أعلام

لبيد بن ربيعة .. الشاعر الفارس الشريف

كان عذبَ المنطق، رقيقَ حواشي الكلام

اسمه ونشأته وأسرته:-

لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر، أبو عقيل العامري، أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية، من أهل عالية نجد، وكان يقال لأبيه “ربيع المقترين”؛ لسخائه، وقد قتلته بنو أسد في حرب بينهم وبين قومه.

وقد قيل في شأن أبيه: قتلهُ منقذ بن طريف الأسدي، وقيل أيضاً: قتله صامت بن الأفقم من بني الصيداء، وفي رواية ثالثة؛ قيل: ضربه خالد بن نضلة وتمم عليه هذا.

ولمَّا قُتِلَ أبوه؛ كان لبيد ما يزال غلاماً صغير السِّن، فتكفَّله أعمامهُ حيث أشار إلى هذه الكفالة في شعره بقوله:

لَعِبــتُ على أكتَـــافِهِم وحُـجُورِهِــم .. وَلِـــيداً وَسَمَّوني لَـبيداً وعـاصِماً

وفي وقت لاحق؛ أدرك عمه عامر بن مالك بن جعفر بن كِلاب بثأر أخيه، وذلك أنه قتل قاتله، بحسب ما أورده ابن قتيبة في “الشعر والشعراء”.

و عُّمه هو أبو بَرَاء عامر بن مالك ملاعب الأسِنَّة، وقد سُمِيَ بذلك لقولِ أوس بن حَجَر فيه:

فَلاعَب أطـرافَ الأسَّنـةِ عَــامِرٌ..

فــرَاحَ لَهُ حـظُّ الكَتيبَةِ أجمَـعُ

أما أمُ لَبيد؛ فهي تامرة بنت زِنباع العبسية، إحدى بنات جذيمة بن رواحة، والتي نشأت يتيمة في حجر الرَّبيع بن زياد، وتزوَّجت أولاً قيس بن جزء بن خالد بن جعفر فولَدَت له أربد، ثم تزوَّجت ثانية؛ فأنجَبت لَبيد الذي كان مُعجباً بأخيه الأكبر العطوف عليه من جهة، والذي يتمتع بالفتوة والفروسية والكرم من جهة ثانية، وذلك على الرغم من إقباله على لذتيّ الجاهلية وهما: الخمر والميسر.

دخول لبيد الإسلام:-

وقد أدرك لبيد الإسلام، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بنى كلاب، فأسلم وحسن إسلامه، ورجعوا إلى بلادهم؛ لذا يعد لبيد من الصحابة، ومن المؤلفة قلوبهم.

سكن الكوفة، وعاش عمراً طويلاً، وكان شريفاً في الجاهلية والإسلام، وكان كريماً: نذر ألا تهب الصبا إلا نحر وأطعم.

أسلم لبيد بن ربيعة وحسُن إسلامه
أسلم لبيد وحسُن إسلامه

مَـنْ هَـدَاهُ سُبُــلَ الخَـيْرِ اهْتَدَى.. نَـاعِـــمَ البَــالِ ومِـنْ شَــاءَ أَضَــلَّ

لبيد بن ربيعة.

مكانته الشعرية:-

من شعراء الجاهلية وفرسانهم، وهو أحدث أصحاب المعلقات وآخرهم موتاً، جُمع بعض شعره في «ديوان» صغير، وترجم إلى الألمانية.

وهو شاعر بدوي يصف في شعره حياة بدوية صحراوية، ولا سيما في معلقته التي مطلعها:

عَفَتِ الــدِيارُ مَحَلُّهــا فَمُقامُـهــا .. بِمَنــىً تَأَبَّدَ غَولُها فَرِجـامُها

فَمَدافِــعُ الـــرَيّانِ عُرِّيَ رَسمُـهــا .. خَلَقــــاً كَما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها

دِمَنٌ تَجَــرَّمَ بَعدَ عَهدِ أَنيسِهــــا .. حِجَــجٌ خَلَونَ حَلالُها وَحَرامُها

رُزِقَت مَــرابيعَ النُــجـــومِ وَصابَهـــا .. وَدقُ الرَواعِدِ جَــودُها فَرِهامُها

مِن كُـــلِّ ســـارِيَةٍ وَغادٍ مُدجِـــنٍ .. وَعَشيَّـــةٍ مُتَجــاوِبٍ إِرزامُها

وفي شعره بعد ذلك -وهو الذي عمله في الكهولة والشيخوخة على ما يظهر- أثر الحكمة وقوة الشعور الديني؛ مثل قوله في الأبيات الرائعة:

أَرى الناسَ لا يَدرونَ ما قَدرُ أَمرِهِم .. بَلى كُلُّ ذي لُبٍّ إِلى اللَهِ واسِلُ

أَلا كُلُّ شَيءٍ مــا خَلا اللَهَ باطِـــلُ .. وَكُـــلُّ نَعيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ

وَكُلُّ أُناسٍ سَـــوفَ تَدخُــلُ بَينَهُــم .. دُوَيهِيَـــةٌ تَصفَرُّ مِنها الأَنامِـلُ

وَكُلُّ اِمـرِئٍ يَومـــاً سَيَعلَــمُ سَعيَـــهُ .. إِذا كُشِّفَت عِندَ الإِلَهِ المَحاصِـلُ

وكان لبيد أحدث أصحاب المعلقات عصراً وآخرهم موتاً، وشعر لبيد مثال للفخامة والقوة والمتانة والبداوة، فتراه فخم العبارة، قوي اللفظ، قليل الحشو، مزداناً بالحكمة العالية والموعظة الحسنة.

ولبيد من أحسن الجاهليين تصرفاً في الرثاء وفخره، قوي ينم عن شرفه وعزته ومجده وحسبه العريق.

وقد نظَّم لبيد الشعر في جاهليته، وجرى به على سنن الأشراف والفرسان؛ كعنترة، وعمرو بن كلثوم، فلم يتكسَّب بشعره؛ ولذلك ترى فيه -ولا سيما معلقته- قوة الفخر، والتحدث بالفتوة والنجدة والكرم، وإيواء الجار وعزة القبيلة.

هذا ويقدم لبيد بن ربيعة بعض النقاد محتجين بأنه أفضلهم في الجاهلية والإسلام وأقلهم لغواً في شعره، وقالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله لبيداً ما أشعره في قوله:

ذَهَبَ الَّذينَ يُعاشُ في أَكنافِهِم .. وَبَقيْتُ في خَلفٍ كَجِلدِ الأَجرَبِ

لا يَنْفَعُـــوْنَ ولا يُرْجَــى خَيْرُهُــمْ .. وَيُعــــابُ قائِلُهُم وَإِن لَم يَشغَبِ

هل قال الشعر بعد إسلامه؟

قيل: إنه ما قال شعراً منذ أسلم، قال ابن عبد البَرِّ: “وأكثر أهل الآثار قال: إن لبيداً لم يقل شعراً في الإسلام منذ أسلم”، وقال بعضهم: ترك الشعر، فلم يقل في الإسلام إلا بيتاً واحداً؛ وهو قوله :

ما عاتبَ المرءَ الكريــمَ كنفسِــهِ .. والمَـــرءُ يُصلـحُهُ القرينُ الصَّالحُ

وقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنشدني من شعرك، فقرأ سورة البقرة، وقال: ما كنت لأقول شعراً بعد إذ علَّمني الله سورة البقرة وآل عمران، فزاده عمر في عطائه خمسمائة درهم، وكان ألفين.

لبيد بن ربيعة

ديوان لبيد:-

بعض قصائده الواردة في ديوانه تغلُب عليها المسحة الدينية، وليست هذه بالضرورة أثراً من آثار الإسلام، إذ يبدو جلياً أن روح التديُّن قد خالطت نفسه وهو ما يزال في الجاهلية، ولكن الإسلام زادَها عمقاً.

وفي شعره ذخيرة كبيرة من اللغة النجدية التي أصبح شعره شواهد لها في كُتُب اللُّغة، وكان البدو الكلابيون الذين روى العلماء عنهم اللُّغة؛ ذوي أثر في تقريب شعره إلى الأفهام.

وكان الأئمة قد عُنوا بشعره فعمل ديوانه غير واحد، وأبرزهم:

أصدق كلمة:-

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ، كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلٌ» أخرجه البخاري ومسلم.

أقوال الأعلام فيه:-

  • قال محمد بن سلَّام: “كان لبيد بن ربيعة أبو عقيل فارساً شاعراً شجاعاً، وكان عذبَ المنطق، رقيقَ حواشي الكلام، وكان مسلماً، رجلَ صِدْقٍ، وكان في الجاهلية خيرُ شاعرٍ لقومه يمدحهم ويرثيهم، ويعد أيَّامهم ووقائعهم وفرسانهم”.
تميز لبيد بالفروسية والشجاعة
  • عندما سمِع الفرزدق قول لبيد:

وخَلَا السُّيُولُ عن الطّلُــولِ كـأنَّها .. زُبُـــرٌ تُجِدُّ مُتُونَها أقلامُها

فسَجَدَ الفرزدق، فقيل له: ما هذا يا أبا فراس؟، فقال: أنتم تعرفون سجدة القٌرآن وأنا أعرِفُ سجدّة الشِّعر.

وفاة لبيد:-

توفي في الكوفة سنة 41هـ، فدُفِنَ في صحراء بني جعفر بن كلاب، ويُقالُ: إن وفاته كانت في أول خلافة معاوية، وأنه مات وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة، وقال مالك بن أنس: بلغني أنه عاش مائة وأربعين سنة.

وحينما بلغ أربعين ومئة كان لبيد قد قال:

ولقد سئِمْتُ من الحياةِ وطولِـها .. وسُؤَال هذا النَّاسِ كيفَ لَبيدُ ؟

غَلَبَ الزَّمـان وكــانَ غيرَ مُغلَّــــبِ .. دَهْـــــرٌ طويـلٌ دائمٌ محـدُودُ

يومٌ إذا يـأتـي عليه وليلــــةٌ .. وكِــلاهُمــــا بعد انقِضَـاهُ يَعُـودُ

حينما دقت ساعة وفاته؛ قال لَبيد لابن أخيه، – حيث لم يكُن لهُ ولدٌ ذكرٌ- ” يا بني إن أباك لم يمُت ولكِن فَنِيَ، فإذا قُبِضَ أبوكَ؛ فاقبله القِبلة وسجِّه بثوبه، ولا تَصرُخنَّ عليه صارخة، وانظر جَفنتيّ اللتين كُنتُ أصنعما، فاصنعهما ثمَّ احملهما إلى المسجد، فإذا سلَّم الإمام، فقدِّمهما إليهم، فإذا طَعِموا فقل لهم: فليحضُروا جنازةَ أخيهم، ثم أنشد قوله:

وإذا دَفنـــتَ أبَـــاك فاجعَــل .. فــوقَــــهُ خَشَبـــاً وطِينَــاً

وَصَفائِحــاً صُمَّـــاً رواسِيَهــــا .. يُسَــــدِّدنَ الغُضَونَا

لِيَقِينَ وَجــــهَ الَمرءِ سَفسَــافَ .. التُّـــرَابِ ولن يَقينَا

وقد كان لبيد من أجواد العرب، وكان قد آلى في الجاهلية أن لاتَهُبَّ صباً إلَّا أطعم، وكان له جفنتان يغدو بهما ويروح في كلِّ يومٍ على مسجِد قومه فيطعمهم.

وقد جاء في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: ” قَدِمَ لبيد على الرسول صالى الله عليه وسلم في وفد بني كلاب بعد وفاة أخيه أربد وعامر بن الطُّفيل؛ فأسلم وهاجر وحسُنَ إسلامه، ونزَل الكوفة أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعالى، فأقام بها، ومات بها هناك في آخر أيَّامِ معاوية بن أبي سفيان، فكان عمره مائة وخمساً وأربعين سنة، منها تسعون في الجاهلية، وبقيَّتها في الإسلام”.

المصادر:

  • أشعار الشعراء الستة الجاهليين (107).
  • الأعلام (5/240).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/230).
  • ديوان لبيد بن ربيعة ، شرح الطوسي، فهرسة حنا نصر.
  • ديوان لبيد بن ربيعة العامري، دار صادر، بيروت.
  • الشعر والشعراء (1/266/رقم 25).
  • طبقات فحول الشعراء (1/135/رقم 158).
  • العبر في أخبار من غبر (1/36).
  • جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام.
  • الوافي بالوفيات (24/299/رقم 3).

https://cdn.loc.gov/service/pnp/matpc/06800/06839v.jpg

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى