مخطوطاتمعلومات تاريخية

ما هو الخط البهاري الملازم للنسخ الديواني السائد في عصر الحكم الإسلامي لبلاد الهند؟

هذه المخطوطات؛ كانت نادراً ما تخرج من مساحة الهند الجغرافية.

توطئة:-

لطالما عُرف فن الكتابة والنسخ في سلطنة الهند خلال عهدها الإسلامي – أي في الفترة الممتدة بين القرنين الرابع والخامس عشر الميلاديين –  بأنه فن إبداعي انتقائي ومتنوع، فحين توالت على الهند الانتقالات والصراعات على الحكم والسياسة؛ لوحظ أن كل حكم كان يتميز بكتاباته وفنونه، التي أذهلت العالم برسومها ومضمونها.

ولكن الأمر الذي لم ينتبه له الكثيرون ولم يتم دراسته بتعمق في مخطوطات السلطنة الإسلامية الهندية؛ هو الخط الفريد الذي ميَّز حقبة الإسلام فيها وفنونه الخاصة بها، وهنا سنقوم بالبحث في أحد أساليب الخط الهندية واستعراض بعض النصوص المكتوبة به والتي سماها الباحثون بتسمية خط النسخ الديواني.

سورة الفلق - الخط البهاري
الشكل (1): القرآن الكريم، سورة الفلق، كتبت في الهند، بين (1450 إلى 1500 م، قياسها (26.5 ×18.4) سم، رقم المخطوطة في المتحف (BL Add. 5551, f. 189r).

ظهر في أواخر القرن الرابع عشر أسلوب للنسخ وآخر للخط هما النسخ الديواني و الخط البهاري وقد كانا متلازمين في العديد من الأعمال.

ويجب الإشارة هنا إلى أن المخطوطات التي وجدت وتم كتابتها بهما؛ كانت نادراً ما تخرج من مساحة الهند الجغرافية.

الخط البهاري:-

لن نتمكن من الحديث عن النسخ الديواني دون أن نعلم ما هو الخط البهاري الشقيق الملازم لنمط النسخ الديواني فهما أسلوبان هنديان في رسم الحروف.

يتميز الخط البهاري بضربات ثخينة أفقية من الحبر تظهر بشكل خاص عند الانتهاء من كتابة الحروف، حيث تمل على مده وبخطوط عامودية رفيعة، بالإضافة إلى كتابة علامات الترقيم بشكل أفقي المستوى التي لا يوجد فيه أي مَيلان.

هذه المخطوطة القرآنية الموضحة في الشكل (1) والتي تم كتابتها في الفترة بين (1450 إلى 1500 م) نُقِشت بالخط البهاري باستعمال الحبر الأسود.

وربما قد تكون تسمية هذا الأسلوب في الكتابة يعود في أصله إلى منطقة بهار الهندية، ولكن هذا الافتراض ليس مؤكداً وخاصة أن بعض المخطوطات المكتوبة بهذا الأسلوب قد وجدت في أماكن بعيدة جداً عن هذه المنطقة، إذ تم الكتابة بهذا الخط في البنغال، ديكان، وحتى أنها قد وجدت في أثيوبيا.

لذلك؛ قام مرجع المتحف البريطاني (الكتالوج الخاص به) والذي نُشِر في سنة 1879 م- على تحديد نوع الخط في النص السابق بأنه (خط نسخ كبير بزوايا) يعود في تاريخ كتابته إلى القرن الرابع عشر الميلادي.

 أما نص الجزء الأول من هذه المخطوطة القرآنية نفسها والموجودة في مكتبة خودا بخش في منطقة بانتا الهندية؛ فيُعرف على أنه نصٌ من نسخة قرآن بهاري الرسم كُتب باستعمال خط الثُلُث الكوفي.

وفي المجلد الثالث الذي وجد سنة 1965 م؛ تم تسمية الخط بالبهاري والذي يعني (البحر)، بينما في المجلد الرابع لها والمصنف في سنة 1995 م؛ فيوصف الخط نفسه بأنه الخط البهاري.

أسلوب الخط البهاري:-

عند الحديث عن الخط البهاري لا بد من أن نذكر أسلوب النسخ الديواني، هذا النوع غير المشهور من خطوط الكتابة العربية قلة قليلة من المطلعين يعرفونه أو بالأصح يميزونه، فعبر التأمل فيه؛ نجد أن النسخ الديواني هو عبارة خليط من خط النسخ والأسلوب الديواني (الفارسي) الكتابي والذي غالباً ما كان يستعمل في الأوراق والمستندات الحكومية لسلطنة الهند.

في الحقيقة؛ هناك كذلك عدد قليل من الأبحاث التي قامت بدراسة النسخ الديواني وأبرزها ذلك الذي قامت به الباحثة “دي لا بيرير” حيث تصف الحروف فيه على الشكل التالي:

“عادة ما ينتهي حرف الكاف في النسخ الديواني بخطاف صغير في أعلاه، والأمر نفسه نجده في حرف الألف، حيث يوجد في أعلاه انحناء ذيل نحو اليسار بشكل عامودي. ونلاحظ أن بعض الأحرف كحرف الكاف يوجد في رسمه زاوية واضحة بينما في حروف (الحاء، الجيم والخاء) وعند بداية الحرف يبدأ رسمه بشكل مقوس مستدير، بينما يكون حرف الدال مفتوح واسع وكبير.

في الشكل (2) ؛ لاحِظ الكلمات المرسومة باللون الأحمر والتي غالباً ما يتم كتابتها باستعمال خطِّ النسخ الديواني للتمييز عند وضع التفاسير أو عند كتابة الترجمات الفارسية للقرآن الكريم المكتوب بالخط البهاري. وهذه الكتابات والترجمات عادة تكتب في الهوامش كما هو موضح.


الشكل (2): مختارات من الشعر الفارسي، مدينة جوانبور في الهند، كُتِبت في بداية القرن الخامس عشر، أبعادها (37×26) سم ورقم المخطوطة (BL Or. 4110, ff. 153v-154r).

 وما يمكن ملاحظته؛ هو أن النسخ الديواني قليل الورود والاستعمال إلا في تعقيبات وتوضيحات للنصوص المكتوبة بالخط البهاري، حتى أن نفس الناسخين الذين نسخوا النصوص بالخط البهاري هم نفسهم من كانوا يضيفون التعليقات والتفاسير بالنسخ الديواني.

مقتطفات شعرية:-

تم في عهد السلطان الشرقي مبارك شاه سلطان جوانبور والذي حكم ما بين عامي (1399 و 1402 م)؛ كتابة مخطوطة تتضمن مجموعة من المختارات الشعرية الفارسية التي كتبت بنمط النسخ الديواني، هذه المخطوطة تم تأريخها ونسبها لبدايات القرن الخامس العشر للميلاد.

ستجد ضمن هذه المقتطفات الشعرية كلمات مكتوبة بخط النسخ الديواني وستظهر كيفية كتابة الحروف المميزة بشكل كبير، فالكلمات المتداخلة مع بعضها البعض في المركز تمتد بخطوط سوداء مستوية بشكل قريب جداً من كتابة الكلمات بخط بهاري، وتظهر الزخارف الملونة بين اللون الوردي، البرتقالي والأحمر مع وجود أشكال دائرة بلون أزرق تظهر بشكل كبير في المخطوطات القرآنية البهارية.

 هذا الأمر يدفعنا إلى الظن بأن كاتب النسخ الديواني هنا  كان على علم ومعرفة واسعة بالخط البهاري.

بالإضافة إلى وجود هذين الخطيّن في المخطوطة العربية والفارسية؛ نجِد استعمالَ خط النسخ الديواني على أنه الخط الرئيسي في الكتابات الأولى والأصيلة للمؤلف الهندي (قصة الحب) المعروفة باسم عقد لؤلؤ تشانديانا للكاتب المولى داود سنة 1379 م. هذه القصة المذهلة التي تم اقتباسها من الأشعار الفارسية والتعابير السنسكريتية.

للأسف هذه المخطوطة لا يوجد أي تحليل ناقد لها من حيث جماليتها أو أسلوب كتابتها، ولكن ما هو واضح وبشكل شبه تام أن هذه المخطوطة والقصة الشاعرية قد تم كتابتها بخط نسخ ديواني بأسلوب الرسم العامي أ كما يكتب به العامة من الناس وليس كما يقوم به الناسخون كما ستلاحظ في الشكل (3).

عقد لؤلؤ تشانديانا
الشكل (3): عقد لؤلؤ تشانديانا، للمولى داوود في مدينة مالو، الهند تؤرخ إلى سنة (1520 -1510 م) أبعاد الروقة (24.4× 14.0) سم . وموجودة في مكتبة جون ريلاندز هندوساتي برقم فهرسة (ff. 132v-133r). مع حقوق النشر لجامعة مانشستر.

وما يجب التنويه له؛ أن هذه القصة مقتبسة من النصوص الشعرية الفارسية التي كتبت في الأساس بخط ديواني.

تمت كتابة هذه المخطوطة ونسخها في عدة أماكن ومناطق هي (غوجارت، مالوا، دلهي وأغرا) وذلك خلال القرن الخامس والسادس عشر الميلاديين، ما يوحي بأن الأشخاص الذين قاموا بنسخ هذه القصص هم أنفسهم كتبة القرآن بالخط البهاري، الأمر الذي يمنحنا دليل على الثقافة العامة المتعددة السائدة في ذلك العصر والتي أنتجت كُتاب مدربين يكتبون العديد من المخطوطات في المجالات المتعددة والمواضيع المختلفة.

يضاف إلى مجموعة المخطوطات ذات النوعية الفاخرة والتي قد اطلعنا عليها، نصوصاً مكتوبة بخط نسخ ديواني منها قد كتب بطريقة مضاءة وملونة بالذهب والألوان المائية الملونة، ونصوصاً أخرى لمخطوطات غير مضاءة، والتي تعود جميعها وبتنوعها إلى نتاج السلطنة الهندية بين القرنين الرابع والسادس عشر الميلاديين.

فعلى سبيل الذكر، لقد تم نسخ الترجمة الفارسية لموسوعة سنسكريتية (ترجمة كتاب إبراهي سنسكريتي) خلال القرن السادس عشر وكتابته باستعمال خط نسخ ديواني كما سنجد في الشكل (4).

هذه النسخة المترجمة من السنسكريتية؛ يعتقد بأنها قد نُسخت في سلطنة ديكان لأنها تحمل إشارة لختم السلطان محمد قطب شاه (1612 إلى 1626 م) وبالتالي فيتم إرجاع تاريخها إلى فترة حكمه.

الخط البهاري

الشكل (4): ترجمة موسوعة برهي من قبل عبد العزيز شمسي تها نصيري بأبعاد (29.3× 16.2) سم ولها رقم فهرسة (BL IO Islamic 1262, f.1v).

مع الكتابات المثيرة للاهتمام باستعمال النسخ الديواني في القرآن الكريم وفي الشهر الهندي بالإضافة إلى الأعمال الفلسفية العلمانية؛ ما زال هناك العديد من الاستفسارات حول أسباب عدم انتشار هذا الخط مع أن مستوى العمل به كان متنوعاً، مما يوحي أنه قد كان خطاً أساسياً في كتابات عصر السلطنة الإسلامية في الهند.

النسخ الديواني برز لاحقاً في الكتابة السائدة في العصر العثماني

المصدر:-

المكتبة البريطانية.

متحف الميتروبوليتان.

https://blogs.bl.uk/asian-and-african/2019/06/naskhi-divani-a-little-recognized-sultanate-script.html

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى