أعلام

محمد الطاهر بن عاشور .. المفسر الأصولي الأديب

اكتسب قلماً يصول ويجول بين التأليفات والتحقيقات والتعليقات والتخريجات والشروح

الشيخ محمد الطاهر بن عاشور:-

هو الشيخ العلامة المحدث الفقيه الأريب، المسند المفسر الأصولي الأديب، أبو المكارم محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور السلوي التونسي، وتنحدر أسرته من أصول أندلسية وهي الأسرة العاشورية التي انتقلت مهاجرة إلى مدينة سلا المغربية العريقة (سنة 1030 هـ/1620م) ثم رحلت إلى تونس (سنة 1060هـ/1648م) لتستقر بها.

ولهذا قال الشيخ الحافظ محمد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني: “صديقنا قاضي تونس العلامة الشيخ محمد طاهر بن محمد بن عاشور السلوي أصلاً التونسي داراً”، ولد بقصر جده للأم العلامة الوزير محمد العزيز بن محمد الحبيب بوعتور في بلدة في بلدة المرسى في الضاحية الشمالية لتونس العاصمة سنة (1296هـ) الموافقة لـ (1879م).

نشأته:-

ترعرع الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى في أحضان أسرة علمية عريقة، ونشأ في رعاية جده لأمه الوزير الذي ساهم في بناء شخصية ابن عاشور العلمية والاجتماعية والسياسية ليكون خير خلف له.

تونس بنهاية القرن التاسع عشر
تونس بنهاية القرن التاسع عشر

وبعد ما حفظ كتاب الله العزيز، التحق الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وهو في سن الرابعة عشرة بجامع الزيتونة المعمور سنة (1310هـ/1892م)، ثم “أحرز شهادة التطويع سنة (1317هـ/1896م)، وشارك في مناظرة التدريس من الرتبة الثانية، وكان موضوع الدرس في بيع الخيار واجتازها بنجاح سنة (1320هـ/1899م)، وخطة التدريس بالمدرسة الصادقية”.

وقد نهل منه نصيباً وافراً من المعارف فحفظ كثيراً من المتون، ونبغ في شتى الفنون، الشرعية، واللغوية، والأدبية، وغيرها، بل وله معرفة بالطب أيضاً، وقد تعلم الشيخ الطاهر بن عاشور اللغة الفرنسية وصار يتقنها أيما إتقان، فكان بحق آية من آيات الله في الحفظ والفهم والمعرفة.

وقد أهله تكوينه العلمي المتين في شتى العلوم العقلية والنقلية، إلى تولي مناصب علمية وإدارية بارزة كالتدريس بالجامع الأعظم (الزيتونة) والصادقية، وكذلك القضاء، والإفتاء، وعضويات المجامع العلمية (مثل مجمع اللغة العربية بالقاهرة) وغيرها.

شيوخه:-

تتلمذ ابن عاشور على أيدي عدد من أهل الذكر والنبوغ من أكبر علماء عصره، ومن بينهم:

  • الشيخ عبد القادر التميمي، وقد تلقَّى على يديه فن تجويد القرآن الكريم وعِلم القراءات.
  • الشيخ محمد النخلي، درس عليه من كُتُب الوسائل “القَطر”، و “المكودي على الخُلاصة”، و”مقدمة الإعراب” في النحو، و “مختصر السَّعد” في البلاغة، و “التهذيب” في المنطق، و “الورقات” للحطاب في أصول الفقه، وكتاب “التنقيح” في نفس الفن للقرافي، و”ميَّارة على المرشد”، و “كفاية الطَّالب على الرِّسالة” في الفقه، والتي دَرَسَها أيضاً على يدي الشيخ محمد الدِّرعي.
  • الشيخ محمد الصَّالح الشَّريف، والذي قرأ عليه “الأزهرية” و” القطر” لابن هشام و “السُّلَّم” في المنطق، و ” مختصر السَّعد على العقائد النسفية” في علم الكلام، و “التاودي” في الفقه.
  • الشيخ عمر ابن عاشور، وقد دَرَسَ على يديه درس “لامية الأفعال” وشُرُوحها في الصَّرف، و “تعليق الدَّماميني على المغني” لابن هشام في النحو، و” مختصر السَّعد” في البلاغة، وكتاب “الدَّردير” في الفقه، وكتاب “الدُّرة” في علم الفرائض.
  • ومن شيوخه أيضاً؛ محمد النجَّار الشَّريف، ومحمد الطَّاهر جعفر، جمال الدين، محمد الصَّالح الشَّاهِد، سالم بوحاجب، جده محمد العزيز بوعتور.

أبرز الوظائف التي تقلدها ابن عاشور:-

  • تسميته نائباً عن الدولة نظارة جامع الزيتونة سنة (1325هـ/1904م).
  • وفي سنة (1328هـ/ 1911م) عين عضواً بمجلس الأوقاف الأعلى.
  • ثم سمي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور قاضياً مالكياً لجماعة سنة (1331هـ/ 1913م).
  • وفي جمادي الأولى سنة (1351هـ/1932م) تقلد منصب شيخ الإسلام المالكي.
  • ثم تقلد الشيخ منصب عمادة الجامعة الزيتونية إلى حدود سنة (1960م).

مؤلفات الطاهر بن عاشور:-

إن نبوغ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في العلوم الشرعية واللغوية أكسبه قلماً يصول ويجول بين التأليفات والتحقيقات والتعليقات والتخريجات والشروح، حيث كانت تصانيفه جامعة لمختلف العلوم والفنون، ولعل أنفعها وأقربها إلى قلبه ووجدانه “تفسير التحرير والتنوير“، الذي أخذ منه وقتاً وجهداً كبيرين، وقد صنف ابن عاشور عدة مصنفات نذكر منها:

  • مقاصد الشريعة الإسلامية.
  • أصول النظام الاجتماعي في الإسلام.
  • قصة المولد النبوي الشَّريف.
  • أليس الصبح بقريب.
  • كشف المغطى من الألفاظ والمعاني الواقعة في الموطأ.
  • النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح.
  • الوقف وأثره في الإسلام.
  • أصول التقدم في الإسلام.
  • أصول الإنشاء والخطابة.
  • موجز في البلاغة.
  • شرح قصيدة الأعشى في مدح المحلق.
  • شرح ديوان النابغة الذبياني .
  • تحقيق سرقات المتنبي ومشكل معانيه لابن السَرَّاج .
  • جمع وتحقيق وشرح لديوان بشار بن برد.
  • صنف الطاهر بن عاشور كتاب نقد فيه كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق.

ولا تزال عدة مقالات مخطوطة للعلّامة الطاهر بن عاشور لم ينفض عنها الغبار إلى الآن.

تونس في نهاية القرن التاسع عشر – مكتبة الكونغرس

قول العلماء فيه:-

أثنى عدد كبير من العلماء والفقهاء والأدباء على علم وموسوعية وأخلاق وصِدق العلَّامة التونسي ابن عاشور، فيما يلي شهادة بعضهم:

  • قال عنه شيخ الأزهر العلَّامة التونسي محمد الخضر حسين: ” وللأستاذ فصاحة منطق، وبراعة بيان، ويضيف إلى غزارة العلم وقوَّة النَّظر صفاء الذَّوق وسِعة الاطلاع في آداب اللُّغة.. وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم”.
  • قال المُصلح الجزائري العلَّامة محمد البشير الإبراهيمي: “عَلَمٌ من الأعلام الذين يعدهم التاريخ الحاضر من ذخائره، فهو إمام متبحِّر في العلوم الإسلامية، مستقلٌ في الاستدلال، واسع الثَّراء من كُنوزها، فسيح الذَّرع بتحمُّلِها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقرَأَ وأفاد، وتخرَّجَت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي”.
  • وقال عنه الدكتور عبد الرحمن العثيمين : “من أفاضِلِ الرِّجال في عصرنا، أدركتهُ ولم يقدَّر لي رؤيته وهو – بلا شَك- من محاسِن العصر، ونوادر الرِّجال، رئيس المفتين المالكيين في تونس، وشيخ جامعة الزيتونة بها، خلَّفَ مكتبة حافلة بنوادر المخطوطات والمطبوعات، وألَّفَ آثاراً جليلة..”.

وفاته:-

وبعد رحلة حافلة بالعلم والإصلاح والفكر والتجديد والإبداع؛ انتقل الشيخ محمد الطاهر بن عاشور إلى الرفيق الأعلى يوم (13 رجب 1393هـ)، الموافق لـ(12 أغسطس 1973م).

المصادر:-

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ لابن عاشور، مقدمة محقق الكتاب طه بوسريح التونسي.

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى