علماء وفلاسفة

ابن النجار التلمساني .. الإمام في علوم النجامة

ساد أهل زمانه في العلوم المعقولة مع شعر نبيل وكتابة رائقة

ابن النجار التلمساني هو محمد بن يحيى بن علي، ويكنى بأبي عبد الله، من كبار علماء تلمسان (الجزائر) في عصره، كان إماماً في علوم النجامة وأحكامها (علم الفلك).

لقَّبه عبد الرحمن بن خلدون بـ «شيخ التعاليم»، أما يحيى بن خلدون فوصفه بأنه: «الفقيه التعاليمي نخبة وقته من بيت نباهة في الإمامة والعدالة، ساد أهل زمانه في العلوم المعقولة مع شعر نبيل وكتابة رائقة».

مولد ابن النجار التلمساني ونشأته:

ولد ابن النجار في مدينة تلمسان، ولا يُعرف تاريخ ميلاده بالضبط، فلم تأتِ المصادر التي ترجمت له على ذكره، والأرجح أنه ولد أواخر القرن 7هـ/ 13م.

وقد نشأ ابن النجار في مدينة تلمسان وتلقى تعليمه الأول بها، فأظهر ميوله للعلوم العقلية منذ زمن مبكر حيث اتصل بأكبر شيوخها العلامة «محمد بن إبراهيم الآبلي» (ت. 757هـ) ولازمه طويلاً وأخذ عنه حتى قال عنه: «ما قرأ عليّ أحد حتى قلت له: لم يبق عندي ما أقول لك غير ابن النجار».

رحلته إلى المغرب:-

ومواصلةً لمشواره التعليمي توجه ابن النجار التلمساني نحو المغرب، فاستهدف بداية مدينة سبتة (شمال المغرب) وقصد الشيخ «أبا عبد الله محمد بن هلال» إمام التعاليم هناك، وهو صاحب شرح كتاب المجسطي في علوم الهيئة (كتاب مشهور للعالم اليوناني بطليموس حول الفلك والرياضيات، يُعدّ أحد الكتب الأساسية في علم الفلك)، وبقي في حضرته إلى أن أخذ نصيباً وافياً من علمه.

سبتة كما وصفها الإدريسي في عصره.

ومن ثمّ اتجه ابن النجار إلى مدينة فاس ومنها إلى مراكش، للقاء العلامة «أحمد بن محمد أبي العباس البنّاء» (ت.721هـ) وكان هو الآخر إماما في الحساب والتنجيم وله فيهما المؤلفات الشهيرة، فأكمل تعلميه على يده حتى تضلّع في علوم النجامة و«عاد إلى تلمسان بعلم غزير».

علاقته بسلاطين تلمسان :-

بعد عودته إلى تلمسان؛ اتصل ابن النجار التلمساني بالبلاط الزياني الذي كان يعج بمجالس العلماء والأدباء في شتى العلوم والفنون والآداب، وقرّبه السلطان «أبو تاشفين الأول عبد الرحمن بن أبي حمو الأول» (718- 737هـ/ 1317- 1337م) وأكرمه، فعاش في كنفه ردحاً من الزمن.

إلا أنه عندما استولى السلطان المريني «أبو الحسن علي بن عثمان» (731- 749هـ) على تلمسان سنة 737هـ دخل ابن النجار في طاعته، وضمه السلطان إلى مجلس علماءه، وتوجه معه في حملته على تونس سنة 748هـ، التي لم يعد منها حيّاً.

فتاوى ابن النجار التلمساني :-

على الرغم من أن ابن النجار لم يكن فقيهاً متضلعاً وكان اهتمامه منصبا على العلوم العقلية إلا أنه ترك بعض الفتاوى والاجتهادات خلّدت ذكراه بين جموع الفقهاء، فقد أورد له «أبو عبد الله المقري» بعض الآراء التي تناقلتها الكتب من بعده.

من ذلك أن تناقش المقري مع ابن النجار التلمساني في مسألة في الخمر، فأظهر ابن النجار ذكاء وفطنة أثارت دهشة المقري، الذي قال: «ذكرت ذات مرة رواية لـ ابن رشد في الخمر: أنها إذا تخللت بنفسها طهرت، واعترضته بما جاء في كتاب الإكمال لابن وضاح بأنها لا تطهر، فقال ابن النجار: لا تغتر بقول ابن وضاح فانه يلزم عليه تحريم الخل لأن العنب لا يصير خلاً حتى يكون خمراً»، وقد أُعجب المقري برأيه هذا أيما إعجاب.

كما ذكر المقري أيضا موقفاً مشابهاً في مسألة تحريم النساء بالقرابة فناقشه محمد بن يحيى التلمساني (ابن النجار) وأقنعه، ولهذا قال عنه: «لم يكن ابن النجار بصيرا بالفقه وإنما عنده ذكاء زائد».

ويبدو أن إعجاب الفقهاء بفتاوى ابن النجار جعلهم يتناقلونها؛ إذ أوردها لسان الدين بن الخطيب في حديثه عن المقري في كتابه «الإحاطة في أخبار غرناطة»، كما نقلها الونشريسي من بعده.

وفاته:

توفي ابن النجار التلمساني سنة 749هـ/ 1349م، بتونس أثناء حملة أبي الحسن المريني عليها، بسبب الطاعون الذي ضرب المنطقة، وأجهز على عدد كبير من سكانها.

نشأ الإمام أبو عبد الله الشريف التلمساني في مدينة تلمسان - المغرب
مدينة تلمسان التي ينتمي إليها ابن النجار – القرن التاسع عشر.

تعرف هنا على بجاية .. عاصمة الدولة الحمادية

المصادر:

• أبو زكرياء يحيى ابن خلدون، بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد، تح عبد الحميد حاجيات، ج1.
• العباس بن إبراهيم السملالي، الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام، ج1، المطبعة الملكية.
• عبد الرحمن بن خلدون، التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا، دار الكتاب اللبناني
• أحمد ابن القاضي المكناسي، جذوة اقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس، ج4، دار المنصور.
• أحمد بن محمد المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، ج5، تح إحسان عباس، دار صابر.

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى