أخبار العرب

مالك بن العجلان .. قاهر الفطيون ويهود يثرب

كان إذا حارب تنّكر وغيّر من هَيأته؛ حتى لا يتّعرف عليه خصومه، ليُنّكّل بهم

اشتعلتْ في صدره الغِيرة على عِرضه، فكانت سببًا لانتقامه من طاغية مُستبد، فصانَ العِرض، ورَفَع القهر والظلم عن الأوس والخزرج بعدما كانوا مُستَضعفين في الأرض، وملّكلهم رُبوع يثرب وخيراتها، إنه مالك بن العجلان ، قاهر يهود يثرب وناصر أذلّائها.

من هو مالك بن العجلان الخزرجي ؟

هو مالك بن العجلان الخزرجي ، كان سيدًا لقبيلتيّ الأوس والخزرج في يَثرب قبل الإسلام ، ذاع صِيته في الجاهلية بالحروب التي خاضها ومنها حرب سمير ، كما عُرف بقتله ملك يثرب اليهودي المُسمّى “الفطيون”.

كان مالك فَطِنًا، وكان إذا حارب تنّكر وغيّر من هَيأته؛ حتى لا يتّعرف عليه خصومه، ليُنّكّل بهم، ويُذكر أنه عاصر الشاعر أحيحة بن الجلاح.

طبيعة العقلية السائدة عند العرب في فترة ما قبل الإسلام
طبيعة العقلية السائدة عند العرب في فترة ما قبل الإسلام.

حيلة ابن العجلان لقتل الفطيون:-

عُرف الفطيون اليهودي بشدّته وسَطوته في يثرب، وهو من بني إسرائيل ثم من بني ثعلبة، وكان يحكم يثرب بالظلم والقهر وأذلّ الأوس والخزرج الذين نزلوا يثرب ليَقطنوا بها،  وكانت يثرب فقيرة في مواردها ولم تكن مكانًا رَغدًا للعيش فيه، ومما زاد الأمر سوءًا قهر يهود يثرب للأوس والخزرج.

وكان الفطيون يعتدي على نساء الأوس والخزرج ويذلهم ولم يكن لهم مهربًا من ذلك، وكان ملكًا فاجرًا لا تتزوج عروس إلا دخل عليها قبل زوجها، فلما كان زواج أخت مالك بن العجلان؛ أَبى مالك أن تُنتهَك أخته من قِبل هذا الطاغية، فاحتال للأمر مع أخته للإيقاع به، فتنكّر بزي امرأة، واندسّ بين النساء، وظل يتحيّن الفرصة، فلما اختلى الفطيون بأخته وهمّ بها، وثب عليه فقتله من فَوره، لِينتقم منه ومن أفاعيله النّكراء، ثم فرَّ هاربًا إلى أحد ملوك غسان لِيحتمي به، فقال أحد الشعراء في ذلك:

هل كان للفطيون عَقر نِساءكم .. حكم النَّصيب فبِئس حكم الحاكمِ

حتّى حَباه مالك بمرشـــةٍ .. حمراءَ تضحك عن نجيعٍ قاتمِ

وقيل: إن مالك ابن العجلان احتمى برجل من الخزرج يُدعى أبو جبيلة والذي كانت له مكانة عظيمة عند ملك غسان، فروى له ما فعل الفطيون بقومه، وما كان من قتله له، فأقسم أبو جبيلة على أن يُذل اليهود في يثرب وأن يُمكن الأوس والخزرج من يثرب ويعز من شأنهم.

وحينما عزم أبو جبيلة أمره، سار إلى يثرب ومعه جنوده، وأقام بجنوده في الصحراء قبل المدينة بذي حرض، ثم دعا إليه  وجوه وأشراف اليهود وسادتهم ليجتمع بهم، زاعما أنه يود أن يُحسن إليهم ، فأتوا إليه في موكب كبير من حشم وخدم، طلب منهم أن يدخلوا إليه واحداً تلو الآخر، وأخذ يأمر بقتلهم تباعًا حتى قتلهم جميعًا، وقيل أنه قتل منهم قرابة ثلاثمائة وخمسين رجلًا من الأشراف والأعلام، فذُلّ يهود يثرب لمقتل حكامهم، وعلا شأن الأوس والخزرج وآلت إليهم أموال اليهود، وقيل: إن إحدى نساء اليهود رثت قومها جرّاء تلك الفاجعة فقالت:

بأهلي لمة لن تغن شيئًا .. بذي حرض تُصفقها الرياح

شباب من قُريظة أَتلفتها .. سُيوف الخَزرجية والرماح

ولو أَربوا بأمرهم لَحالتْ .. هُنالِك دُونهم خود رداح

مكيدته لليهود :-

رغم الفاجعة التي حلّت بيهود يثرب، إلا أن ذلك لم يشفِ غَليل مالك بن العجلان ، وأخذ يحيك المكيدة للقضاء على ما تبقى  من نفوذ لليهود في يثرب، فاتفق مع قومه لدعوة أشراف المدينة على وليمة للتصالح، إلا أن اليهود لم يرضوا بذلك وذكّروهم بحادثة أبي خزيمة، إلا أن مالك أقنعهم برغبته في الصلح وأنه ليس له يد فيما حدث، وافق اليهود ولبُّوا دعوة مالك، فوفد اليهود إلى مالك، وكان قد اتفق مع قومه، وقتلوا كل من يدخل إليهم من اليهود واحدًا تلو الآخر فقتلوا بضعًا وثمانين من أشرافهم حتى توقف اليهود عن الدخول بعدما أَوجسوا من مالك خِيفة، وقضت مكيدة مالك على نفوذ اليهود في المدينة، ومن بقي منهم أصبح يحتمي بأوسيّ أو خزرجيّ.

مالك بن العجلان وحرب سُمَيْر :-

ظلّ الأوس والخزرج على وفاق حتى بدأت  حرب عُرفت بحرب سمير والتي تم ذكرها بكتاب الأغاني للأصفهاني، وكان سُمَير بن زيد بن مالك من الأوس من بني عمرو بن عوف قد قتل حليفًا لمالك بن العجلان الخزرجي كان يُدعى كعب بن العجلان، فطلب مالك من بني عمرو بن عوف ديّة كاملة للقتيل وليس النصف ، وكان العرب يأخذون دية الحَليف نصف ديّة النَّسيب، إلا أنهم رفضوا فعزم مالك على الثأر للقتيل فاندلعت الحرب التي انتهت بدفع الأوس ديّة القتيل كاملة، إلا أن الكراهية بين الأوس والخزرج لم تنتهي فقد قُتل الكثير منهم في سجال الحرب بينهم، وأُريقت الكثير من الدماء، فاحتدمَت العداوة بين الفريقين.

ابن العجلان عاش في يثرب الشهيرة بالزارعة.

مُذْهَبة مالك بن العجلان :-

صنّف أبو زيد القرشي في كتابه “جمهرة أشعار العرب”؛ مالك بن العجلان الخزرجي ، ضمن شعراء الطبقة الرابعة، وهم أصحاب المُذهبات، والتي تضم أيضاً حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وقيس بن الخطيم، وأحيحة بن الحلاج، وأبو قيس بن الأسلت، وعمرو بن امرئ القيس، وقد اختار القرشي قصيدة ابن العجلان التالية من المُذهبات:

إنّ سُمَيْرًا أَرَى عَشِيرَتَهُ .. قَد حَدِبُوا دُونَهُ وقَدْ أَنِفُوا

إنْ يَكُنِ الظّنُّ صَادِقًا بِبَني النّجّارِ.. لا يُطْعِمُوا الذي عَلَفُوا

لَنْ يُسَلِمُونَا لِمَعْشَرٍ أَبَدًا .. مَا كَانَ مِنْهُمْ بِبَطنِهَا شَرَفُ

لكِنْ مَوَاليّ قَدْ بَدَا لَهمُ .. رَأْيٌ سِوَى ما لَدَيّ أو ضَعُفُوا

إمّا يَخيِمُونَ في اللِّقاءِ وإما .. وِدُّهم في الصّدِيقِ مُضْطَعَفُ

بَينَ بَني جُحجَبَى وبَينَ بَنِي .. زيدٍ فَأَنّي لجاريَ التَّلَفُ؟

لاَ نَقْبَلُ الدّهْرَ دُونَ سُنّتِنا .. فينا ولا دونَ ذاكَ مُنْصَرَفُ

إنْ لاَ يُؤَدّوا الذي يُقَالُ لَهُم .. في جَارِنَا يُقْتَلُوا وَيُخْتَطَفُوا

مَا مِثْلنَا يُحْتَدَى بِسَفْكِ دَمٍ .. ما كانَ فِينَا السّيوفُ والزُّغَفُ

تعرف على بلقيس .. الشخصية التاريخية التي شغلت العقول

المصادر:-

  • ابن المظهر، البدء والتاريخ.
  • خير الدين الزركلي، الأعلام.
  • أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني.
  • أبو زيد القرشي، جمهرة أشعار العرب.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى