أخبار العرب

مالك بن الريب .. صاحب المرثية الباكية

كان دائمًا يتميز عن الصعاليك بشجاعته الظاهرة، وفروسيته الباهرة، ووسامته الملحوظة

كانت نهاية مالك بدايةً مُتفردة، ويائيَّته روعةً مُخلدة، خلَّد فيها لحظات المنية، بقصيدته المرثية، عاش قاطعًا للطرقات، ثم عاد تائبًا مجاهدًا في صفوف السريات، ثم مات شاعرًا بقصيدة من الخالدات.

من هو مالك بن الريب ؟

هو مالك بن الريب بن حوط بن قرط بن حسل بن عاتك بن خالد بن ربيعة المازني التميمي، فارس لا يُشق له غبار، حسن الهندام، قوي البنيان.

وُلد في عهد عمر بن الخطاب في قرية عنيزة بالقصيم، وقد عاش حتى فترة حكم معاوية بن أبي سفيان، وكان مالك نبيلًا شجاعًا، عزَّ عليه أن يرى الظلم والفاقة والقمع الذي يعيشه الشعب، في حين أن الثروات والترف والبذخ كانت حكرًا على الأمويين وأتباعهم، فانضم إلى حياة الذؤبان، ليس جشعًا، إنما رغبةً في إنتزاع الحقوق بالقوة وبحدِّ السيف من الطغاة وأتباعهم.

عصابة من الصعاليك:-

كوّن مالك بن الريب عصابةً من الصعاليك وقُطاع الطرق، لكنه كان دائمًا يتميز عنهم بشجاعته الظاهرة، وفروسيته الباهرة، ووسامته الملحوظة، فكان أشبه بفرسان ونبلاء العرب، وكان من أعمدة هذه العصابة شظاظ الظبي الذي يُضرب به المثل فيقول العرب: “ألص من شظاظ”، ومنهم أيضًا أبو حردبة بن أثالة، وغويث بن كعب، وقد وُجِّهت الكثير من الحملات للقضاء على تلك العصابة لكنها كانت دائمًا ما تبوء بالفشل.

توبةٌ نصوح:-

عكف مالك بن الريب على حاله في قطع الطرق سنوات، وذات يومٍ مرّ عليه سعيد بن عثمان والي خراسان حفيد الصحابي عثمان بن عفان – رضي الله عنه – فوعظه ونصحه بالتوبة عن قطع الطرق وفتح له باب الجهاد في سبيل الله وأثني على فروسيته وشجاعته، فلقيت نصيحة سعيد في قلبه موضعًا فاستجاب له، وذهب معه لأرض خراسان للغزو، وأبلى بلاءً حسنًا.

أشعار مالك بن الريب

بائية مالك بن الريب:-

أنشدها قُبيل رحيله مع سعيد بن عثمان للغزو، وجسّد فيها لوعة الفراق، وانتحاب ابنته لرحيله، كما تتجلى في كلماتها قوة إيمانه بالله وبقدره، وصدق توبته، وعزمه على المُضي قُدمًا في سبيله، فيقول فيها:

اسكتي قد حززتِ بالدمعِ قلبي..

طالما حزَّ دمعكنَّ القلـوبـا

فعسى الله أن يدفـعَ عـنّـي..

ريبَ ما تحذرينَ حتى أَؤوبـا

ليس شيء يشاؤه ذو المعالـي..

بعزيزٍ عليه فادعي المُجيبـا

ودعي أن تقطعي الآن قلبـي..

أو تريني في رحلتي تعذيبـا

أنا في قبضة الإلـه إذا كـنتُ..

بعيدًا أو كنت منكِ قريبـا

كم رأينا امرأً أتى من بـعـيدٍ..

ومقيمًا على الفراشِ أُصيبـا

فدعيني من انتحـابـك إنـي..

لا أبالي إذا اعتزمتِ النحيبـا

يائيَّة مالك بن الريب الباكية:-

لم يكن في حياته ما يُمهد لميلاد شاعر، ولم يصلنا عنه كثير أشعار تذكر، لكن لحظات وفاته كانت هي الميلاد لقصيدة أنشدها يرثي فيها نفسه، ويكشف فيها الستار عن مالك بن الريب شاعر القصيدة الواحدة، هي عين من عيون الشعر العربي وفريدة من فرائده، وهي مزيج من الألم والذكريات والحنين، وكان شعور الغربة، غربة الأهل، والوطن، وغربة الموت هي النغمة المسيطرة على أبيات قصيدته اليائية الباكية قبل أن تكون مُبكية، إذ يقول في مَطلع مرثيته:

ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةً..

بوادي الغضَى أُزجي الِقلاصَ النواجيا

فَليتَ الغضى لم يقطع الركبُ عرْضَه..

وليتَ الغضى ماشى الرِّكاب لياليا

لقد كان في أهلِ الغضى لو دنا الغضى..

مزارٌ ولكنَّ الغضى ليس دانيا

ألم ترَني بِعتُ الضلالةَ بالهدى..

وأصبحتُ في جيش ابن عفّانَ غازيا

وأصبحتُ في أرض الأعاديَّ بعد ما..

أرانيَ عن أرض الآعاديّ قاصِيا

دعاني الهوى من أهل أُودَ وصُحبتي..

بذي (الطِّبَّسَيْنِ) فالتفتُّ ورائيا

أجبتُ الهوى لمّا دعاني بزفرةٍ..

تقنَّعتُ منها أن أُلامَ ردائيا

أقول وقد حالتْ قُرى الكُردِ بيننا..

جزى اللهُ عَمرًا خيرَ ما كان جازيا

إنِ اللهُ يُرجعني من الغزو لا أُرى..

وإن قلَّ مالي طالِبًا ما ورائيا

تقول ابنتيْ لمّا رأت طولَ رحلتي..

سِفارُكَ هذا تاركي لا أبا ليا

لَعمري لئن غالتْ خراسانُ هامتي..

لقد كنتُ عن بابَي خراسان نائيا

فإن أنجُ من بابَي خراسان لا أعدْ..

إليها وإن منَّيتُموني الأمانيا

فللهِ دّرِّي يوم أتركُ طائعًا..

بَنيّ بأعلى الرَّقمتَينِ وماليا

ودرُّ الظبَّاء السانحات عشيةً..

يُخَبّرنَ أنّي هالك مَنْ ورائيا

ودرُّ كبيريَّ اللذين كلاهما..

عَليَّ شفيقٌ ناصح لو نَهانيا

ودرّ الرجال الشاهدين تَفتُ كي..

بأمريَ ألاّ يَقْصُروا من وَثاقِيا

ودرّ الهوى من حيث يدعو صحابتي..

ودّرُّ لجاجاتي ودرّ انتِهائيا

روايات متعددة عن وفاته:-

توفي عام 60ھ، وقد تعددت الروايات حول سبب موته ومنها:

● يقول الأصفهاني: “مَرِضَ مالك بن الريب عند قُفول سعيد بن عثمان من خراسان في طريقه فلما أشرف على الموت تخلّف معه مرة الكاتب وآخر من قومه من بني تميم ومات في منزله ذلك فدفنَاه وقال قبل موته قصيدته هذه يرثي بها نفسه”

● ويقول ابن عبد ربه: “وقال مالك بن الريب يرثي نفسه، ويصف قبره وكان خرج مع سعيد بن عثمان بن عفان لما وُلي خراسان، فلما كان ببعض الطريق أراد أن يلبس خفه، فإذا بأفعى في داخله فلسعته فلما أحسّ بالموت استلقى على قفاه ثم أنشأ يقول” وذكر قصيدته اليائيَّة الطويلة.

● ويذكر أبو علي القالي في الأمالي عدة أسباب وروايات مختلفة لموت مالك منها أنه طُعن طعنةً أودت بحياته أثناء إحدى الغزوات.

وبَلِّغ أخِي عمــران بُرْدِي ومِئْزَرِي .. وبَلَّـــغ عَجوزِي اليومَ ألَّا تَدَانِيَـا

وسَلِّم على شَيْخي مِنِّي كِـــلَاهُمـا .. وبلِّــغْ كثيراً وابْنَ عَمْـي وخَـالِيا

وَعطِّل قَلُوصِي في الرِّكـابِ فإنَّهـا .. ستبرد أكباداً وتُبْكِي بَوَاكِيـَا

أقَلِّبُ طَرْفِي حَـــوْلَ رَحْلِيَ فَــلَا أرى .. بــهِ مِنْ عيونِ المؤْنِسات مُرَاعِيـا

المصادر:-

● الأغاني، الأصفهاني، ج22، ص223.
● العقد الفريد، ابن عبد ربه، ج3، ص245.
● الأمالي، أبو علي القالي، ص135.
● الشعر والشعراء، ابن قتيبة.

  • الفتح العربي الإسلامي في سيرة مالك بن الريب المازني، سليمان الخشن، 1994.
  • جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام.

https://tile.loc.gov/storage-services/service/pnp/matpc/06800/06819v.jpg

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى