انفوجرافيكسمعلومات تاريخية

ما الذي فقدناه بخراب مكتبة بيت الحكمة؟

كان لقيامها أثر كبير في انتشار فكرة المكتبات في العالم الإسلامي

شهرة:-

اشتُهِر أمر بيت الحكمة في بغداد في عهد الخليفة العباسي الشهير هارون الرشيد (ت 193هـ)، حيث جمع البرامكة له فيها ما وقفوا عليه من الكتب من مختلف اللغات، وأتى لها بالكثير من الكتب الأخرى، وعينَّ لها الموظفين.

وارتفع شأن هذه المكتبة في زمن الخليفة المأمون بن هارون الرشيد (ت 218هـ) من مجرد مكتبة إلى دار وأكاديمية للبحث العلمي والإنتاج الفكري، الذي أطلق عليها اسم (بيت الحكمة)، وقام بتوسيعها وتدعيمها، واستقطب لها من بلاد الروم والهند وفارس ومصر واليونان الكثير من الكتب، وأجزل مكافأة العلماء والمترجمين، وكان لقيام بيت الحكمة أثر كبير في انتشار فكرة المكتبات في العالم الإسلامي، ومن ثم دور العلم التي كانت عبارة عن مكتبات تلقى بها المحاضرات العلمية والأدبية.

لم يوفر المأمون أي وسيلة لاجتذاب أهم الكتب وترجمتها، حتى أنه راسل ملك الروم طالباً منه الحصول على الكتب اليونانية والرومانية المخزنة في بلاده، فاستجاب لطلبه بعد امتناعه في البداية، وقد كلّف الخليفة مجموعة من الأشخاص ومنهم يحيى بن البطريق والحجاج بن مطر بإحضار الكتب الى بيت الحكمة، وقام بترجمتها عدد من المختصين ومن أبرزهم حنين بن اسحق الذي ترأس ديوان الترجمة ببيت الحكمة وترجم الكثير من كتب الحكمة اليونانية الى اللغة العربية.

تم تقسيم مكتبة بيت الحكمة في بغداد إلى عدة أقسام لكل علم منها أشخاص متخصصون يشرفون عليه، كما أن لهذه الأقسام مترجمين يتولون ترجمة مختلف المؤلفات الى اللغة العربية، ثمّ يقوم الناسخون بنسخ هذه الكتب المترجمة، بينما يقوم المجلدون بعد ذلك بزخرفة الكتب وتجليدها.

أثرها العلمي:

اجتمع في مكتبة بيت الحكمة العلماء والباحثون، ولجأ إليها الطلاب، حيث دُرِّس فيها العلوم الفلسفية والطبية والرياضيات والفلك والعلوم الطبيعية والجغرافيا والتاريخ والفقه واللغة وعلم الكلام، فكانت أول مركزٍ علميٍّ يحقق للطلاب زاداً علمياً وفيراً.

بيت الحكمة في بغداد
البشرية نهلت من علوم الكتب التي كانت في بيت الحكمة

بيت الحكمة عبارة عن بناء كبير يضم عدداً من القاعات والحجرات الواسعة، تضم مجموعة من الخزائن في كل خزانة مجموعة من الأسفار العلمية، وأضحت بذلك دوائر علمية منوعة، لكل منها علماؤها وتراجمتها، ومشرفون يتولون أمورها المختلفة، وأمناء على الترجمة، وكتَّاب حُذَّاق، كان هؤلاء من مختلف الأديان والمذاهب والأجناس والثقافات.

سهَّل بيت الحكمة في بغداد سبل التدريس والمطالعة والتأليف والترجمة لمن يرغب بذلك، فقد تعذَّر على الناس الوقوف على الكتب العلمية النادرة والمترجمة من مختلف اللغات، فذَّلل الخلفاء للناس سبل المطالعة والتدريس والاستنساخ وحضور المناظرات العلمية في بيت الحكمة، وانتشرت بذلك العلوم والمعارف وثقافات الأمم في شتى النواحي الفكرية والعلمية، وكان لها أثر في ازدهار الحركة العلمية، وانتشار العلوم الإنسانية والتجريبية، ونشر الحضارة العربية إلى الغرب، ونشأة المدارس في بغداد.

خراب بيت الحكمة:

وبقي بيت الحكمة بهذا النشاط والازدهار إلى عهد المعتصم الذي لم يرع بيت الحكمة كما كان يجب، وأصيب بيت الحكمة بانتكاسة جراء انتقال الخلفاء من بغداد إلى سامراء، وتراجع شأن هذه المكتبة بعد تقلُّد المتوكل على الله الخلافة وضعف الدولة العباسية.

أصيب بيت الحكمة بانتكاسة جراء انتقال الخلفاء من بغداد إلى سامراء

وفي سنة 654هـ خرج المغول والتتار إلى البلاد الإسلامية، واتجهوا إلى العراق لضرب الخلافة، وتم لهم ما أرادوا، ودخلوا بغداد سنة 656هـ، وتمادى هولاكو حفيد جنكيز خان في التدمير والخراب، ولم يتركوا مخطوطاً ولا كتاباً في بيت الحكمة إلا وقاموا بإتلافه وحرقه وإغراقه، وحوَّل بيت الحكمة وغيره من خزائن الكتب العامة والخاصة لخراب، وألقى بعض كتبها في نهر دجلة، وسدَّ مجراه، وجعل من الكتب جسراً بين طرفي النهر.

هولاكو قطع الطريق على امكانية نهوض المسلمين من جديد

تدمير هائل في بيت الحكمة:-

وبالغ التتار في تدمير خزانات الكتب، فبنوا بها الاصطبلات والمعالف للخيول، وتم إحراق مراسلات الملوك التي وجَّهوها للخلفاء العباسيين، ومن التحف النفيسة 300 مجلد من الكتب البديعة النسخ التي أهداها صلاح الدين الأيوبي إلى الخليفة العباسي في بغداد، وما نجا من هذه الكتب تم بيعه بأبخس الأثمان، وقبل الحصار قام نصير الدين الطوسي (ت 672هـ) بإنقاذ عدد من المخطوطات ونقلها إلى مرصد مراغة في أذربيجان.

الطوسي برع في طيف واسع من العلوم – المكتبة الرقمية العالمية

وبذلك تم تدمير مكتبة بيت الحكمة التي ظل أثرها قائماً في أوروبا حتى النصف الثاني من القرن الخامس عشر، والتي لها يرجع الفضل في تحقيق استمرار الحضارة الإنسانية بعد انهيار الحضارة الرومانية، والتي منها ظهر كيان العلماء العرب.

لقد كانَ الظَّنُ أن يحمِلَ التَّتَار هذه الكُتُب القيِّمَة إلى قراقوم عاصِمة المغول ليستفيدوا – وهم لا يزالون في مرحلة الطُفولة الحضارية- من هذا العِلم النَّفيس.. لكنَّ التَّتَار أُمَّةً هَمَجِيَّة.. لا تقرأ ولا تُريدُ أن تتعلَّم.. يعيشون للشهوات والملذَّات فقط، ألقى التَّتَار بمجهود القُرون الماضية في نهر دِجْلَة، حتى تحوَّل لون مياه نهر دِجْلة إلى اللَّون الأسود من أثَرِ مِدادِ الكُتُب، وحتى قيلَ إنَّ الفارِسَ التَّتَرِي كان يعبُر فوق المُجلَّدات الضَّخْمَة من ضفِّةٍ إلى أُخرى! وكان هذا جريمةً في حقِّ الإنسانية كلَّها!.

— راغب السرجاني.

المصادر:

  • بيت الحكمة البغدادي وأثره على الحركة العلمية في الدولة العباسية (54 وما بعدها).
  • المدارس الطبية في الحضارة الإسلامية (7).
  • ماذا قدَّم المسلمون للعالم، السرجاني.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى