أعلام

محمد بن الحسن الشيباني .. فقيه عصره

كان هارون الرشيد قد ولاه قضاء الرَّقَّة، ثم عزله عنها، وقدم بغداد

محمد بن الحسن الشيباني:-

محمد بن الحسن بن فَرْقَد، أبو عبد الله الشيباني، قاضي القضاة وفقيه العصر، صاحب أبي حنيفة، أصله من حَرَسْتَا التي تقع وسط غوطة دمشق.
قدم أبوه من الشام إلى العراق، وأقام بواسط فولد له بها محمد سنة 135هـ، وقيل سنة 131هـ، وقيل سنة 132هـ، ونشأ بالكوفة، والإمام محمد بن الحسن الشيباني هو ابن خالة الفرَّاء صاحب النحو واللغة.

مشهد من الكوفة يعود إلى العام 1932 م
مشهد من الكوفة يعود إلى العام 1932 م

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:-

طلب الحديث، ولقي جماعة من أعلام الأئمة، سمع أبا حنيفة وحضر مجلسه سنتين، وأخذ عنه بعض الفقه، ثم تفقه على أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب أبي حنيفة، وأتم على يديه علم الفقه، وكان من أذكياء العالم.
روى عن: أبي حنيفة، ومالك بن مِغْوَل، والأوزاعي، ولزم الإمام مالك بن أنس ثلاث سنوات، وأخذ عنه سبعمائة حديث، وأخذ عنه الإمام الشافعي، وأبو عُبَيد، وغيرهما. وقام الإمام محمد بن الحسن الشيباني بنشر علم أبي حنيفة ومذهبه في الفقه، وكان من أفصح الناس، وكان إذا تكلم خُيِّلَ لسامعه أن القرآن الكريم نزل بلغته.

كان من أهل الرأي، وغلب عليه، وعُرِفَ به، ونعته الخطيب البغدادي بإمام أهل الرأي، قال عن نفسه: “خلَّف أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت نصفها على النحو بالري، وأنفقت الباقي على الفقه”.

توليه القضاء:-

كان الخليفة العباسي هارون الرشيد قد ولاه قضاء الرَّقَّة، ثم عزله عنها، وقدم بغداد.

الرحالة المقدسي يصف مآثر مدينة الرقّة التي سبق أن تولى القضاء فيها الإمام محمد بن الحسن الشيباني بأمر من الخليفة العباسي هارون الرشيد.
الرحالة المقدسي يصف مآثر مدينة الرقّة.

جماله:-

كان محمد بن الحسن الشيباني من أجمل الناس وأحسنهم، قال أبو حنيفة لوالده حين حمله إليه: “احلق شعر ولدك وألبسه الخُلْقَان -الثياب البالية- من الثياب؛ لا يفتتن به من رآه”. قال محمد: “فحلق والدي شعري، وألبسني الخُلْقَان، فزدت عند الخَلْقِ جمالاً”.

وقال الشافعي: “أول ما رأيت محمداً وقد اجتمع الناس عليه، فنظرت إليه فكان من أحسن الناس وجهاً، ثم نظرت إلى جبينه فكأنه عاج، ثم نظرت إلى لباسه فكان من أحسن الناس لباساً، ثم سألته عن مسألة فيها خلاف فقوَّى مذهبه ومرَّ فيها كالسهم”.

أقوال العلماء فيه:-

لما دخل الإمام الشافعي رضي الله عنه بغداد كان بها، وجرى بينهما مجالس ومسائل بحضرة هارون الرشيد، وقال الشافعي: “ما رأيت أحداً يسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت الكراهة في وجهه، إلا محمد بن الحسن”، وقال أيضاً: “حملت من علم محمد بن الحسن وقر بعير”.

وقال الربيع بن سليمان المرادي: “كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن الشيباني وقد طلب منه كتباً له لينسخها، فتأخرت عنه:

قُل للَّذي لَم تَرَ عيْـ..ـنُ مَــنْ رآهُ مِثلَــهُ

حتَّى كـــأنَّ مَــنْ رآ..هُ قَدْ رَأى مَنْ قَبلَهُ

العِلـمُ يَنْهى أهلَــهُ .. أَنْ يَمنَعــوهُ أهلَـهُ

لَعَلَّــــه يَبذُلُــــــــهُ .. لِأَهْلِــــهِ لَعَلَّـــــــهُ

فأنفذ إليه الكتب من وقته”.
وروي عن الشافعي أنه قال: “ما رأيت سميناً ذكياً إلا محمد ابن الحسن”.

وقال أبو عبيد: “قدمت على محمد بن الحسن فرأيت الشافعي عنده، فسأله عن شيء فأجابه، فاستحسن الجواب، فكتبه، فرآه محمد، فوهب له دراهم وقال له: الزم إن كنت تشتهي العلم، فسمعت الشافعي يقول: لقد كتبت عن محمد وقر بعير ذكر؛ لأنه يحمل الكثير، ولولاه ما انفتق لي من العلم ما انفتق”.

وقال الذهبي: “كان مع تبحره في الفقه، يُضرَب بذكائه المثل”.

بره للإمام الشافعي:-

رغم أن الإمام محمد بن الحسن الشيباني كان حنفي المذهب إلا أنه كان كثير البر بالإمام الشافعي في قضاء ديونه، والإنفاق عليه من ماله، وإعارة الكتب، حتى يقال: إنه دفع له حمل بعير كتباً.

الإمام الشافعي - أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة
الإمام الشافعي – أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة

مروياته ونوادره:-

حكى محمد بن الحسن قال: أتوا أبا حنيفة في امرأة ماتت وفي جوفها ولد يتحرك، فأمرهم فشقوا جوفها واستخرجوا الولد وكان غلاماً، فعاش حتى طلب العلم وكان يتردد إلى مجلس محمد بن الحسن، وسُمِّيَ ابن أبي حنيفة.

الصاحبان:- مصطلح عند الحنفية أُطلِق على صاحِبَي الإمام أبي حنيفة وتلميذَيْه محمد بن الحسن الشيباني وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم.

كتب الإمام محمد بن الحسن الشيباني:-

صنف الكتب الكثيرة النادرة، وكتبه في المذهب الحنفي تسمى ظاهر الرواية؛ وهي:

  1. الجامع الكبير.
  2. الجامع الصغير.
  3. السير الكبير.
  4. السير الصغير.
  5. المبسوط: في فروع الفقه.
  6. الزيادات.

وله في مصنفاته المسائل المشكلة خصوصاً المتعلقة بالعربية.

وفاة محمد بن الحسن الشيباني:-

بقي الإمام محمد بن الحسن الشيباني ملازماً للخليفة هارون الرشيد حتى خرج إلى الرَّيِّ خرجته الأولى، فخرج معه، ومات برَنْبَوَيْهِ قرية من قرى الرَّيِّ، وذلك سنة 189هـ.

قال السمعاني: مات محمد بن الحسن والكسائي في يوم واحد بالري، رحمها الله تعالى، وقيل: إن الرشيد كان يقول: دفنت الفقه والعربية بالري.


المصادر:

  • الأعلام للزركلي (6/80).
  • سير أعلام النبلاء (9/134/رقم 45).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (2/407).
  • العبر في خبر من غبر (1/234).
  • وفيات الأعيان (4/184/رقم 567).
Image by Musthaq Nazeer from Pixabay 
Image by Henri Van Ham from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى