نوادر العرب

ما هي قصة يوسف الكيماوي المحتال؟

تنقَّل في مدن الشَّام وقُراها، وتحيَّل على أهلها، وأفسد عليهم أموالهم

تمهيد:-

تعرَّض شهاب الدين النويري لقصَّة إحدى الشخصيات التي جمعت مالاً وفيراً وذلك من خلال الحيلة والادِّعاء بالعمل في الكيمياء وتحويل المعادن.

والشخصية التي أوردها النويري في كتابه “نهاية الأرب في فنون الأدب”، هو يوسف الكيماوي الكركي، والذي كان من نصارى مدينة الكرك، الواقعة ضمن حدود الأردن في الوقت الراهن.

الكرك اسم المدينة بالعربية، وكراكموبا بالفرنجية – اللاتينية، جاء أبو الفداء على ذكرها في كتابه الشهير “تقويم البلدان” قائلاً: ” هو بلدٌ مشهور وله حصن عالي المكان، وهو أحد المعاقل بالشام التي لا تُرام وعلى بعض مرحلة من مؤتة، وبها قبر جعفر الطيار وأصحابه رضي الله عنهم”.

قلعة الكرك بمنتصف القرن العشرين – مكتبة الكونغرس

النويري، المؤرخ الشهير للحقبة المملوكية وما قبلها، عاش في مصر وتوفي بالقاهرة سنة 1333 م، تناول شؤوناً عدة في كتابه المذكور، وهو مؤلَّف ضخم للغاية تميز بسلاسة وسهولة لغته، وقد جاء على ذكر الكيماوي وذلك في سياق تأريخه لأحداث العام 730 هجري (1330 م).

الرواية:-

يقول النويري: ” في هذه السنة في يوم الخميس سابع عشر شهر رمضان؛ وصل إلى الأبواب السلطانية (القاهرة)، إنسان اسمه يوسف الكركي، ويُعرف جوك من جهة نائب السلطنة الشريفة بالشام”.

وأضاف “وهو من مسالمة نصارى الكَرَك، كان يدَّعي أنه وصل إلى علم الكيمياء، واُشتُهِرَ أمرهُ بالشَّام، واتصل ببعض الأمراء، وهو بَهادُر التَّقوى الجُمقدار بدمشق، وتحيَّل عليه، وأخذ منه جملة من المال، وتنقَّل في مدن الشَّام وقُراها، وتحيَّل على أهلها، وأفسد عليهم أموالهم، واعتُقِلَ بقلعة صفد مدة، ثُمَّ أُفرِجَ عنه، وعاد إلى دمشق، وسَلَكَ طريقه”.

والجمقدار هو : حامل الدبوس، ويُسمَّى العامود: وهو آلة من حديد ذات أضلاع ينتفع بها في قتال لابس البيضة ومن في معناه.

استمراره في التحيُّل:-

وقد بلغ أمر الكيماوي إلى نائب السلطنة سيف الدين تنكِز، فأحضره، وتبين حاله، فأراد أن يقوم بإعدامه، فبادره يوسف بالقول: “أرسلني إلى السلطان، فإنني إذا وصلت إليه ملأت له قلعة الجبل ذهباً وفضة”، فامتثل لرجائه، وجهزه للأبواب السلطانية، فوصل إليها ومَثَل بين يدي السلطان، فادَّعى أنه يعرف صناعة الكيمياء، فسلَّمه إلى الأمير سيف الدين بَكتَمُر الساقي، فتحيَّل، ودَاكَ شيئاً من الفضة الحَجَر، وألقى عليه الزئبق، فصعد هذا الأخير واستقر ما كان داكه، فلم يشُك السلطان في صدقه، وخلع عليه خلعة سنية (أقطعه مبلغاً أو أرضاً).

وطلب يوسف الكيماوي من السلطان فضَّة مصفاة مشحرة، وذهبا أفلوريا (نسبة إلى مدينة أفلوريا الإيطالية)، وزئبقاً، فطُلِبَ الزئبق من الإسكندرية و القاهرة ومصر، واستنفذ جميع ما اختزنه الناس من الزئبق، وأخذ جملة من الذَّهَب، وأحضر إلى السلطان ألف دينار، وأدَّعى أنها من صنعته.

فأكرمه السلطان وخلع عليه خلعة سنية، وأنعم عليه بفرس بسرج ولجام وكَنبُوش حرير، وبقي يَعِد ويُمَنِّي، ثم عاد إلى الكرك على خيل البريد وذلك بحجة عزمه إحضار حشائش، فتوجَّه وبصحبته من يحفظه ويحميه، وقد عاد إلى القاهرة وقد ظَهَرَ للسُلطان كذب ادعائه، فضيَّق عليه، فتحيل وهرب في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثنين وسبعمائة.

البحث عنه:-

ويروي النويري “فخرج السُّلطان لذلك، وشدَّدَ على الولاة في طلبه (الكيماوي)، فنودي عليه في المدينتين، وكُتِبَ إلى الوجهين (القبلي والبحري) بطلبه حيث كان، وكتب إلى الشَّام بطلبه، وإلى سائر الجهات، فقُبِضَ عليه بمدينة أخميم من الصعيد”.

“وجهز إلى الأبواب السلطانية، فوصل في يوم السبت الرابع والعشرين من ذي الحِجَّة والسُّلطان بالميدان، فسأله عن المال الذي أخذه”.

القاهرة في العهد المملوكي – رسم

فقال يوسف الكيماوي : “المال راح”.

العقاب:-

فراح السلطان يضربه ضرباً شديداً، وحُمِلَ في قفَص إلى خزانة شمائل، فاعتُقِلَ بها ومات في ليلة الأحد خامس عشر ذي الحجة، فرسم السلطان بتسميره، فسُمِّرَ في عشية نهار الأحد المذكور بعد أن مات وورم، وبات ليلة الإثنين على خشبة التسمير، وحُمِلَ في يوم الإثنين على جمل شق به المدينة إلى باب النصر ودُفِنَ، هذا ما كان من أمره وفقا لرواية النويري.

مصدر الصورة الرئيسية:-

Image by MasterTux from Pixabay 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى