أعلاماختراعات

كيف وضع الفراهيدي علم العَروض ؟

سهر الخليل الليالي الطوال من أجل وضع علم العَروض، لا يريد جزاء ولا شكورًا

الفراهيدي صاحب الذكاء والبصيرة:-

وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي علم العَروض يدلُ على ذكاءً حادٍّ وبصيرة قوية، وقدرة لغوية عالية، فإذا كانت الطلبة عاجزين عن فهم تفاصيل هذا العلم بعد إرساء قواعده، فكيف برجل استنبط هذا العلم من الأشعار، ووضع قواعد تضبط نظّم الشعر بما يتوافق مع الأشعار العربية!

من هو الفراهيدي؟

هو الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي الأزدي، ولد سنة 100 ه‍‍، وتوفي سنة 170ه‍‍ـ، أحد أئمة اللغة وعلماء البصرة، ويعد أول شخص صنّف معجمًا متكاملًا سماه كتاب العين، وهو معجم كبير، كما أنه صاحب الفضل في وضع حجر الأساس في علميّ النحو والصرف، وكذلك علم الأصوات، إضافة إلى وضع الفراهيدي علم العَروض.

خور العشار في مدينة البصرة التي عاش فيها الفراهيدي (الصورة تعود لبداية القرن العشرين)
خور العشار في مدينة البصرة التي عاش فيها الفراهيدي ( الصورة تعود لبداية القرن العشرين-مكتبة قطر الرقمية)

ما هو علم العروض؟

العَروض – بفتح العين لا بضمها – يطلق على أشياء متعددة منها: الناحية، أو مكة المكرمة والمدينة المنورة وما حولهما، أو عروض البيت هو آخر شطره الأول.
في الاصطلاح: هو علم يعرف به صحيح أوزان الشعر العربي من فاسدها، وما يعتريها من زحاف وعلة.
موضوعه: هو الشعر العربي.

الخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العروض.
الخليل بن أحمد الفراهيدي عالم اللغة وواضع علم العروض.

كيف وضع الفراهيدي علم العروض؟

اختلفت الآراء حول كيفية اهتداء الخليل بن أحمد الفراهيدي لوضع علم العروض، فمنها ما يلي:

  • يقال إن الخليل دعا الله في الحرم أن يوفق لعلم لم يسبق إليه، لما رأى ذيوع صيت تلميذه سيبويه، وفي ذلك يقول أبو سعيد بن محمد الآثاري:-

علم الخليل رحمة الله عليه***سببه ميل الورى لسيبويه

فخرج الإمام يسعى للحرم***يسأل رب البيت من فيض الكرم

فزاده علم العروض فانتشر***بين الورى فأقبلت له البشر.

ويرد بأن الخليل ذاع صيته وعُرف قبل سيبويه.

  • وقيل إن سبب وضع الخليل العروض أنه مر بسوق النحاسين، فسمع دقدقة المطارق على الطسوت، فهداه الله إلى تقطيع بيت من الشعر، وابتكار علم العروض.
    ويرد عليه بأن الخليل كان على معرفة بعلم النغم والإيقاع، وقد ألف فيه كتابَا، سماه النغم والإيقاع.
  • قيل إن الدافع إلى وضع الخليل العروض هو المحافظة على الشعر العربي من أن يُنظم بوزن غير الذي عرفته العرب، كما بدأ بعض الناس في عصره يفعلون.
  • وقيل إن وضع الخليل العروض كان بسبب علمه واطلاعه الواسع بالنغم والموسيقى، واستطاع أن يفطن إلى العلاقة بين أوزان الشعر العربي، والموسيقى.
  • حدَّث النحوي الشهير النضر بن شميل قال: “كان أصحابُ الشِّعر يمُرون بالخليل فيتكلَّمون في النحو، فقالَ الخليل: لا بُدَّ لهُم من أصل، فوضَعَ العَروض، وخلا في بيت، ووَضَعَ بين يديهِ طستاً أو ما أشبه الطست، فجعل يقرعه بعودٍ ويقول: فاعلن مستفعلن فعولن، قال: فسمعهُ أخوه، فخَرَجَ إلى المسجد، فقال: إن أخي أصابهُ جُنون، فأدخلهم عليه وهو يضرِب الطست، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، مالَك؟ أصابكَ شيءٌ، أتحِبُ أن نُعالجك؟ فقال: وما ذاك، قالوا: أخوكَ زَعَمَ أنكَ قد خُولطت، فانشأ يقول:

لو كُنـــتَ تعــــلمُ ما أقـــولُ عــذرتــني .. أو كنتُ أجهلُ ما تقولُ عذلتكما

لكن جهِـــلتَ مقالتي فعذلتني .. وعلمتُ أنك جاهلٌ فعذرتكما

ومهما كان السبب الذي هدى الخليل لوضع علم العروض؛ فلا شك أنه بذل جهودًا كبيرة في وضعه، وفي استنباطه، وأنه سهر الليالي الطوال من أجل وضعه، لا يريد جزاء ولا شكورًا.

أهمية وضع الفراهيدي علم العَروض:-

  • معرفة صحيح أوزان الشعر من فاسدها:-
    تعد هذه أول أهمية لعلم العروض فبه يستطيع الناقد أو الدراس تميز الشعر الصحيح من ناحية الوزن من الفاسد، فالعروض للشعر، كالنحو في الكلام والصرف في الأبنية.
  • حماية المولدين من النظم على غير أوزان العرب:-

إذا كان الاختلاط بالأعاجم قد أدى لظهور اللحن في اللغة، فإنه أيضًا قد أدى إلى ظهور أشعار مكسورة الوزن، فكان لِزامًا وضع الخليل العروض، حتى يحمي الشعر من فساد الوزن.

صفحتان من القرآن الكريم تعودان لبداية القرن الحادي عشر الميلادي، حيث يظهر الخط المستعمل في القيروان آنذاك
صفحتان من القرآن الكريم تعودان لبداية القرن الحادي عشر الميلادي، حيث يظهر الخط المستعمل في القيروان آنذاك – متحف الميتروبوليتان
  • إثبات أن القرآن الكريم والحديث الشريف ليسا من الشعر:-
    وذلك لأن الشعر هو الكلام الموزون قصدًا، فحتى لو وافقا الأوزان العروضية، فهما ليسا من الشعر، لأنه ليس الوزن لقصد الشعر.

خلاصة إنجاز الفراهيدي:-

إن وضع الخليل العروض بعث الحياة في الشعر العربي لمئات السنوات، وحافظ على رونقه وجماله، وحماه من ذهاب موسيقاه الجميلة، وضياع أوزانه المميزة، وساعد الشعراء غير المطبوعين في النظم على أوزان العرب.

المصادر:

  • معجم الأدباء لياقوت الحموي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى 3/1260، إنباه الرواة دار الفكر العربي القاهرة، الطبعة الأولى 1/376.
  • ميزان الذهب في صناعة شعر العرب، لسيد أحمد الهاشمي، دار الكتب العلمية، ص 4.
  • كتاب المرشد الوافي في العروض والقوافي، لمحمد حسن عثمان، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ص 7.
  • الوجه الجميل في علم الخليل، عالم الكتب، الطبعة الأولى ص 57 .
  • الحاشية الكبرى للدمنهوري، مطبعة البابي الحلبي، الطبعة الثانية، صفحة 19.
  • المرشد الوافي في العروض والقوافي، صفحة 8.
  • نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، محمد الطنطاوي.
الوسوم

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق