اليدوية النحاسية متجذرة في العراق – بغداد عام 1932 م – مكتبة الكونغرس

وقد تحدث ابن خلكان (1211-1282 م) في الجزء الرابع من مؤلفه الشهير “وفيات الأعيان وأبناء أبناء الزمان” عن سيرين والد محمد، حيث قال: “إنه كان عبداً لأنس بن مالك رضي الله عنه” ، إذ كاتبهُ على أربعين ألف درهم، وقيل عشرين ألفاً، وأدّى المكاتبة.

عِلمه وأقوال العلماء فيه:

كان ابن سیرین أحد أبرز فقهاء البصرة، وصاحب ورع، وإمام وقته في كثير من العلوم وخاصة الدينية منها، حيث تفقه وروى الحديث عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما وغيرهما، وروى عنه قتادة بن دعامة وأيوب السختياني وغيرهم من الأئمة.

سمع ابن سيرين العلم وتلقّاه عن عددٍ من الصحابة، منهم: أبي هريرة، وعبد الله بن عباس، وعمران بن حصين، وعدي بن حاتم، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وغيرهم الكثير.

 كما كان ابن سيرين معلّماً لعددٍ من طلاب العلم، منهم: يونس بن عبيد، وهشام بن حسان، وجرير بن حازم وغيرهم.

 وأثنى عددٌ من الفقهاء والأئمة على علم ابن سيرين وحفظه للحديث النبوي، كما  روى عن الرسول عليه الصلاة والسلام بالحرف وليس بالمعنى، إذ عُرف بشدّة الورع والصدق.

فقال فيه الإمام مالك بن أنس : “ما رأيتُ أشبهَ بأهل المدينة من ابن سيرين”، وأهل المدينة أرقُّ النَّاسِ أدباً، وأحلاهُم طَرَباً، وأبرعهم شِيماً، وأطبعهم كرماً.

وقال الفقيه التابعي الشعبي (641-723 م) عنه: “عليكم بذلك الرجل الأصم” – يعني ابن سیرین -، لأنه كان في أذنه صمم، وكانت له اليد الطولى في تعبير الرؤيا، حيث ينسب إليه كتاب تعبير الرؤيا، الذي ذكره ابن النديم، لكن هذا الأمر غير مؤكد.

والتابعي البصري مورق العجلي قال عنه أيضاً : “ما رأيت رجلا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين”.

كذلك قال رواية العرب الأصمعي (740 -831 م): “الحسن البصري سيد سمح ، كان صديقا مقربا لابن سيرين، وإذا حدّث الأصم بشيء –يعني ابن سيرين- فاشدد يديك.

الأصمعي إمام اللغة، كان من أعظم أئمة العلم في العصر العباسي، ومن أوثق الناس في اللغة وأسرعهم جواباً، وكان لا يُفسر شعراً فيه هجاء، وكان ثقة عند أصحاب الحديث
الأصمعي إمام اللغة، كان من أعظم أئمة العلم في العصر العباسي، ومن أوثق الناس في اللغة وأسرعهم جواباً، وكان لا يُفسر شعراً فيه هجاء، وكان ثقة عند أصحاب الحديث

تفسير الرؤى والأحلام:

اُشتُهِر ابن سيرين بعلم تفسير الأحلام، إذ كان خبيرا في هذا المجال، ومن الأمثلة على ذلك:

  • جاءه رجل فقال له: “رأيت كأنَّ حمامةً التقمت لؤلؤة، فخرجت منها أعظم ما كانت، ورأيت حمامةً أخرى التقمت لؤلؤةً فخرجت أصغر ممَّا دخلت، ورأيت أخرى التقمت لؤلؤةً فخرجت كما دخلت. فقال ابن سيرين: أمَّا الأولى فذاك الحسن، يسمع الحديث فيجوده بمنطقه، ويصل فيه من مواعظه. وأمَّا التي صغرت فأنا، أسمع الحديث فأسقط منه. وأمَّا التي خرجت كما دخلت فقتادة، فهو أحفظ الناس”.
  • قال ابن سيرين: الكلبُ في النوم رجلٌ فاحش، فإن كان أسودَ؛ فهو عربيٌّ، وإن كانَ أبقَعَ؛ فهو عجَميّ.
  • جاء رجل لابن سيرين ومعه جراب فقال له: “رأيتُ في النوم كأني أسد الزقاق سداً وثيقاً شديداً”، فقال له: أنتَ رأيتَ هذا؟ قال : نعم، فقال لمن حضره: “ينبغي أن يكون هذا الرجل يخنق الصبيان، وربما تكون في الجراب آلة الخنق”، فوثبوا عليه وفتشوا الجراب فوجدوا فيه أوتاراً وحلقاً، فسلَّموه للسلطان.
  • جاءه رجل فقال لابن سيرين: “رأيتُ كأني آخذ البيض وأقشِّره فآكل بياضه، وألقي صفاره”، فقال: إن صدق منامك؛ فأنت نبَّاش الموتى، فكان كذلك.
  • جاءت امراة لابن سيرين وهو يتغدَّى، فقالت له: رأيتُ في النوم كأن القمر دخل في الثُريَّا، ونادى منادٍ من خلق أن ائتني ابن سيرين فقصَّ عليه، فتقلَّصت يده، وقال: ويلك كيف رأيتي هذا؟، فأعادت عليه، فقال لأخته: هذه تزعم أني أموت لسبعة أيام وأمسك يده على فؤاده وقام يتوجَّع ومات بعد سبعة أيام.
حظي ابن سيرين بقدرات عالية على تفسير الرؤى في المنام
حظي بقدرات عالية على تفسير الرؤى في المنام

محمد بن سيرين – أخلاقـــه:

تفقه ابن سيرين في الدين، وحفظ القرآن الكريم، وروى الحديث واشتهر بالصلاح والتقوى والصورة المثلى للمسلم المثقف المتفقه في أمور دينه وحياته.

وقد كان ابن سیرین من أعلام التابعين وإماماً من أئمة الزهد والورع.

ومن أخلاقيات هذا العالم المتأمل في أحوال الدنيا أنه التزم بأخلاقيات سامية، فقد تعهد أنه كلما اغتاب فردا أن يقوم ويتصدق بدينار على الفقراء. وكان كلما مدح أحد قال : “هؤلاء كما يشاء الله”، وإذا ذمه قال : “هو كما يعلم الله”.

وكان ابن سيرين مقرباً لأنس بن مالك الابن، وقد عمل ككاتب له بفارس، ويقول ابن عوف: لما مات أنس بن مالك أوصى أن يصلي عليه ابن سیرین ويغسله، قال : وكان ابن سیرین محبوسا، فأتوا الأمير فأذن له، فخرج فغسله وكفنه وصلى عليه في قصر أنس بالطَّف، ثم رجع فدخل كما هو إلى السجن، ولم يذهب إلى أهله.

نوادره:-

  • قيل لابن سيرين: إن قوماً يرون إن إنشاد الشِّعر ينقضُ الوضوء، فقال:

نُبِّئتُ أن فتاةً كُنــــــــــتُ أخطبهـــــــا .. عرقوبُها مثلُ شَهرِ الصَّومِ في الطُّولِ

ثم قال: اللهُ أكبر ودَخَلَ في الصَّلاة.

  • وسُئِلَ عن ذلكَ مرةً أُخرى، وقد استفتَحَ الصلاة، فأنشَدَ للأعشى.

وتســـــــــــــخن ليـــــــــــــــــــــــــلة .. لا يستطيع نباحاً بها الكلبُ إلَّا هريــرا

وتبــــــــــرد بـــرد رداء العـــــــرو .. س بالصَّيفِ رقرقَت فيه العبيرا

ثُمَّ كبَّر وصلَّى.

مؤلفاتـــه ابن سيرين:-

من أهم مؤلفات محمد بن سیرین کتابه في تفسير الأحلام ؛ المعروف بـ”تعبير الرؤيا”، ويحتوي الكتاب على عدة أبواب في آداب المعبر وتمييز الرؤيا ومعرفة أصولها، وباب في تأويل رؤية الله تبارك وتعالى، و باب في رؤية الملائكة والأنبياء والصالحين والكعبة والأذان والصلاة والحج، ثم باب في تفسير رؤية صورة الناس وحفظ الله لمن تلاها في المنام من الكوارث والمصائب.

كتاب محمد بن سيرين
الصفحة الأولى من كتابه ( نسخة تعود إلى العام 1720 م)

ويشكك البعض في نسب هذا الكتاب لابن سيرين، إذ يحيله بعضهم إلى الفقيه الشافعي عبد الملك النيسابوري المتوفى سنة 407 هجرية.

كذلك لابن سيرين تصانيف أخرى عديدة، تنتمي جلها إلى مجال التفسير، مثل كتاب “منتخب الكلام في تفسير الأحلام”.

كتاب ابن سيرين يتحدث عن تفسير مختلف الرؤى
كتابه يتحدث عن تفسير مختلف الرؤى

وفاة ابن سيرين:

توفي في تاسع شوال يوم الجمعة سنة 110هـ /729م  بالبصرة، بعد وفاة رفيقه الإمام الحسن البصري بمائة يوم.

وكان محمد بن سيرين صاحباً للبصري، ثم تهاجراً في آخر الأمر، فلمّا مات الحسن؛ لم يشهد ابن سيرين جنازته، لكنهما اجتمعا سوياً من جديد وذلك حينما تم دفنهما بجوار بعضهما.

وقيل: إن ابن سيرين قبل وفاتهما؛ رأى الجوزاء قد تقدَّمت على الثُريَّا فجعل يوصي، وقال:” يموت الحسن وأموت بعده، وهو أشرف مني”، فمات الحسن، ولحقه ابن سيرين بنحو مئة يوم.

مرقد الحسن البصري
مرقد الحسن البصري في خمسينيات القرن الماضي

نقل ابن خلكان في “وفيات الأعيان” أن ابن سيرين عمل بزّازاً ، وحُبِس بديّنٍ كان عليه، وولد له ثلاثون ولداً من امرأة واحدة عربية، ولم يبق منهم سوى عبد الله، ولمّا مات كان عليه ثلاثون ألف درهم ديّناً قضاها ولده الوحيد، فما مات عبد الله حتّى ترك خلفه مال يقدر بنحو ثلاثمائة ألف درهم.

المصادر:

علي عبد الفتاح، أعلام المبدعين من علماء العرب والمسلمين، دار ابن حزم.

موسوعة طرائف ونوادر العرب.

محمد بن سيرين ، تفسير الأحلام الكبير، ضبط وتصحيح محمد حسين سيف الدين، دار الكتب العلمية.

ابن خلكان، “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان”، المجلد الرابع.

جمع الجواهر في المِلَح والنَّوادر لأبي إسحاق الحصري القيرواني.

http://search.wellcomelibrary.org/iii/encore/search/C__Sdigarabic__Ff%3Afacetlocations%3Aelro%3Aelro%3AOnline%3A%3A__Orightresult__U__X0?lang=eng&suite=cobalt

Image by Olya Adamovich from Pixabay

Woman photo created by freepik – www.freepik.com

https://pixabay.com/photos/fantasy-landscape-fantasy-landscape-4073144/

الوسوم

Amina

آمنة شاهدي، من مواليد سنة 1996، مغربيةُ الجنسيةِ؛ كاتبة محتوى عربي وأجنبي، حاصلة على شهادتيّ البكالوليوس في الفلسفة، والماجستير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، مهتمةٌ بالقضايا الفكريةِ والفلسفيةِ وكلّ ما يتعلق بالآدابِ والفنون، قديمها وحديثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق