أخبار العرب

متمم بن نويرة اليربوعي .. شاعر المَراثي الحِسان

أحد أشراف وفرسان قومه، وكان ذا شرفٍ رفيعٍ وسيرةٍ طيبةٍ بين قبائل العرب

متمم بن نويرة اليربوعي شاعرُ المَراثي الحِسان، التي تقدَّمتْ جميع مَراثي الأحزان، وسَلَكتْ مراثيه مَسالكَ الأمثال، ليَستقي منها المكلومون عزاءهم فيما آلَتْ إليه الأحوال، ويتمثَّلوا بها مفقوديهم، ويربطوا على جَمرِ قلوبهم، وما تنطوي عليه من حَسَراتٍ لا تَشيخُ مع الأيام.

من هو متمم بن نويرة اليربوعي ؟

هو شاعرٌ فحلٌ مخضرمٌ، وصحابيٌّ جليل، أحد أشراف وفرسان قومه، وكان ذا شرفٍ رفيعٍ وسيرةٍ طيبةٍ بين قبائل العرب، قَدم المدينة في العهد النبوي، فأسلمَ وحَسُن إسلامه، ولم تُحدد سنة إسلام أو مولده، وكنيته أبو نهشل، ويقال: أبو رهم، ويقال: أبو إبراهيم، وهو أخو مالك بن نويرة، الذي قُتل في حروب الرّدة بعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم – وأكثر أخبار متمم تدور حول مراثيه الباكية، وحزنه الدّامي لمقتل أخيه.

وكان متمم بن نويرة اليربوعي من الشعراء الذين عاشوا في البادية، وشهد الكثير من الغارات والأيام، مما جعله من أبرز الشعراء الذين استُشهِد بأشعارهم في المعاجم اللغوية والتفاسير، متعمدةً على أبياته في شرح معنى كلمة، أو مراد جملة، أو تأييد شاهد لغوي أو نفيه، أو تحديد المواقع.

نسبه:-

هو متمم بن نويرة بن حمزة بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن إد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

مقتل مالك بن نويرة :-

قَدِم خالد بن الوليد البطاح لقتال أهل الرِّدة بعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم – فلم يجد عليه أحدًا، ووجد مالك بن نويرة اليربوعي قد فرقهم في أموالهم ونهاهم عن الاجتماع، فبعث خالد السرايا وأمرهم بأن يؤذِّنوا في كل منزلٍ ينزلوه، فمن أجاب الأذان فأقام وصلى سَلِم، ومن امتنع فهو مرتد عن دين الله فيقتلوه، وكان ذلك نزولًا على ما أمر به أبي بكر الصديق خالدًا بعد تولّيه الخلافة بعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ مالك بن نويرة كان في نفر من بني يربوع، وعرين، وجعفر، وبني عاصم، ودار حوار بين مالك وخالد؛ أعرب فيه مالك بن نويرة أنه يريد أن يتوقف عن دفع الزكاة، وكان النبي جعله على صدقات وزكاة قومه، فقال له خالد: إن أمر الصلاة كالزكاة، فقال مالك: لقد كان صاحبكم يقول مثل ذلك، فقال خالد غاضبًا: أوما تعده لك صاحبًا؟ معتقدًا أنه أراد النبي بقوله، فقتله معتقدًا أنه ارتد، وفي رواية أخري أن خالدًا اختلف في أمرهم بعد حواره مع مالك خاصة أنهم كانوا استجابوا للأذان وأقاموا، فأمر بحبسهم في ليلة قارسة البرد، فأمر مناديًا أن يُدافئوا الأسرى، وكان ذلك في لغة كنانة معناه القتل، ففهموا أن مراده القتل فقتلوهم.

وقد أنكر عمر بن الخطاب فعلة خالد وأغلظ عليه القول ورأى أن في سيفه رهقًا، فقال أبو بكر: لقد تأول فأخطأ فارفع عنه لسانك يا عمر، وقَبِل أبو بكر عذر خالد.

وقَدِم متمم بن نويرة على أبي بكر الصديق مطالبًا بدم أخيه، ورد سبيهم عليهم، فوَدَى أبو بكر مالكًا من بيت مال المسلمين، وأمر بردِّ السَّبي.

وقد أشعلت هذه الحادثة فتيلَ الحزن والأسى في قلب متمم؛ وعنها تدور أغلب أخباره وأشعاره، ويُروى أن عمرًا قال يومًا للحطيئة: أرأيت أو سمعت بأبكى من متمم على أخيه؟ فقال: لا، واللّٰه لم يبكِ بكاءه عربيّ قط، ولن يبكيه.

مراثي متمم بن نويرة اليربوعي :-

تفجرت بمقتلِ أخيه ينابيعُ مَراثيه الحِسان، وعُدَّت قصائده في رثاءه من عيون قصائد الرثاء في الشعر العربي، فهي من أصدق وأجمل ما قال راثي في مَرثيّ، وفيها كشف السِّتار عن حَسَراته التي لا تنقضي، وفُيوض عَبَراته التي لا تنتهي، ولم يدَّخر جهدًا لتسليط الضوء على ما لأخيه من سجايا، وما كان يُغدقه على قومه بجوده مِن عطايا:

نِعم القتيـلُ إذا الرِّيــاح تنــاوحتْ .. خلـفَ البيوت قتلتَ يا ابن الأزورِ

أدعـوتــــــهُ بالله ثُــمَّ غـدرتَــــــــهُ .. لــــو هـو دعاك بذمَّةٍ لم يغْدرِ

لا يمسكُ الفحشــــاءَ تحتَ ثيابـِهِ .. حلــوٌ شمائلُهُ عفيفُ المئْزرِ

وتمثلتْ أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها-  في رثاء أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر بقول متمم بن نويرة في رثائه لأخيه:

وكُنَّــا كَنَدْمَـــانَيْ جَذِيْمَـــةَ حِقْبَـــةً .. مِـن الدَّهرِ حتى قيلَ لنْ يَتَصَدَّعَا

فــــــإِنْ تَكــــنِ الأيَّـــــــامُ فَرَّقْنَا بَيْنَنَا .. فقـدَ بانَ مَحْمُودًا أَخِي حينَ وَدَّعَا

أَقولُ وقدْ طــــارَ السَّنَا في رَبَابِهِ .. وَجَـوْنٌ يَسُحُّ الماءَ حتى تَرَيَّعَا

سَقَـى اللهُ أَرْضًا حَلَّها قَبْـــرُ مَالِكٍ .. ذِهَــابَ الغَوَادِي المُدْجِنَاتِ فَأَمْرَعَا

فَـــآثرَ سَيْـــلَ الوَادِيَيْنِ بِدِيْمَـــةٍ .. تُرَشِّـــحُ وَسْمِيًّا مِن النَّبْتِ خِرْوعَا

فَمَجْتَمَعَ الأَسْدَامِ مِن حَوْلِ شَارِعٍ .. فَرَوَّى جِبَالَ القَرْيَتَيْنِ فَضَلْفَعَا

فَواللهِ ما أُسْقِــي البلادَ لِحُبِّهـــا .. ولكنَّنـــي أُسْقِي الحبيبَ المُوَدَّعَا

تَحِيَّتُهُ مِنِّــي وَإِنْ كـــــــانَ نَائِيًا .. وأمســـى تُرَابًا فَوْقَهُ الأَرْضُ بَلْقَعَا

أمُّ المراثي :-

وهكذا؛ فقد طغى الرثاء كغرضٍ شعريٍّ على أشعار متمم بن نويرة اليربوعي أكثر من أيِّ غرضٍ آخر، وقد أوردَ له المفضل الضبي في مفضلياته عينيته المرثية الرائعة التي لُقّبت بأمِّ المراثي، والتي تقع في سبعة وخمسين بيتًا، وهي أطول قصائده، يقول في مطلعها:

لَعَمـري وَمــا دَهْــري بِتَأْبينِ هــالِـكٍ .. ولا جَزَعٍ ممّا أصابَ فَأَوْجَعا

لقد كَفَّــنَ المِنْهَـــالُ تَحْـتَ رِدَائـــهِ .. فَتي غيرَ مِبْطَانِ العَشِيَّاتِ أَرْوَعَا

ولا بَرَمًا تُهْـدِي النِّسَــاءُ لعِـرْســـهِ .. إِذَا القَشْعُ مِنْ حَسِّ الشِّتَاءِ تَقَعْقَعَا

لَبِيبٌ أَعَانَ اللُّبَّ منــهُ سَمَـــاحَةٌ .. خَصِيـبٌ إِذَا ما رَاكِبُ الجَدْبِ أَوْضَعا

تَرَاه كَصـدْرِ السَّيْـفِ يَهْتَــــزُّ لِلنَّــدَى .. إِذَا لم تَجِدْ عِندَ امْرِىِء السَّوْءِ مَطْمَعَا

ويوماً إِذَا ما كَظَّكَ الخَصْمُ إِنْ يَكُنْ .. نَصِيرَكُ منهم لا تَكُنْ أَنتَ أَضْيَعا

وإِنْ تَلْقَهُ في الشَّرْبِ لا تَلق فاحِشًا .. علي الكأْسِ ذَا قاذُورَةٍ مُتزَبِّعَا

وإِنْ ضَرَّسَ الغَزْوُ الرِّجــــالَ رأَيْتَهُ .. أَخـــا الْحَرْبِ صَدْقًا في اللِّقاءِ سَمَيْدَعَا

وما كــــانَ وَقَّافاً إِذَا الخيــلُ أَجْحَمَتْ .. ولا طَائِشًا عِنْدَ اللِّقاءَ مُدَفَّعَا

كما جعله ابن سلام الجمحي في طليعة شعراء طبقة أصحاب المراثي، مُتقدِّمًا الخنساء بنت عمرو، وأعشى باهلة، وكعب بن سعد، وقد أشار الجمحي إلى قصيدته العينية الباكية وعدّها من أجود المراثي؛ فقال: “وبكى متمم مالكًا فأكثر وأجاد، والمُقدمة منهن قوله: لَعمْرِي ومَا دَهْرِي بتَأبين هَالكٍ”.

أقوالٌ في مراثي متمم بن نويرة :-

  • قال الأصمعي :”عينيته: لَعَمري وَما دَهْري بِتَأْبينِ هالِكٍ، هي أُمّ المراثي”
  • وقال أبو العبّاس المبرد: “من أشعار العرب المشهورة المتخيّرة في المراثي قصيدة متمم بن نويرة”
  • وقال ابن الأثير مُثنيًا عليه : “وأمّا متمم فلم يُختلف في إسلامه، كان شاعرًا محسنًا، لم يقل أحد مثل شعره في المراثي التي رثى بها أخاه مالكًا”.
  • وقيل في بيته المشهور: “لقد لامني عند القبور على البكا…  رفيقي لتذارف الدموع السواف، أنّه أرثى بيت قالته العرب،  وأبلغ ما قيل في تعظيم ميت”.
  • وأثنى الجمحي على مراثيه بقوله: “والمقدّم عندنا في أصحاب المراثي هو متمم بن نويرة الذي بكى أخاه مالكًا فأكثر وأجاد”.

متمم بن نويرة وعمر بن الخطاب :-

في غيرِ مّرة التقى متمم بن نويرة عمرًا بن الخطاب – رضي اللّٰه عنه – فتجلى مما دار بينهما من حوار وأخبار مدى تحرُّق قلب متمم على أخيه، وتبدَّد العَجب حول سبب هذا الحزن المتناهي، والحسرة التي لا تشيخ فتضعُف، ولا تنقضي فيتطاير رمادها مع الأيام.

أشفقَ الخليفة عمر بن الخطاب على متمم بن نويرة من فرطِ ما أهلك نفسه حزنًا على أخيه، فقال له مُتمم وقد كان أعورًا: “قد أكثرت البكاء على أخي مالكًا بعيني الصحيحة؛ حتى أعانتها الذاهبة من فرط الحزن والحَسرة؛ فجرَت بالدمع”، فتعجّب عمر بن الخطاب وقال: ما أشدّ هذا الحزن، ما يحزن أحدٌ هكذا على هالكه، ولو كنتُ أقدر على قول الشعر؛ لبكيتُ أخي زيدًا بن الخطاب كما ترثي أخاك، فقال له متمم: لو كان أخي قُتل كما قتل أخيك يوم اليمامة ما بكيته حسرةً قطّ، فقال عمر: هذا أجود ما عزَّاني به أحدٌ على موت أخي.

ثم قال: ” لقد مكثتُ عامًا لا يَغمضُ لي جفن حتى أصبح، وكلما رأيتُ نارًا رُفِعَتْ في ليلٍ إلا ذكرتُ نار أخي التي كان يأمر بها فتوقَد حتى الصباح؛ فتكاد روحي تخرج من بين أضلعي، لقد كان يحتفي بالضيف مبالغًا كقومٍ يحتفون بلقاء غائبهم بعد سفرٍ بعيد”، فقال عمر: أَكرِم به.

وذات يومٍ قال عمر له: خبرنا عن أخيك مالكًا، فقال متمم: يا أمير المؤمنين لقد أُخِذتُ أسيرًا مرةً في حَيٍّ من العرب، فلما بلغَ ذلك أخي أقبل إليّ من فَورِه، فلم تلبث قدماه أن تطأ ذاك الحيّ إلّا قام مَن كان قاعدًا، وانتبه من كان غافلًا، وما بقيت عذراء في خِدرها إلّا تطلّعت من خلال بيتها، فما هو إلا أن حملوني إليه برُمَّتي؛ فكان هو مَن حلّني من قيدي، فقال عمر: إن هذا لهو عين الشّرف الرّفيع.

واستطرد متمم بن نويرة حكاياه عن بسالة أخيه فقال: كان أخي خارج القبيلة يومًا؛ فأغار علينا حيٌّ من أحياء العرب، فنهبوا مغانمنا وأسروا منَّا، فلما عاد مالك خرج يتتبعهم حتى أدركهم، بعد مسيرة ثلاثة أيام، فلما أبصروه ما كان منهم إلا أن تركوا ما في أيديهم من الغنائم،  وأرسلوا الأسرى، ولاذوا بالفرار خوفًا منه ورهبةً، إلا أنه تتبعهم وأستأسرهم جميعًا، وساقهم مُكبّلين إلى قبيلته؛ نكايةً بهم لانتهاكهم حرمة قبيلته في غيابه، فقال عمر : لقد بَلَغَنا الكثير عن جوده وبسالته، لكنا لم نكن نعلم بكل ما ذكرت.  

ومن كثرة ما عدّد من مناقب أخيه؛ قال له عمر يومًا: لقد أسرفتَ في ذِكر سجايا ومناقب أخيك، وذكرت خصالًا فريدةً قلما تجتمع في رجلٍ واحد! فقال متمم بن نويرة: تاللّٰه يا أمير المؤمنين ما كذبتُ فيما قلت في حرفٍ واحد إلا في خصلةٍ واحدةٍ في قولي : “غير مِبْطَان العَشِيات أرْوَعَا”

وقد كان له بطين حادر، فقال له عمر: تاللّٰه إن هذه ليَسيرة فيما يتأوله الشعراء.

اشتهر متمم بن نويرة اليربوعي بفروسيته.

زواجه :-

تأخر به الزواج، فنصحه عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بالزواج؛ لعله يُخلَف بالذرية الصالحة، فتزوج متمم بن نويرة امرأة من أهل المدينة، وعلى ما يبدو أن حزنه الدائم على أخيه حال بينه وبين استقرار معيشته، فلم يتفقا فطلقها، ثم أنشد يقول مؤكدًا على أن مرور الأيام لم يمح ما خلّفه رحيل أخيه من حُرقة، وأن لا فراقُ سيبكيه كما أبكاه فراق مالك:

أقـــولُ لهند حين لم أرض عقلهــا .. أهذا دلال العشق أم أنتِ فاركُ

أم الصـرم تهـوين فكُـــل مفـــارق .. علـيَّ يسير بعد ما بان مالكُ

وفاته:-

توفي متمم بن نويرة نحو سنة 30ھ-650م.

تعرف أكثر على عمرو بن كلثوم .. الشاعِر الفحل والفارس الشجاع

المصادر:-

ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، ج5، ص566،567.
● ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج3،ص417.
● ابن الأثير الجزري، أسد الغابة، ج5، ص48.
● ابن سعد البغدادي، الطبقات الكبير، ج6، ص166.
● ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، ج1، ص203.
● المفضل الضبي، المفضليات، ص263،264.
● ابتسام الصفار، الأمالي في الأدب الإسلامي، ص98-100.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى