أعلام

محمد بن جرير الطبري .. المفسر والمؤرخ كثير الترحال

قال ابن خُزَيْمَة: "ما أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة"

محمد بن جرير الطبري:-

محمد بن جرير بن يزيد بن خالد، الشهير باسم أبو جعفر الطبري، المفسر المؤرِّخ، وُلِدَ بآمُل طَبَرِسْتَان سنة 224هـ، واستوطن بغداد وتوفي بها.
كان أبو جعفر الطبري أسمرَ، نحيفَ الجسم، فصيحاً، متَّسماً بالزهد والقناعة، وهو خال محمد بن العباس أبي بكر الخوارزمي الشاعر صاحب «الرسائل» المعروفة برسائل الخوارزمي.

كُنِّيَ الطبري بأبي جعفر، وعُرِف بذلك، وقد اتفق المؤرخون على أنه لم يكن لديه ولدٌ اسمه جعفر، ذلك لأنه لم يتزوج أصلاً، وإنما تكنَّى به التزاماً بآداب الشرع وسُنة الرسول الكريم بإطلاق الكنية على أصحابه، وترغيب المسلمين باتخاذ الكُنية للصبي حتى قبل أن يولد للرجل، على ما جاء في كتاب الدكتور محمود الزحيلي الذي ترجم فيه للطبري.

أبو جعفر الطبري – نسبه:-

لا يوجد خلاف على انتساب الطبري إلى طبرستان، الولاية الكبيرة والناحية الواسعة الأرجاء الواقعة بين جُرجان والديلم على بحر قزوين من بلاد فارس، لكن بعض العلماء يرون أن عالمنا ينتسب إلى العنصر العربي.

طبرستان التي ينتمي إليها الطبري

المستشرق بروكلمان يؤكد انتساب الطبري إلى العنصر العجمي، ولكن هذا لم يعد أمراً مهماً في ظل اختلاط العرب بسواهم منذ العهد الأموي، حيث سَكَنَ كثيرٌ من القبائل العربية في طبرستان وخراسان ونيسابور، فقد كانت أسر الجيوش الإسلامية التي غلب عليها العنصر العربي آنذاك؛ تستقر قريباً من الثغور وأطراف الدولة وذلك للوقوف في وجه الأعداء.

عموماً، فقد جاء الإسلام ليؤكد أن الناس سواسية بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم.

ومع ذلك؛ يعتبر الطبري عربي العقيدة والإيمان، وعربي اللسان والثقافة، حيث صنَّف جميع كتبه بالعربية، ما يدل على عظمة الإسلام في توحيد أبنائه وشعوبه في وشائج متعددة، وتوحيدهم لخدمة الإسلام والإنسانية، وجعل العربية لغةً عالميةً ولغةَ العلم والثقافة والتعارف بين الشعوب (الزحيلي).

مكانة الإمام الطبري العلمية:-

طلب محمد بن جرير الطبري العلم بعد سنة 240هـ، وأكثر الترحال، ولقي نبلاء الرجال، وكان من أكثر أفراد الدهر علماً وذكاءً، وكثرة تصانيف، وأصبح إماماً في فنون كثيرة؛ منها: التفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، وغير ذلك، وكان مجتهداً في أحكام الدين لا يقلد أحداً، بل قلده بعض الناس وعملوا بأقواله وآرائه، وكان ثقة في نقله، وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها، وهو من ثقات المؤرخين، وعرض عليه القضاء فامتنع، والمظالم فأبى.

بغداد التي كان موئلاً للعلماء والتي عاش فيها الطبري شطراً مهماً من حياته

حدث خلاف بين الطبري وابن أبي داود وكان كلٌّ منهما لا يُنصِف الآخر، وكانت الحنابلة تقف إلى صف أبي بكر بن أبي داود، وتعصًّبوا على ابن جرير، وناله أذى، فلزم بعد ذلك بيته.

له شعر منه هذه الأبيات:

إِذَا أَعْـسَرْتُ لَمْ يَعْلَمْ رَفِيْقِي.. وَأَسْـتَغْنِي فَيَسْـتَغْنِي صَدِيْـقِي

حَيَائِي حَافِظٌ لِي مَاءَ وَجْهِي.. وَرِفْــقِي فِي مُــطَالَبَتِي رَفِــيْقِي

وَلَوْ أَنِّي سَمَحْتُ بِمَاءِ وَجْهِي.. لكُنْتُ إِلَى العُلَى سَهْلَ الطَّرِيْقِ

أقوال العلماء في الطبري:-

  • قال ابن خُزَيْمَة عن محمد بن جرير الطبري : “ما أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة”.
  • قال الخطيب البغدادي: “كان أحد أئمة العلماء، يُحكَم بقوله، ويُرجَع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظاً لكتاب الله، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم”.
  • قال الحافظ أبو بكر الخطيب: “كان ابن جرير أحد الأئمة يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، جَمَعَ من العُلوم ما لم يُشاركه فيه أحدٌ من عصره، فكان حافظاً لكتاب الله، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسُّنَن وطُرُقُها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصَّحابة والتَّابعين، بصيراً بأيَّام النَّاس وأخبارهم، له الكِتاب المشهور في تاريخ الأمم، وكتاب التَّفسير الذي لم يُصنَّف مثله، وكتاب تهذيب الآثار الذي لم أرَ مثلَه في معناه، لكنَّه لم يُتمَّه، وله في الأصول والفروع كتُب كثيرة، واختيارٌ من أقاويل الفُقَهاء، وتفرَّد بمسائل حُفِظَت عنه”.
  • قال صاحبه أبو محمد الفرغاني: ” حَسَبَ تلامذته ما صنَّف، وبسطوه على عُمره منذُ احتَلَم إلى أن مات، فصار لكلِّ يوم أربع عشرة ورقة”.
  • وأضاف الفرغاني ” وكان ابن جرير ممَّن لا تأخذه في الله لومة لائم، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشَّفاعات من جاهلٍ وحاسدٍ ومُلحِد؛ فأمَّا أهلُ الدِّين والعلم؛ فغير منكِرين علمه وزُهده في الدُّنيا ورفضه لها، وقناعته بما كان يرِدُ عليه من حصَّةٍ خلَّفها له أبوه بطبرستان يسيرة”.

شهادات أخرى بحق الطبري:-

  • قال عنه جمال الدين القفطي : “العالِم الكامل، الفقيه، المقرئ، النحوي، اللغوي، الحافظ، الإخباري، جامع العلوم، لم يُرَ في فنوه مثله… وصنَّف التصانيف الكبار”.
  • قال الإمام الذهبي: “كان ثقةً، صادقاً، حافظاً، رأساً في التفسير، إماماً في الفقه، والإجماع والاختلاف، علَّامةً في التاريخ وأيام الناس، عارفاً بالقراءات وباللغة، وغير ذلك”.
  • قال ابن الأثير: “أبو جعفر أوثق من نقل التاريخ، وفي تفسيره ما يدل على علم غزير وتحقيق”.
  • قال أبو حامد الإِسْفَرَايِيْنِيُّ: “لو سافر رجل إلى الصين، حتى يُحصِّلَ تفسير محمد بن جرير، لم يكن كثيراً”.
  • قال عنه ابن كثير: ” وكان أحد أئمة الإسلام عِلماً وعملاً بكتاب الله وسُنة رسوله”.
  • قال عنه ابن سُرَيج : “محمد بن جرير الطبري فقيهُ العالم”.
  • أما ابن تغري بردي ؛ فقد قال عن الطبري: “وهو أحد أئمة العلم، يُحكَم بقوله، ويُرجع إلى رأيه، وكان متفنناً في علومٍ كثيرة، وكان واحدَ عصرِه.

إذا استعرضنا تاريخ الطبري المُسمَّى “تاريخ الأُمَم والمُلوك”؛ نستطيع أن نتعرَّف منهُ رُواةَ الأخبار لكُلِّ أُمَّة مِمَنْ كانوا الطَّبَقَةِ الأولى، ومَنْ كانوا الطَّبَقَة الثانية، وهكذا حتى وصَلَتَ إليه، فهُوَ ينقُلُ عن وهْب بِن مُنَبِّه كثيراً في أخبارِ خلْق العالَم وما إليه، كما ينقُل عن ابن جُرَيْج الرُّومي كثيراً من ذَلِك ومن أخبارِ النَّصْرَانِيَّة، ونَجِدُ كثيراً في رُوَاتِه مَنْ كانوا من أصلٍ يهوديٍّ أو نصرانيٍّ كعبد الرحمن ابن دَانيل وأسباط، وفي بعضِ المواضِعْ تَكَادُ تكونُ سِلسِلَة الرُّواية واحِدَة “عمرو عن أسْبَاط عن السُّدِّي” إلخ.، ويقولُ في تاريخِ الفُرْس: “ذَكَرَ العُلَمَاءُ بأخبارِ الأُمَمْ السَّالِفَة مِنْ العَرَب والعَجَمْ كذا”.. إلخ.

— أحمد أمين، “ضُحَى الإسلام”.

العلم على حساب الزواج:-

لم تأتِ المصادر على ذكر أسباب امتناع الطبري عن الزواج، لكن يبدو أنه كان متفرغاً لطلب العلم، منكباً على تحصيله، حيث رحل عشرات المرات في سبيله، ممضياً معظم فترة شبابه بالسفر والترحال والانتقال من بلد إلى آخر، ولم يستقر في مسقط رأسه، ومن ثم في بغداد إلا بعد الكهولة.

وثبُتَ أيضاً أنه كان قليل المال في معظم فترات حياته، حيث كان يوفره ليستطيع متابعة الرحلة والسفر ونسخ الكتب وشرائها.

ترك إرثاً علمياً كبيراً

وبحسب ما أروده الدكتور محمود الزحيلي؛ فإن الطبري كان يعتمد في ذلك على والده أولاً، ثم على ريع أملاكه التي ورثها عن أبيه، ثم لمَّا استقر في الإقامة، وبلغ ما بلغ من مكانة في العلم الحياة؛ كان زاهداً بالمال، لا يكترث لجمعه، حيث بقي منقطعاً للعلم والتأليف والتصنيف والتدريس.

وقد وصف مَسلمة بن قاسم أبا جعفر الطبري، فقال: “كان حصوراً لا يعرف النساء، شغله الشاغل، طلبُ العلم، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ولم يزل طالباً للعلم، مولعاً به إلى أن مات”.

كتب إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري:-

  1. أخبار الرسل والملوك.، وهو تاريخ الطبري .
  2. جامع البيان في تفسير القرآن، يعرف بتفسير الطبري.
  3. اختلاف الفقهاء.
  4. المسترشد، في علوم الدين.
  5. جزء في الاعتقاد.
  6. القراءات.
  7. تهذيب الآثار .

وفاته:-

توفي الإمام أبو جعفر الطبري في بغداد، يوم السبت، 26 شوال، سنة 310هـ.

وقد بارك الله في حياة الطبري، فعاش ستة وثمانين عاماً في سبيل العلم ونشره، وتضاعفت هذه الأعوام بما لا يعلمه إلا الله، لتبقى ذكراه خالدة في التاريخ، واسمه يتردد على الألسنة، وكتبه تنتقل من جيل إلى آخر، وعلمه ينتفع به الناس إلى يوم الدين (الزحيلي).

قال ابن كثير: “ولمَّا توفي اجتمع الناس من سائر أقطار بغداد: وصلُّوا عليه بداره، ودُفِن بها، ومكث الناس يترددون إلى قبره يُصلُّون عليه”.

وقد تأثر الناس كثيراً على وفاة الطبري، إذ تألموا لفقده، ورثاه عدد من الخطباء والأدباء والشعراء وأهل العلم التي تعبِّر عن حجم التقدير الذي حظي به الطبري وأعماله الخالدة.

قال ابن الأعرابي في نعي الطبري:

حَدَثٌ مُفظعٌ وخَطبٌ جليلٌ.. دَقَّ عن مثلهِ اصطبارُ الصبور

قامَ ناعي العُلومِ أجمعَ لمَّا.. قام ناعي محمد بن جريرِ

يا أبا جعفرٍ مَضَيتَ حَميداً.. غيرَ وانٍ في الجدِّ والتَشميرِ

ترجمة بلعمي الفارسية لـ”تاريخ” الطبري

المصادر:

  • الأعلام (6/69).
  • سير أعلام النبلاء (14/267/رقم 175).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (4/53).
  • العبر في تاريخ من غبر (1/460).
  • وفيات الأعيان (4/191/رقم 570).
  • الإمام الطبري، شيخ المفسرين وعمدة المؤرخين ومقدم الفقهاء المحدثين صاحب المذهب الجريري، محمد الزحيلي.
  • ضُحَى الإسلام، أحمد أمين.
  • طبقات الشافعية – ابن كثير.
  • المكتبة الرقمية العالمية.
  • Photo by Mojtaba Hoseini on Unsplash

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى