معلومات تاريخية

كيف نظّم حمورابي مهنة الطب في بابل ؟

تظهر هذه المواد مقدار المكانة الرفيعة التي كان يصيبها الطبيب في المجتمع العراقي القديم

توطئة:-

تعتبر شريعة حمورابي من أعظم الوثائق التي زودتنا بمعلومات طبية خاصة عن قوانين الجراحة لدى العراقيين القدماء.

ومن بين مئات الرُقَم الطينية التي تُعنى بالعلوم الطبية؛ لا توجد سوى كسرتين من النصوص المحفوظة تتناولان الجراحة الطبية.

الأولى ربما تخص إزالة الماء الأزرق من العين، والثانية يعتقد بأنها تتصل بعملية إزالة الجزء الملتهب من أحد العظام والتي تنص على أنه ” إذا كان المرض قد وصل إلى داخل العظم، فعليك أن تكشطه وتزيله”.

بابل .. المدينة التي نُسِجَت حولها الكثير من الأساطير

أقدم القوانين الطبية:-

إن المواد 215 لغاية 223 من قانون حمورابي -الذي أسس السلالة العربية الحاكمة في بابل وحكم في الفترة الواقعة بين عامي (1792 -1750 قبل الميلاد)-، هذه المواد تعتبر من بين أقدم القوانين الطبية في الوجود.

وتظهر هذه المواد أيضاً مقدار المكانة الرفيعة التي كان يصيبها الطبيب في المجتمع العراقي القديم، بيد أنها في الوقت ذاته تفيدنا بمقدار العقاب الذي قد يقع على الطبيب المهمل أو المقصر.

الثواب والعقاب في شريعة حمورابي:-

فالمادة 215 من قوانين حمورابي تنص على أنه “إذا أجرى جراح عملية كبيرة لنبيل من النبلاء، بمبضع من البرونز، وأدى ذلك لإنقاذ حياة النبيل، أو إذا فتح محجر عين نبيل من النبلاء بمبضع من البرونز وأنقذ بذلك العمل عين النبيل، فيتقاضى نظير ذلك الفعل عشرة شيقلات من الفضة أجراً له، أما إذا تسبب في موت ذلك النبيل، أو أفضى عمله إلى تلفِ في عينه؛ فتقطع يد الجرّاح”.

أما المادة 221 من شريعة حمورابي والتي تتناول أيضاً الشأن الطبي؛ فتنص على أنه “إذا جبَرَ جراحٌ عظم نبيل من النبلاء، أو أنه عالج عضواً ملتويا فشفاه؛ فعلى المريض أن يدفع خمسة شيقلات من الفضة أجرة للجرّاح”.

أما إن كان المريض من طبقة عامة الناس أو من العبيد؛ فيكون الأجر أقل من ذلك.

الطب البيطري:-

ومن الطريف أن المادتين 224 و225 من قوانين حمورابي تتعلقان بالطب البيطري، حيث تنص أولاهما على أنه “إذ أجرى جراحٌ بيطري عملية كبيرة على ثور أو حمار، وأنقذ حياة الأخير؛ فيدفع مالك الثور أو الحمار سُدسَ شيقل من الفضة أجرةً له”.

أما المادة الثانية التي تتناول الجانب البيطري من الطب؛ فنصت على ما يلي “وإذا أجرى عملية كبيرة على ثور أو حمار، وتسبب ذلك بالموت؛ فإنه يعوض مالك الثور أو الحمار بمقدار ربع ثمنه”.

شريعة حمورابي:-

شريعة حمورابي هي سلسلة تشريعات قضائية وعسكرية وإدارية وزراعية ومالية وطبية وأخرى تتعلق بتنظيم شؤون العبيد وخلافها.

ويبلغ عدد نصوص الشريعة المذكورة 282 مادة قانونية دوَّنها حمورابي وهو سادس ملوك بابل، وذلك على مسلة ضخمة أسطوانية الشكل، عُثر عليها من قبل حملة تنقيبات فرنسية مطلع القرن العشرين وذلك في مدينة سوسة عاصمة عيلام.

والسبب في العثور على المسلة في مدينة سوسة الواقعة أسفل جبال زاغروس بواقع 250 كم (شرق نهر دجلة)؛ هو اجتياح العيلاميين لبابل في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ونقلهم المسلة إلى بلادهم.

والمسلة الأصلية موجودة حالياً في متحف اللوفر الشهير بباريس، وتوجد نسخة مصنعة منها في متحف المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو الأميركية.

تعرف هنا على مسلة حمورابي .. أول وثيقة قانونية مكتوبة

حمورابي

تدرُّج في التطور:-

وكان الطب في العراق قد بدأ مع أول حضارات بلاد الرافدين، أي السومرية، ثم أخذ بالتطور التدريجي مع مرور الوقت وتتالي الأمم والحضارات الآشورية والبابلية وغيرهما أو حتى تلك التي جاءت من خارج منطقة بلاد ما بين النهرين.

ويعتبر العصر الآشوري الحديث (911-612 قبل الميلاد) بمثابة العصر الذهبي للعلوم الطبية العراقية القديمة.

التأسيس للعلوم الطبية الحديثة:-

لقد عَرِفَ الطِّب الآشوري كيفية استخدام الأعشاب لمُعالجة الكثير من الأمراض، وقد عُني الأطباء حينذاك بدراسة خصائص أصناف الأعشاب وفوائدها وآثارها الجانبية على المريض.

وكان تعليم الطب في آشور يتم من خلال مدرسةٍ طبيبةٍ يقوم على إدارتها أطباء من الصفوة ممن يتولون تعليم الطلبة هذه المهنة السامية وذلك عبر ألواحٍ طينية تتضمَّن أبرز العلاجات والأدوية ومبررات استخدامها.

وفي هذا الصدد؛ يقول الدكتور عبد اللطيف البدري عن تعليم الطب في آشور: ” إنَّه كان يتم في بيت الألواح، وهو أشبه ما يكون بالمكتبة، كُتِبَت المادَّة فيها على ألواح الطِّين، حيث يجلس الطَّالب على مقاعد ليبدأ في دراسة الألواح المُصنَّفة، ثُمَّ في تعلُّم كيفية كتابة الوصفات بعد ذلك، فإذا ما أتمَّ هذه المرحلة ؛ التحَقَ مع آسٍ (طبيب) خبير يتعلَّم منه الجانب السريري من المِهنة، ولا يُسّمَح له بالمُمارسة بعد إكمال مراحل التعليم إلَّا بعدَ أن يوصي به مُدرّبه، وبعد أن يؤدي القَسَم الطِّبي أمام الآلهة ويُعلِن ولاءه للملك”.

المصادر:-

حضارة العراق، الجزء الثاني، تأليف نخبة من الباحثين، بغداد عام 1985 م.

عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، تحقيق عامر النجَّار.

متحف الميتروبوليتان.

https://images.metmuseum.org/CRDImages/an/original/DP-211-184.jpg

Image by eikira from Pixabay 

http://s3.amazonaws.com/everystockphoto/fspid30/72/33/87/2/basalt-code-hammurabi-7233872-o.jpg

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى