اختراعاتمعلومات تاريخية

ما هي مبررات تنقيط أحرف اللغة العربية ؟

أبقى الفراهيدي على نقط الإعجام، وبدَّل نقط الإعراب بالحركات الإعرابية المعروفة اليوم

كثيرًا ما يتساءل الناس حول مبررات تنقيط أحرف اللغة العربية ، فإذا كانت الكتابة العربية منذ بدايتها من دون تنقيط ولا تشكيل؛ فلمَ لمْ تظل هكذا؟

كيف كانت كتابة اللغة العربية في بداية الأمر؟

هناك اختلاف كبير في أصل الكتابة العربية، وهل هي توقيف من عند الله أم من صنع الإنسان؟ وكيف اهتدت العرب لطريقة الكتابة؟1

ولكنهم مهما اختلفوا فإنهم متفقون على أن لغتهم كانت تكتب من دون تنقيط ولا تشكيل، وكان العرب يستطيعون قراءتها اعتمادًا على السياق، وعلى السليقة اللغوية.

وظلت الكتابة هكذا في عصور الجاهلية وعصر صدر الإسلام، إلى أن وجدت مبررات تنقيط أحرف اللغة العربية، ودفعت العلماء لتطوير هذه الكتابة.

كتابة عربية
دخول العجم للإسلام أدى للمسارعة بتنقيط أحرف اللغة العربية- مكتبة الكونغرس

ظهور تنقيط أحرف اللغة العربية :2

المتأمل لتطورات الكتابة من مرحلة الكتابة التصويرية ثم الرمزية ثم الصوتية ثم ظهور الأبجدية، يتأكد أنه مع تطور العصور تتطور الكتابة.

وكان ظهور التنقيط أمرًا لا بد منه لتصل اللغة المكتوبة إلى أعلى مراحل النضج.

أبو الأسود الدؤلي ونَقط الإعراب : 3

أبو الأسود الدؤلي
فكّر أبو الأسود بنقاط تميز الحركات الإعرابية المختلفة

كان زياد ابن أبيه (620-673م) واليًا على العراق، ولما رأى اللحن بدأ يظهر والناس أصبحت تخطئ في قراءة القرآن الكريم؛ بعث لأبي الأسود الدؤلي مستنجدًا به ليضع حلًا لهذه الأزمة؛ فالمحافظة على القرآن الكريم أهم مبررات تنقيط أحرف اللغة العربية.

فكر أبو الأسود الدؤلي في عمل نَقط إعراب: وهو عبارة عن نقاط تميز الحركات الإعرابية المختلفة، فالفتحة نقطة أعلى الحرف، والكسرة نقطة أسفله، والضمة نقطة عن يمين الحرف، والسكون من غير نَقط، وهذه العلامات أخذها من اللغة السريانية.

كانت هذه الطريقة خاصة بالمصاحف فقط، وزاد عليها الناس نقطتين للحرف المنون، وعلامةٌ للشدة.

ولا يستبعد المؤرخ العراقي الشهير المرحوم جواد علي، تأثُّر الدؤلي بالمدارس النحوية غير العربية وخصوصاً اليونانية والسريانية، وذلك حينما ابتكر فكرة التنقيط والحركات للأحرف العربية.

وذهب مصطفى نظيف للإشارة إلى أن يعقوب الرهاوي وهو تلميذ سويرس سيبخت البارع في الفلسفة والنحو والتاريخ، ومن المؤلفين في النحو السرياني، ومن الذين أدخلوا التنقيط والحركات-، قد كان في البصرة معاصراً للدؤلي، وبالتالي فإن هناك احتمالية كبيرة لاستفادة الثاني من الأول في هذا الميدان.

تنقيط الإعجام:-

الحروف في اللغة العربية تنقسم إلى حروف معجمة أي عليها نقاط، وحروف مهملة ليس عليها نقاط، وحتى لا يتلبس على القارئ، قام العلماء بنقط الإعجام.

وقد اختلف في واضعه، ولكن الرأي الراجح أنه النصر بن عاصم الليثي بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي، حيث قام بوضع النقاط على الحروف بالشكل التي هي عليه الآن.

فالحاء مهملة من دون نقاط، والخاء أصبح عليها نقطة من فوق، والجيم نقطة من أسفل وهكذا.

الخليل بن أحمد الفراهيدي وابتكار الحركات الإعرابية :4

بعد انتشار نقطي الإعراب والإعجام كان من المربك وجود النقطين معًا.

لهذا فكر الخليل بن أحمد الفراهيدي في حل لإزالة هذا اللبس، فأبقى على نَقط الإعجام، وبدَّل نَقط الإعراب بالحركات الإعرابية المعروفة إلى يومنا هذا.

وقد استوحى هذه الحركات من خلال التفكير، فالفتحة ألف صغيرة فوضع ألف مائلة صغيرة للدلالة عليها، والضمة مستوحاة من الواو، والشدة مأخوذة من الشين في كلمة تشديد، والسكون رأس خ مأخوذ من كلمة خالٍ.

كتابة عربية
ظهور التنقيط في الكتب العربية العلمية والأدبية
إيساغوجي، كتاب إيساغوجي لجالينوس

مبررات تنقيط أحرف اللغة العربية :5

أولًا: اختلاط العرب بالأعاجم:

لما أظهر الله دينه، وتوسعت الخلافة الإسلامية عن طريق الفتوح، سارع الأعاجم بتعلم اللغة العربية وإتقانها بدافع ديني وهو فهم الدين والقرآن الكريم أو لنيل المراتب العليا في الدولة، فلم تكن الدولة تعيين إلا متقني اللغة العربية، ولا شك أن عدم وجود نَقط كان يجعل تعلم اللغة العربية صعبًا على هؤلاء الأعاجم، ويزيد نسبة الخطأ في كلامهم.

ويعتبر هذا أول مبررات تنقيط أحرف اللغة العربية.

ثانيًا: ظهور اللحن:

كان لاختلاط العرب بالعجم أثرٌ كبير في ظهور اللحن، وفساد السلائق اللغوية، فلم يعد العربي مثل السابق يقرأ أي نص من دون نَقط قراءة صحيحة وفق السليقة والسياق، فكان لِزامًا على العلماء إيجاد حل للمحافظة على اللغة العربية من فشو اللحن.

ثالثًا: الخوف على القرآن الكريم من تطرق اللحن إليه:-

لا شك أن هذا هو أهم مبررات تنقيط أحرف اللغة العربية، لأن العلماء ينظرون للغة العربية أنها لغة القرآن الكريم، وأن المحافظة عليها ضرورة دينية، لذلك فإن أول نقط ظهر كان خاصًا بالمصاحف فقط، حتى لا يتطرق اللحن لكلام الله.

اقرأ هنا لماذا دخل اللحن إلى اللغة العربية ؟

الخلاصة:-

مهما اختلفت مبررات تنقيط أحرف اللغة العربية ؛ فإنها كانت تدور في فلك المحافظة على القرآن الكريم من تطرق اللحن إليه، والارتقاء باللغة العربية لتصل لأعلى درجات الكمال.

المصادر:

1-ص 17 بتصرف االكتابة العربية من النقوش إلى الكتاب المخطوط، لصالح إبراهيم الحسن، دار الفيصل الثقافية، طبعة 2002

2-الكتابة العربية من النقوش إلى المخطوط ص198 وما يليها، وقارن المحكم في نَقط المصاحف، لأبي عمرو الداني، دار الفكر المعاصر طبعة 1997،بتصرف.

3- ص 150 المجلد الثالث، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء للقلقشندي، دار الكتب الخديوية 1914، بتصرف.

4- السابق، ص 160 بتصرف.

5- مقدمة المحكم في نَقط المصاحف بتصرف.

مكتبة قطر الرقمية.

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي.

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى