اختراعاتانفوجرافيكسمعلومات تاريخية

ما سِر صعود نجم علم الفلك خلال العصر العباسي؟

المأمون بنى مرصداً في بغداد وآخر في تدمر

لماذا سطع نجم علم الفلك في العصر العباسي ؟

سَطع نجم علم الفلك في العصر العباسي وذلك بفضل رعاية الدولة في مراحلها المختلفة لنشاط الترجمة عن العلوم اليونانية والفارسية، ناهيك عن استقطاب الأسماء الكبيرة من علماء الفلك والهيئة المنتمين لمختلف الحضارات التي كان لها امتداد وإرث حضاري عميق يفوق ما كان لدى العرب في من تراث علمي في جزيرتهم.

ويمكن اعتبار العصر العباسي عموماً، و حقبة الخليفة المأمون بن هارون الرَّشيد على وجه الخصوص، بمثابة الحقبة الذهبية التي صعدت فيها مختلف العلوم وعلى رأسها علم الفلك.

ويعتبر العصر العباسي بمثابة الحقبة التي انصهر فيها العنصر غير العربي في الثقافة العربية الإسلامية، وذلك بعد أن كان الجيل الأول من العجم قد اعتنق الإسلام في العصر الأموي، لكنه لم يحظَ بالفرصة المواتية لتقديم مساهماته العلمية والفكرية، نتيجة لحواجز اللغة من جهة، وعدم سيادة مظاهر العدالة العرقية من جهة ثانية، وبفعل أولويات الدولة – التي اتخذت من دمشق عاصمة لها – من جهة ثالثة، حيث كان التركيز منصباً على الفتوحات مع رعاية البلاط الحاكم للشعراء في ظل عدم وجود عدد ملفت من العلماء.

واستطاع العلماء في ذلك العصر أن يعطوا تفسيراً علمياً لحركة الأجرام والكواكب، وكذلك قرَّب الخلفاء العباسيون علماء الفلك منهم، واستفادوا من آرائهم الفلكية، ووضعوها لخدمة الدولة من هجمات الأعداء، واختيار الأوقات المناسبة للحروب والفتوحات الإسلامية، وتسيير القوافل التجارية، كما ترجم المسلمون في ذلك العصر الكتب الفلكية القديمة عند اليونان والفرس، وصحَّحوا أغلاطها، وتوسَّعوا فيها، وجعلوا علم الفلك استقرائياً، ولم يقفوا عند حدود النظريات كما فعل اليونان.

احتاج العرب للبحث في النجوم إلى أدواتٍ كثيرة، ولم يكُن ذلك في تلك الأيام مُمكِناً، على أن مقدرتهم العقلية قامت لهم مقام الأدوات الكثيرة والآلات الدقيقة، ومع ذلك؛ فقد بنوا المراصد واستعملوا الاسطرلاب اليوناني بعد أن أدخلوا عليه تحسينات جمَّة، واخترعوا الآتٍ تساعدهم على بحوثهم بين النُّجوم وعلى تقدير أبعاد الأجرام السَّماوية عن الأرض أو أبعاد بعضها عن بعض، وإن المرء ليعجَب حينما يعرف أنواع الآلات التي اخترعها العرب أو حسَّنوها لمتابعة رصد النُّجوم والبحث في الأجرام السَّماوية وما بينها من أبعاد وما لها من خصائص، أمَّا أول اسطرلاب عربي؛ فقد صُنِعَ في القرن الثاني للهِجرة، صنعه إبراهيم الفزاري المتوفى 161 هجرية (777 م).

من كتاب عمر فرُّوخ “عبقرية العرب في العلم والفلسفة”

تأسيس بيت الحكمة:-

مع انتقال مركز الخلافة من دمشق إلى بغداد؛ شَرَعَ الخلفاء العباسيون المبكرون في رعاية العلوم عموماً، والفلك على وجه التحديد، وذلك بفضل التراث الكبير الذي امتلكه العراق القديم في هذا المضمار، إلى جانب براعة الفرس والمنتمين إلى آسيا الوسطى وخبرتهم الطويلة في مجال الفلك، وهوَ الأمر الذي عزَّزه بدء نشاط الترجمة بالاستعانة بعناصر عربية وعجمية ومسيحية ويهودية تولَّت هذا الجانب.

وبالحديث عن الإرث الكبير الذي تمتع به العراق – الذي أصبح مركز الخلافة العباسية-؛ فقد أكدت الأبحاث العلمية والأثرية أنَّ الآشوريين قاموا منذ أكثر من 3 الآف عام برصد العواصف الشَّمسية، مستخدمين التفاضُل والتكامُل لتتبع المشتري الذي كان كوكباً رئيساً في أذهانهم، ما يدل على وجود عمق وتراكم في تعاطي هذه البلاد مع علم الفلك وما يرتبط به.

وبعد إنشاء الدولة العباسية ومرورها بمراحل أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور والمهدي والهادي؛ جاء الدَّور على الخليفة هارون الرَّشيد (حكم بين عامي 170 و193)، أخذ هذا الأخير بوضع النواة الأولى لإنشاء بيت الحكمة، وذلك عندما أسس في البداية “خزانة الحكمة” وأخرج مخطوطات وكتب الخليفة المنصور المتواجدة في القصر، حيث قام بوضعها في مكتبة عامة ليفتح أبوابها في وجه جميع طلبة العلم.

وقد كان المأمون بن هارون الرشيد ( حكم بين عامي 198 و218 هـ ) أكثر اهتماما بالعلوم والفلسفة من والده، فقد سعى بعد توليه السلطة الى جعل بيت الحكمة في بغداد أهم مركز للمعرفة في جميع أنحاء العالم، وبالفعل، فقد وصل هذا الدار لذروة نشاطه العلمي وأصبح مكتبة عامة ومرصد فلكي ومجمع علمي مهم للغاية، حيث أنفق المأمون أموالاً طائلة لجلب الكتب وأغدق الكثير من واردات الدولة على العلماء والمترجمين والمؤلفين.

فإنَّنا كُنَّا في زمَن الخُلفاء العباسيين أكمل سائر البلاد، تمدُّنا، ورفاهيةً، وتربية زاهرةً زاهيةً، وسبب ذلك أن الخُلفاء العباسيين كانوا يعينون العُلماء وأربابَ الفُنون وغيرهم، على أنَّ مِنهُم من كانَ يشتغِلُ بها بنفسهِ، فانظُر إلى المأمون بن هاورن الرَّشيد، فإنَّهُ زيادةً عن إعانة ميقاتيَّة دولته؛ كان يشتغل بنفسه بعلم الفَلَك، وهو الذي حَرَّر ميل دائرة فلك البُرُوج على دائرة الاستواء، فوجدهُ بالامتحان ثلاثاً وعشرين درجة، وخمسة وثلاثين دقيقة، وغير ذلك.

— رفاعة الطهطاوي

بيت الحكمة من خلال مرصده؛ وضع حجر الرحى لانطلاقة علم الفلك إلى أعلى مستوياته، وهو ما سنستعرض أبرز ملامحه مع أبرز شخوصه.

وكان الخليفة الأمين قد حكم بين عامي (193 و198) قبل أن يتغلَّب عليه شقيقه المأمون.

الترجمة ودورها في تطور علم الفلك في العصر العباسي :-

انفتاح العباسيين على العلوم اليونانية والهندية والفارسية تمخضَّ عنه اطلاع المسلمين بشكل أكبر على منجزات هذه الأمم في مجال الفلك وبقية العلوم، ومن بين أبرز الكتب التي تم ترجمتها هي تلك العائدة للعلماء اليونان، أرسطو، أفلاطون، فيثا غورس، بطليموس (المجسطي)، وإقليدس (الهندسة والرياضيات) وسواهم، حيث تم الاستعانة بالأسماء التالية لترجمة هذه العلوم.

  • يوحنا بن ماسويه ( توفي في سامراء سنة 243 هجرية)، الطبيب والخبير باللغات، الذي ولَّاه الرشيد في فترة خلافته مُهمة ترجمة الكتب الطبية القديمة التي وصلت بغداد من سائر بلاد اليونان والرومان، كما نصّبه أمينا على الترجمة عامةً، وأخذ بنصيحته حين اقترح ابن ماسويه بناء دار للكتب وهي المعروفة ببيت الحكمة في التاريخ العربي الإسلامي.
  • حنين بن إسحاق (توفي في بغداد عام 260 هجري)، وهو أعلم أهل زمانه باللغة اليونانية، والسريانية، والفارسية، وكانت له دراية فيهم مما لا يعرفه غيره من النقلة الذين كانوا في زمانه، بالإضافة إلى إتقانه للعربية والاشتغال، بها حتى صار من جملة المتميزين فيها، وانتهت إليه رياسة العلم باللغات بين المترجمين.
  • إسحاق بن حنين ( توفي في بغداد عام 298 هجرية) ، طبيب مترجم أفاد العربية بما نقله إليها من كتب الحكمة وشروحها، وكان عارفاً باليونانية والسريانية، فصيحاً بالعربية، وقبل ترجمة إسحاق بن حنين المميزة للمجسطي؛ كان هناك ترجمات عربية كثيرة للكتاب، لكنها رديئة الجودة.
  • علي بن عيسى الإسطرلابي ، الذي وضع كتاباً في كيفية عمل الاسطرلاب ، وأشرف على مرصدي بغداد وتدمر اللذان أسسهما المأمون، حيث كان الاسطرلابي عارفاً باللغات التي كتبت بها المؤلفات العلمية التي جرى ترجمتها.
 كتاب بطلميوس - علم الفلك
كتاب بطلميوس في التعليم المعروف بالمجسطي، نقل إسحق بن حنين بطلميوس

أعلام بارزة ساهمت في تطور علم الفلك في العصر العباسي:-

لا يمكن بسهولة حصر أسماء العلماء الذين ساهموا في تطوُّر علم الفلك في العصر العباسي ، لكن يمكن لنا الإضاءة على أبرزهم:

  • أبو يوسف الكندي ، أول الفلاسفة العرب (المتوفي سنة 250 هـ تقديراً) ، وخاض في علم الفلك، وكان يرى بأنَّ النَّفسَ بسيطة وأنَّها من نور الله، وعنها صَدَرَ عالَم الأفلاك، والنَّفسُ الإنسانية تفيض عن هذه النفس الكلية، وهي تَتصِل بالجَسَد، ولكنها تبقى في جوهرها مُستقلة عنه، حتى إذا فارقته التذت لذة كبيرة.
  • بنو موسى بن شاكر : وهم محمد و أحمد والحسن، وكان محمد كانَ وافِر الحَظ من الهَندسة والنجوم، عالمٌ بإقليدس والمجسطي وجَمَعَ كُتُب النُّجوم والهندسة والعَدَدَ والمنطق، وكان حريصاً عليها قبل الخِدمة (في مرصد المأمون) ويصبر، وصار من وًجًوه القوَّاد إلى أن غَلَب الأتراك على الدَّولة، وذَهبَت دولة أهل خُراسان وانتقلت إلى العِراق فَعَلَتْ  منزلته واتسَعَ حاله إلى أن كان مدخوله في كل ِّ سَنَة بالحَضرة وفارس ودمشق وغيرها نحو أربعمائة ألف دينار، توفي في شهر ربيع الأول، سنة 259هـ.
  • أبو معشر البلخي: (المتوفى في مدينة واسط العراقية سنة 272 هجرية)، عُرف بنظريته التي تقول: إن العالم نشأ عندما كانت الكواكب السبعة في حالة اقتران عند الدرجة الأولى لبرج الحمل، وأنه سينتهي عند اقتران مماثل عند الدرجة الأخيرة لبرج الحوت.
  • محمد بن موسى الخوارزمي (توفي في مدينة بغداد بعد سنة 232هـ)، مؤسس علم الجبر، والذي أبدع في علم الفلك، ووضع جداول فلكية (زيجاً)، وقد كان لهذا الزيج الأثر الكبير على الجداول الأخرى التي وضعها العرب فيما بعد، إذ استعانوا به واعتمدوا عليه وأخذوا منه.
الخوارزمي من أشهر العلماء الذين ظهروا في الحضارة الإسلامية
  • محمد بن جابر بن سنان الحرّاني الرقِّي السابتي البتاني، وهو أبو عبدالله البتاني، الذي سماه قومه بالراصد المُنجم أبو عبدالله المولود سنة (264هـ – 858 م)، والذي لقّبُ الناقلون اللاتينيين باسم: الباتيجنيوس، الباتيجني وله أيضاً اسم البانتينيوس، انتقل بعدها إلى منطقة الرقَّة (شمالي سوريا حالياً) ليعمل في رصّدِ النُجوم، وقد اجتهد البتاني في التعمق بمجال الفلك، حيث قد وضع الجداول المرفقة بملاحظاته الخاصة المتعلقة بوصف حركات الشمس والقمر بدقة متناهية، بشكل أكثر دقة مما قد أورده الإغريقي بطليموس في كتابه “المجسطي”، منفقاً من ماله الخاص ليتمكن من تمويل بحثه بهدف الوصول إلى تحديد وتصحيح حركات الكواكب.
  • أبو الوفاء البوزجاني (توفي في بغداد التي خضعت لسيطرة البويهيين خلال العصر العباسي وذلك سنة 388هـ) و يعتبر أول من عرف أصول الرسم على سطح الكرة، وقال باستدارة الأرض ودورانها حول محورها، واكتشف أنواع الاختلال في حركة القمر.
  • أبو القاسم المجريطي: (عاش في الأندلس بعيدا عن الدولة العباسية وتوفي فيها سنة 398 هـ)، وقد اختصر الجداول الفلكية للبتاني، قكان مختصره مرجعاً لعلماء الفلك، وهو أول من علَّق على الخريطة الفلكية لبطليموس.

صاغَ العرب كل أسماء النُّجوم والكواكب، لدى ترجمتهم لأعمال الفلكي الكبير أبرخس، ودليله المُنَقَّح بقلم بطليموس، مع عدم إغفال أسمائها القديمة التقليدية، الأمرُ الذي جَعَلَ لمعظم أسماء الكواكب الثَّابتة، فيما بعد، أسماءً ذات مصدر عربي،.. انصرف العرب إلى الاهتمام الكلي بهذا العلم وأصبحوا في قصور الخُلفاء، المنصور وهارون الرشيد والمأمون خاصَّة يراقبون السَّماء وما دار في فلكها من نجوم مراقبة دقيقة علمية، منطلقين به من مفهومه البدوي المحدود إلى آفاقٍ واسِعَة جعلت منه ذاك العِلم القائد في العالم لقرونٍ عديدة.

— زيغريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب.

  • أبو نصر بن عراق ( توفي سنة في أفغانستان عام 427 هـ) وقد تأثر به البيروني، وابن عراق هو أول من اكتشف حساب المثلثات، إذ ساهمت أعماله ومصنفاته المهمة في حلول المثلثات الكروية في تطوير علم الرياضيات، حيث بلغ إنتاجه السبق في هذا الميدان، واستفاد من نظرياته العلماء في الشرق والغرب، وهو يعتبر مؤسساً لنظريات تطوير آلات الرصد الفلكية: حيث كان دوره عظيماً في تطوير الآلات الفلكية وتصحيح أغلاط بعض النظريات التي أخذ بها من سبقوه من الفلكيين والتي نقدها في مصنفاته.
  • أبو الريحان البيروني (توفي سنة 440 هـ)، الموسوعي العملاق، وقد صنَّف الكثير من الكتب؛ منها: ”الاستيعاب في صنعة الأسطرلاب”، و”القانون المسعودي” في الهيئة، والنجوم، والجغرافية، و”التفهيم لصناعة التنجيم” رسالة في علم الفلك كتبها بالعربية والفارسية.
  • البديع الأسطرلابي (توفي ببغداد سنة 534 هـ) وكان أديباً فاضلاً، شاعراً بارعاً، حكيماً عارفاً بالطب، والرياضيات، والهيئة، والنجوم، والرصد، والزيج، وكان وحيد زمانه في عمل الآلات الفلكية، متقناً لهذه الصناعة، وخاصة الأسطرلاب.

خلاصة تطور علم الفلك في العصر العباسي :-

لم يأتِ تطور علم الفلك في العصر العباسي دون وجود المحفزات (الترجمة، تقريب العلماء، رعاية الدولة) فضلاً عن الاستفادة من تراث وترجمة مؤلفات الأمم الأخرى.

وقد تواكب التطور في مجال العلم في الفلك آنذاك، مع تطور العلوم المختلفة، بالتزامن أيضاً مع سطوع نجم عدد كبير من الأدباء والشعراء والفلاسفة والمتكلمين، في بيئة تبدو متقدمة عن حالة العلم والأدب في العالمين العربي والإسلامي في الوقت الراهن.

كتاب الكواكب الثابتة - علم الفلك
كتاب صور الكواكب الثابتة صوفي، عبد الرحمن بن عمر صوفى

تعرف أيضاً على شمس الدين السمرقندي .. الرياضي والفلكي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى