معلومات تاريخية

لماذا أُجهض مشروع المعتزلة ؟

المشروع التنويري الأول في الثقافة والحضارة الإسلامية

توطئة:-

المعتزلة .. تلك الفئة التي رأت أول الأمر أن الأمر الفقهي للإسلام لابد أن يدار وفقاً للعقل ليس إلا ولا يتم الاحتكام للنص أو العقل، بل لابد أن يطغى العقل على النقل، ومن هناك أصبحت المعتزلة منذ اعتزال واصل بن عطاء تلميذ التابعي الشهير الحسن البصري عن حلقات درسه هي البداية للأمر الجلل لمشروع المعتزلة الذي حدث بعد ذلك.

في هذا المقال؛ نتحدث عن مشروع المعتزلة التنويري في الثقافة الإسلامية ونبذة مختصرة عن تاريخهم وتأثيرها في الثقافة التنويرية الليبرالية في الفلسفة الإسلامي أو في مخيّلات الفكر الإسلامي ونناقش كيف أنهار حلم المعتزلة في نشر أفكارهم.

من هم المعتزلة ؟

لقد أثار مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه الفتنة ما بين المسلمين، ونرى أن الفتنة هذه كانت البداية الأولى للمعتزلة أو لظهور حزب ثالث بديل الحزبين الأساسيين اللذين خاضا الحروب ضد بعضهما البعض، حيث نجد أن مجموعة كبيرة من الصحابة اعتزلت تلك الحرب بالمفهوم المادي والمعنوي على حد سواء.

بعد استقرار الدولة الأموية وانتصارها على الأعداء بدأ منظور المعتزلة الثقافي يتبلوّر خاصة مع فتح الأمصار المختلفة و انفتاح المسلمين على الثقافات الأخرى ولا سيما الثقافة اليونانية التي كانت تتبنى الجدل والنقاش والنقد عبر فلسفتها اليونانية الأرسطية والأفلاطونية، لنجد أن تلك التأثيرات- وإن كانت ضعيفة في البداية – أثرت على فكر المعتزلة.

مبادرة واصل بن عطاء:-

ومن حيث التاريخ فإن المعتزلة وفكرتها ظهرت على الساحة – رسمياً- بعد اختلف واصل بن عطاء مع أستاذه الحسن البصري حول مفهوم مرتكب الكبيرة هل هو منافق خارج عن الملة أم أنه فاسق فقط لا يخرج من الملة، ولقد اشتبك الطرفان بل نجد أن مشروع آخر كان يتبلوّر ويتشكل وهو الخوارج.

الحسن البصري .. التابعي الزاهد

حسناً؛ نحن ما بين أحزاب سياسية لها جناحات دينية مثل الخوارج الذين لهم فقه خاص به، والسنة وهم أصحاب الدولة والرواية الرسمية، والمعتزلة وهم ما بين بين، لقد تبنوا العقل قبل كل شيء واستخدامه حتى فيما يخص الأمور العقائدية الصرفة كالذات الإلهية.

المعتزلة .. مشروع تنويري ليبرالي:-

لقد أهتم المعتزلة بالعقل والتنوير وإتخاذ الأمور الفلسفية العديدة التي تناقش العديد من الأمور اللاهوتية والتي تختلف اختلافاً كلياً عن المذهب الأشعري الذي انتشر في مراحل لاحقة لظهور المعتزلة.

لقد بني مشروع المعتزلة على المبادئ الليبرالية والحرية في الفكر وعدم التقيّد بالأمور الفقهية التي يتقيّد بها العقل الفقهي والجمعي للمسلمين، لقد بنوا هذا المشروع من خلال مزج المعارف المترجمة من فلسفة القدماء مع العلوم الطبيعية وتأثيرها في الإنسان، ومزجها بالعلوم الشرعية وهذه المرحلة مزجت الافكار الليبرالية بفكرة تفسير الفقه الإسلامي وفقاً لهذه الفلسفة.

هذه المرحلة كان مشروع المعتزلة في البداية حيث العصر الأموي فماذا تم بعد ذلك؟

لماذا تم إجهاض مشروع المعتزلة وما هو السبب الحقيقي؟

ماكان للمعتزلة أن يصلوا للسلطة لأنها كانت بداية النهاية بالنسبة إليهم، لقد شكّل العصر العباسي العصر الذهبي لمشروعهم التنويري خاصة عندما تولى الخليفة المأمون الذي كان معتزلياً وشارباً للأفكار الليبرالية التنويرية للمعتزلة وحاول أن يطبّقها على الأرض.

لقد جاءت محنة خلق القرآن والتي كانت فكرة فلسفية متقدمة على العقل الجمعي للفقهاء المسلمين حينها هي مسمار في نعش هذا المشروع، لقد استخدم المأمون العنف الشديد السلطوي لنشر هذه الفكرة وفرضها على الفقهاء، وهنا أدى إلى ان المعتزلة أصبحوا فقهاء البلاط والسلطة وهذا أخرجهم عن دورهم التنويري.

وفاة هارون الرشيد تسدل الستار على حقبة مهمة:-

هذا من ناحية، وجاء موت الخليفة العباسي المعتزلي المأمون بن هارون الرشيد (170-218 هجرية) نهاية لهذا المشروع ونهاية لفكرة الفلسفة التنويرية التي برزت في محنة خلق القرآن وبالتالي تبني الخليفة الجديد أبي إسحاق محمد المعتصم سياسة إرضاء الفقهاء في هذه القضية والقضاء على مشروع المعتزلة وملاحقتهم حتى انزوى المشروع وبقيت بعض الكتابات التي تتبنى الفكر الليبرالي الإسلامي التي برزت في قرون خلت وحتى يومنا هذا.

الخليفة العباسي هارون الرشيد

في نهاية الأمر، لقد كان مشروع المعتزلة من أهم المشاريع الفكرية الفلسفية الإسلامية التي تبنت أفكار العقل والليبرالية التنويرية والتي لم تستمر وأجهضت ذاتياً كما رأينا في هذا المقال.

المصادر:-

https://www.freepik.com/free-vector/chess-game-concept-with-realistic-board-black-white-pieces_3976525.htm#page=3&query=think&position=21

Image by OpenClipart-Vectors from Pixabay

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى