معلومات تاريخية

لماذا تفوقت الخلافة العباسية على نظيرتها الأموية في رعاية العلوم؟

النهضة في العصر العباسي كانت ثمرةً وامتداداً للبذرة التي زُرِعَت في العهد الأموي

عندما قامت الدولة الأموية؛ استندت كثيراً إلى تثبيت دعائم الحكم والسياسة، ولم تُلقِ بالاً إلى ثقافة الأمم الأجنبية والحضارات القديمة، واهتمت فقط بتدوين العلوم الدينية والعلوم اللغوية عند العرب، وانتشرت في ذلك العصر ظاهرة الاهتمام باستنباط الأحكام الشرعية من واجب ومحظور ومندوب ومباح ومكروه، وذلك بالرجوع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وشاع صيت المذاهب الفقهية، وكانت هنالك بعض الاهتمامات بنقل الكتب القديمة وترجمتها للغة العربية، فكان خالد بن يزيد بن معاوية (ت 90هـ) أول من نقل العلوم الفلسفية إلى اللغة العربية، ولأنه كان مغرماً بصناعة الكيمياء؛ فقد أمر بترجمة كتب الكيمياء وغيرها من كتب القدماء، وفي عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز؛ قام ماسرجويه بترجمة بعض كتب الطب من السريانية إلى العربية.

أسماء علمية كبيرة ظهرت منذ نهايات العصر الأموي
أسماء علمية كبيرة ظهرت منذ نهايات العصر الأموي

التدوين:-

والحق أن تدوين العلوم لم يصبح ظاهرة واسعة مشتهرة إلا في العصر العباسي لكن ذلك لم يحدث فجأة، وإنما سبقته مراحل طويلة كانت العلوم تُدَوَّن فيها على استحياء كعامل يساعد الذاكرة والحفظ، الذي ظل يمثل عماد الحركة العلمية الأكثر احتراماً وتقديراً، وقد وُجِدَتْ عدة عوامل أحاطت بذلك التدوين التاريخي في طوره التمهيدي الباكر قبل العصر العباسي وفي طوره النشط الذي أصبح فيه ظاهرة عامة، فالنهضة الفكرية التي ظهرت في العصر العباسي كانت ثمرةً وامتداداً للبذرة التي زُرِعَت في العصر الأموي، فالعلوم التي كانت أجنَّةً في بطون أمهاتها في العصر الأموي خرجت للنور في العصر العباسي الذي طوَّر هذه العلوم، وجمع علوماً أخرى من الثقافات المختلفة والأمم القديمة المتنوعة، وتَدَخَّل علماء من أصل غير عربي وساهموا في نقل ونشر الثقافات الأجنبية، فكان العصر العباسي العصر الذهبي لتطور الفنون والعلوم، وبلغ المسلمون فيه من الرقي والتطور والعمران ما لم يبلغوه قبل ولا بعد.

الدولة الأموية:-

هنالك بعض الملامح والمعطيات التي لم تُسعِف الدولة الأموية على بناء منظومة علمية حصينة ورصينة كتلك التي ظهرت لاحقاً في العصر العباسي، ومن بين هذه الملامح:

  • يمكن اعتبار الدولة الأموية -التي استمرَّت 91 عاماً فقط (41-132 هجرية)- بمثابة امتداد للفكر البسيط وغير المعقد الذي ساد الجزيرة العربية، فحينما انتقل مقر الخلافة من المدينة المنورة إلى دمشق؛ لم يكن هناك إرثاً مكتوباً لدى المسلمين باستثناء القرآن الكريم.
  • نظراً لسريان روح البداوة في أوصال الدولة الأموية المستمدة من جذورها المتأصلة في الجزيرة العربية؛ فلم تكن العلوم والفنون والفلسفات صاحبة أولوية لدى القائمين على الدولة، وهو أمر تناوله العملاق ابن خلدون في مقدمته.
  • اعتمد العرب في الجزيرة العربية على ثقافة المشافهة، ولم يكن لديهم كتابات أو مراجع علمية خاصَّة بهم من شأنها المساعدة على بناء منظومة علمية توازي تلك التي تمتعت بها الحضارات المجاورة، وحينما انتقل العرب إلى دمشق، فقد كان عليهم الشروع في تدشين هذه الترسانة العلمية وذلك لسد الفجوة الحضارية التي تفصلهم عن اليونان وفارس وسواهما.
  • الانقسامات السياسية والحروب المتعددة التي اندلعت خلال العهد الأموي، وذلك في ظل انقسام المسلمين حيال شرعية بني أمية في الحصول على الحكم.
  • يلاحظ أن أصحاب الديانات الأخرى كان لديهم علوماً تفوق ما كان لدى المسلمين خلال العصر الأموي، فابن آثال المسيحي كان طبيب أول خليفة أموي (معاوية بن أبي سفيان)، فيما كان اليهودي ماسرجويه هو ذلك الطبيب الذي تعالج لديه الخليفة عمر بن عبد العزيز، وفي هذا الشأن يمكن ضرب عشرات الأمثلة.
  • وجود النزعة الشعوبية لدى بعض الخلفاء الأمويين تجاه العجم الذي أسلموا وكان لديهم اليد الطولى في ازدهار العلوم خلال العصر العباسي.
  • بُعد مركز الخلافة “دمشق” جغرافياً عن بلاد فارس التي قدمت عدداً هائلاً من العلماء المسلمين في العهد العباسي حيث كانت بغداد قريبة من فارس.

عوامل سطوع نجم العلوم في العصر العباسي:-

كان هنالك الكثير من العوامل التي ساهمت بتطور العلوم وسطوع نجمها في العصر العباسي عنه في العصر الأموي، وأهم هذه العوامل:

1- انفتاح العباسيين على الثقافات والحضارات الأخرى التي نهلوا من علومها؛ مثل: الحضارات الفارسية واليونانية والهندية، حيث شجع العباسيون الانفتاح على هذه الأمم، فقاموا بترجمة كتبهم، وتوسعوا فيها، وزادوا عليها، وبذلك امتزجت الثقافة العربية بثقافات الحضارات السابقة.

ومن الأمثلة على ذلك:

  • يعتبر ابن المقفَّع ( قُتلَ سنة 142 هجرية) أول من عُنِي في الإسلام بترجمة كتب المنطق، وكان كاتب أبي جعفر المنصور، وقد تولى كتابة الديوان له، وترجم له كتب أرسطوطاليس الثلاثة في المنطق.
  • سهل بن ربن الطبري (القرن الثاني الهجري) والذي كان عالماً بارعاً في الطب، والهندسة، والتنجيم، والرياضيات، والفلسفة، كان أول من ترجم إلى العربية كتاب «المجسطي» لبطليموس.
  • الطبيب يوحنا بن ماسويه (توفي سنة 243 هجرية) كان أحد الذين عهد إليهم الخليفة العباسي هارون الرشيد بترجمة ما وجد من كتب الطب القديمة، في أنقرة وعمّورية وغيرهما من بلاد الروم، وجعله أميناً على الترجمة، ورتب له كتَّابا حاذقين بين يديه.
  • الطبيب حنين بن إسحاق (توفِّي سنة 260 هجرية) تولى ترجمة كتب كثيرة، وخصوصاً من كتب الإغريقي جالينوس، بعضها إلى اللغة السريانية وبعضها إلى العربية.
مقدمة كتاب حنين بن إسحاق في العين – مكتبة قطر الرقمية

2-خلال العصر العباسي، لم يكن هناك حركات شعوبية ذات طبيعة مؤسسية تميز بين العربي والأعجمي كتلك التي ظهرت في العهد الأموي، وهو ما مكَّن من الاستفادة من قدرات العلماء في شتى الميادين، ومنهم نذكر:

  • الطبيب علي بن سهل بن ربن الطبري – طبرستان (جنوب غرب طبرستان حالياً).
  • الفلكيون والمهندسون بنو موسى بن شاكر – خراسان (بين إيران وأفغانستان).

3- اهتمام الخلفاء العباسيين بالعلوم والفنون والأدب، وخاصة أبو جعفر المنصور (ت 158هـ)، وهارون الرشيد (ت 193هـ)، والمأمون (ت 218هـ)، فجلبوا من بلاد الروم والهند وفارس ومصر واليونان الكثير من الكتب، وأجزلوا العطاء للعلماء والمترجمين، وشجَّعوهم، وقرَّبوهم منهم، ووفَّروا لهم كل ما يحتاجونه في بحوثهم ودراساتهم، فكان لذلك أثر كبير على الرقي الفكري في هذا العصر.

4- التوسع في التعليم العام، وبناء المدارس والمؤسسات الثقافية، وأهمها بيت الحكمة التي كان لها أثر في ازدهار الحركة العلمية، وانتشار العلوم الإنسانية والتجريبية، ونشر الحضارة العربية إلى الغرب.

شهد العصر العباسي ولادة علوم جديدة مثل استقلال الصيدلة عن الطبمكتبة الكونغرس

5- تولي البرامكة شؤون كثير من مؤسسات الدولة العباسية، وقد كانوا أصحاب علوم ومعارف ولعبوا دوراً بارزاً في الدفع بالحركة العلمية والثقافية في بغداد وجوارها، إلى أن تم التنكيل بهم من قبل هارون الرشيد وذلك بعد ان استشعر خطر استفحال هيمنتهم على مقاليد صناعة القرار.

وبفضل وقوف الأسرة العجمية إلى جانب العباسيين في ثورتهم على الأمويين؛ فقد تقدَّم أبناءها في البلاط العباسي حتى نال أفرادها الحظوة والهيمنة في بداية عهد حُكم الرشيد الذي قلَّد عدداً من أبنائها لأبرز مناصب الدولة، وقد اشتهروا بالذكاء والفطنة والعلم والعمل، مع ميلهم لتبني الشعوبية، أي التقليل من شأن العرب مقابل الفُرس.

الخُلاصة:-

تفوقت الخلافة العباسية على سابقتها الأموية في رعاية العلم وإطلاق العنان للعلماء، وذلك لأن الأخيرة كان بمثابة دولة تعكف على إرساء أسس لم تكن موجودة أساساً لدى العرب والمسلمين، فيما بنت الأولى وأضافت الكثير على ما وضعته الثانية.

كما أن الخلافة العباسية كانت قد بدأ عصرها وقد تمكن العرب والمسلمون من ناصية بعض العلوم وذلك بفضل الترجمات والاحتكاك بالحضارات المجاورة فضلاً عن الاستفادة من العلماء الذين وفدوا إلى عاصمة الخلافة التي أجزلت العطاء لهم، لينقلوا خبراتهم ومعارفهم إلى نظرائهم العرب.

وعلينا ألا نغفل وصول العرب خلال العصر العباسي إلى مرحلة النضوج المؤسسي مقارنة بما كان الحال عليه في الجزيرة العربية قبل الإسلام، فقد بات لديهم الدواوين والبريد والمعاهد العلمية ودور الترجمة ومراكز البحث ورصد الفلك..

ازدهار معظم العلوم خلال العصر العباسي

المصادر:

بيت الحكمة البغدادي وأثره على الحركة العلمية في الدولة العباسية (54 وما بعدها).

تطور العلوم في العصر العباسي eandt91.wordpress.com/2016/12/15/تطور-العلوم-في-العصر-العباسي-بإشارة-خا/

راغب السرجاني – موقع قصة الإسلام (https://islamstory.com/ar/artical/20138).

تاريخ المنطق عند العرب (172).

الفهرست لابن النديم (2/300).

مجلة الفيصل، العدد 35، (ص 108).

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق