نوادر العرب

ما قصة الهذلي مع تأبط شرًا ؟

توطئة:.

تعد قصة تأبط شرًا مع أبي كبير الهذلي من غرائب ما يرويه أهل الأدب والسير، فقد كان الثاني يريد قتل الأول، فإذا به تتبدل حاله، فبدل أن يقتله يمدحه بقصيدة من نفائس الشعر العربي، فتُرى ما هي قصتهما معًا؟ ولمَ فكر في قتله؟

قصة تأبط شرًا مع أبي كبير الهذلي:.

 تزوجت أم تأبط شرًا من أبي كبير الهذلي، وكان يكثر الدخول عليها، فتنكر له تأبط شرًا، وضاق ذرعًا بذلك، فقالت له أمه: إن هذا الغلام سيفرق بينهما، وإنه أحب إليها منه، فليقتله.

فلما أخذه وهو غلام صغير، وأراد أن يقتله، أشفق عليه من ذلك، وعاد به إلى أمه مرة أخرى.

معاناة تأبط شراً بدأت منذ لحظة ولادته
معاناة تأبط شراً بدأت منذ لحظة ولادته ، لكنه ظل قوياً حتى آنت ساعة وفاته

ثم لما كبر تأبط شرًا رأى أبو كبير في وجهه الشر لكثرة دخوله على أمه، فقال لها إنه لن يدخل عليها خوفًا من ابنها، فقالت له على غير عادة الأمهات، احتل عليه لتقتله.

فسأله أبو كبير هل لك في الغزو؟ فأخبره أنه يحسن ذلك.

فخرجا معًا من غير زاد، ومشيا طوال الليل والنهار، فلما توقع أبو كبير أن تأبط شرًا قد جاع، طلب منه أن يلتمس لهما طعامًا، من عند النار التي رأياها، فقال له تأبط شرًا :”أي وقت جوع هذا!” ، فلما ألح عليه، ذهب إليها، وكان أبو كبير اتفق مع اثنين من ألص العرب أن يقتلا تأبط شرًا…

فعاد إليه تأبط شرًا ومعه الطعام، فخاف أبو كبير خوفًا شديدًا، وسأله كيف فعل ذلك؟ فلم يجبه، حتى استحلفه بالصحبة التي بينهما.

تعرض عبد الحميد الكاتب إلى القتل من قبل العباسيين
تأبط شراً كان فتاك العرب في الجاهلية

فقال له: إنه قتل الأول ثم كر على الثاني فقتله، فازداد خوف أبي كبير منه.

قصة الإبل:.

ثم أصابا بعض الإبل وهما في تلك الغزوة، وسار به أبو كبير في طريق غير صحيحة، فاستغرب تأبط شرًا ،وقال له إن هذه الطريق غير صحيحة، ولا تستقيم الريح فيها، ثم سلك الطريق الصحيح، وهو يسير فيها أول مرة!

وبعد هذا الجهد الكبير، قررا أن يناما، فسأله أبو كبير أيحب أن ينام النصف الأول من الليل؛ بينما يحرسه، أم العكس؟

فترك تأبط شرًا له حرية الاختيار، فاختار أن ينام هو أولًا، لكي يزيد التعب على تأبط شرًا، فيصبح قتله سهلًا.

فبعدما نام أبو كبير وحرسه تأبط شرًا، جاء دور الأخير في النوم، ولما ظن الأول أنه قد استثقل في النوم، أسقط حصاة على الأرض، فاستيقظ تأبط شرًا، وسأله عن الصوت، فقال لا أعرف، لعل الإبل تحركت، فقام تأبط شرًا وطاف بالإبل، ثم عاد فنام.

لم تنطلِّ الحيلة على تأبط شراً
لم تنطلِّ الحيلة على تأبط شراً

وبعدما ظن أبو كبير أنه أخذ في النوم أسقط حصاة أصغر من الأولى، فقام وفعل مثل ما فعل في المرة الأولى، وأعاد الكرَّة للمرة الثالثة، فقال له تأبط شرًا :”والله لقد رابني أمرك يا هذا، والله لئن عدت أسمع شيئًا لأقتلنك”.

فبات أبو كبير الهذلي يحرسه بعناية شديدة، مخافة أن يتحرك شيء من الإبل أو يصدر صوتًا، فيستقيظ تأبط شرًا ، فيقتله.

ولما عاد لأمه قال لها :”والله لا أقربك”.

قصيدة أبي كبير الهذلي في تأبط شرًا :.

لقد خلّد أبو كبير الهذلي هذا الموقف الذي حدث بينه وبين تأبط شرًا، في قصيدة من أروع القصائد، يقول في مطلعها:

وَلَقَدْ سَرَيْتُ عَلَى الظَّلاَم بِمغْشَمٍ

                    جَلْدٍ مِنَ الْفِتْيَانِ غَيْرِ مُهَبَّلِ

مِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وَهُنَّ عَوَاقِدٌ

                  حُبُكَ النِّطَاق فَعَاشَ غَيْرَ مُثَقَّلِ

وفيها أيضًا يقول:

فَإذَا نَظَرْتَ إلى أَسِرَّةِ وَجْهِهِ

                 بَرَقَتْ كَبَرْقِ الْعَارِضِ المُتَهَلِّلِ

وَإذَا قَذَفْتَ لَهُ الْحَصَاةَ رَأَيْتَهُ

                    يَنْزُو لِوَقْعَتِهَا طُمُورَ الأخْيَلِ

وَإذَا رَمَيْتَ بِهِ الْفِجَاجَ رَأَيْتَهُ

                  يَهْوِي مَخَارِمَهَا هُوِيَّ الأجْدَلِ

وَإذَا يَهْبُّ من الْمَنَامِ رَأَيْتَهُ

                  كَرُتُوبِ كَعْبِ السَّاقِ لَيْسَ بِزُمَّلِ

مَا إنْ يَمَسّ الأَرْضَ إلاَّ مَنْكِبٌ

                   مِنْهُ وَحَرْفُ السَّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ

يُعْطِي الصِّحَابَ إذَا تَكُونُ كرِيهَةٌ

                     وَإذَا هُمُ نَزعلُوا فَمَأْوَى الْعُيَّلِ

فَإذَا وَذَلِكَ لَيْسَ إلاَّ ذِكْرُهُ

                    وَإذَا مَضَى شَيْءٌ كَأَنْ لمْ يُفْعَلِ

تأبط شرا هو ثابت بن جابر بن سفيان، من فتَّاك العرب في الجاهلية، شاعر عدَّاء تميز شعره بقوة وجزالة الألفاظ وغرابتها، وغلب عليه التصعلك، الحماسة ووصف السلاح..
تأبط شرا هو ثابت بن جابر بن سفيان، من فتَّاك العرب في الجاهلية، شاعر عدَّاء تميز شعره بقوة وجزالة الألفاظ وغرابتها، وغلب عليه التصعلك، الحماسة ووصف السلاح..

الخلاصة:.

إن هذه القصة تعد خير مثال على المثل الشهير :”ما من محبة إلا بعد عداوة”، فها هو أبو كبير يُخلد ذكر تأبط شرًا ، ويرسم له صورة أسطورية، بعدما كان ينوي قتله.

اقرأ ايضا قصة عروة بن الورد و سلمى الكنانية التي حالت إرثاً عربياً

المصادر:.

الشعر والشعراء لابن قتيبة، ص 671 : 674 ، دار المعارف.

شرح ديوان الحماسة للتبريزي، الجزء الأول ص 19.

الوسوم

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق