معلومات تاريخية

كيف كان الطب عند العرب قبل الإسلام؟

استخدام العلاج بالسحر والطلاسم والدجل والشعوذة

شهدت الجزيرة العربية في فترة ما قبل عصر الإسلام؛ انتشار مظاهر الطب الشعبي الذي لم ترق مظاهره لأكثر من معرفة بعض الأدوية النباتية والأغذية والمعالجات بالفصد والكي.

كما لم تكن الجزيرة العربية غنية بالأطباء المهرة وذوي الخبرة والتخصُص، كما هو الحال في الإقاليم المحيطة بها، فكان من البديهي اعتماد سكانها على أولئك الذي يتعاطون العلاجات الروحية غير العلمية.

الكيّ بالنار وبتر الأعضاء والحمية:-

وقد تناول الدكتور غالب السرجاني، النمط أو المنهج الطبي الذي اعتمد عليه العرب قبل بزوغ شمس الإسلام، كما تناول أساليب الطب التي سادت عند العرب قبل الإسلام.

فقد عرض في كتابه “قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية”؛ نمط التطبيب في الجاهلية والذي انقسم إلى شعبتين، أولاها تقوم في جوهرها على الكيِّ بالنار واستئصال الأطراف الفاسدة، إلى جانب التداول بشرب العسل، ومنقوع بعض الأعشاب النباتية، فضلا عن خلال اللجوء للتمائم والتعاويذ على يد الكهان والعرّافين.

أما الشعبة الثانية؛ فهي تنحو باتجاه الحِمية في طريقة علاجها، وعلى إسداء النصيحة وليدة الخبرة، من قبيل “المعدة بيت الداء، والحِمية رأس الدواء”، و ” القديد مُهلك لآكله”.

الطب عند العرب قبل الإسلام كان قائماً على أسس غير علمية
الطب عند العرب قبل الإسلام كان قائماً على أسس غير علمية

الأدوية البسيطة والأشربة الطبيعية:-

وقال السرجاني: إن عرب الجاهلية استعانوا بالأدوية البسيطة والأشربة الطبيعية، من قبيل العسل الذي اعتبر حينذاك أساس العلاج لأمراض البطن وعلله، وفي جوانب أخرى، قام العرب بتنفيذ بعض العمليات الجراحية الصغرى.

ومن بين تلك العمليات؛ الحِجامة والبتر والكيِّ والحِمية والفصد.

هذا وقد تناول العرب بعض أنواع الأعشاب الطبية التي تقدمها لهم أرض بلادهم التي يغلب عليها النمط الصحراوي.

البعد عن المعرفة العميقة بالأدوية:-

ولم يكن للعرب دراسة عميقة بالطب التجريبي والعقاقير والمعالجات بالضمد واستخدام الأغذية وبعض الأدوية النباتية، كما لم يكن لديهم الدراية الطبية غير تلك التي اختزنتها ذاكرة الحكماء، وما دونه الشعراء في قصائدهم.

عدم معرفة العرب بالعقاقير والأدوية مقارنة بحال بلاد الهند وفارس
عدم معرفة العرب بالعقاقير والأدوية مقارنة بحال بلاد الهند وفارس

ويلفت السرجاني إلى أن الطب عند العرب قبل الإسلام، كان يعتمد على التجارب العلمية البسيطة، إلى جانب استخدام العلاج بالسحر والطلاسم والدجل والشعوذة، كما تم استخدام التعاويذ والتمائم، واستئصال الأطراف الفاسدة.. وكذلك استعمال المسكرات، وهي أنماط غابت بتدرج سريع بعد البعثة المحمدية.

الاعتماد على الطب الشعبي:-

وخلاصة القول: إن الطب العربي قبل مبعث النبي الكريم، محمد صلى الله عليه وسلّم، كان مقصورا على الطب الشعبي الذي ينتقل بالممارس والتعليم الشفهي من جيل إلى آخر، لكن ذلك لا ينفي تطوره بفضل التراكم والتجربة.

طرق المعالجة الروحية السائدة قبل الإسلام:-

تعرَّض الدكتور محمود الحاج قاسم محمد إلى طُرق المعالجة الروحانية السائدة عند العرب قبل الإسلام، وذلك في كتابه “الوقاية من الأمراض النفسية وعلاجها في الطب العربي الإسلامي”، فيما يلي أبرز معالمها:

  • الكهانة: حيث تعرَّض الدكتور عمر فروخ في كتابه “تاريخ الجاهلية” إلى ذلك قائلاً: “كان في الجاهلية كُهان على نمط الكُهان الذي عرفهم الساميون(العبرانيون مثلاً) والآريون (اليونان مثلاً)، والكهانة كانت في الواقع منصباً دينياً ذات جانب سياسي وجانب تجاري، فالكاهن كان يدَّعي أنه رجل قريب من الله، يعرف الغيب، ويترجم عن الأصنام، وينظر في النجوم، ويعرف ما يكتمه الناس وكان مقامه عادة في بيت الصنم أو في بيته هو،، وكان الكاهن فوق ذلك طبيباً، كما كان يتقبل النذور باسم الأصنام ويقدم القرابين عن الراغبين، وكل ذلك له منافع اقتصادية. وكانت النساء كواهن أيضاً”.
  • العرافة: قال فروخ : “والعرَّاف يشبه الكاهن في بعض شأنه، كان العراف يكشف المخبأ في الماضي، وكان أيضاً طبيباً، بل هو أشهر في الطبِّ من الكاهن، ولكنه أدنى منه منزلة،.. ومن أشهر العرافين الأبلق الأسدي عراف نجد، ورباح بن عجلة عراف اليمامة”.
  • تعليق الودع والخرز: الودع هو خرز يخرج من البحر، الودعة ذات لون أبيض، شقها كشق النواة (الصَدَف)، تعلَّق لدفع العين، وقد اعتقد الكثيرون أن لها خصائص وقائية من قبيل حرف نظر العائن وإشغاله عن نظرته المعجبة بالحسد.
  • السحر: لقد كان السحرة يعملون كأطباء ويشفون من الأمراض بالسحر، سواء عبر قراءة العزائم التي تتوسل بالجن أو الشياطين أو المردة، أو بكتابتها على هيئة طلاسم ويعلقها على المريض، وإن مصادفة الشفاء لذلك أحياناً تزيد من الثقة بالساحر ومن اللجوء إليه.
  • الرقي والتمائم: كانت الرقى اكثر وسائل المعالجة الروحية انتشاراً في الجاهلية، وقد استعملت لمداواة اللديغ والمصاب بالعين أو المسحور وخلافهم. الرقاة لم يكونوا من السحرة والعرافين والكهنة فقط، بل هناك من غيرهم من مارس هذه المهنة، وكان فريق منهم يستعين بالله تعالى وآخر يستعين بالأصنام أو الشياطين، وفريق ثالث كلامه غير مفهوم المعنى، ابتدعه الكهنة والعرافون والسحرة أو أدخلوه من لغات أخرى.

أطباء برزوا قبل الإسلام وبعد انتشاره بقليل:-

وبعد الإسلام؛ أخذت العلوم الطبية في التطور وذلك من خلال الاستفادة من علوم اليهود والنصارى في
الشام ومصر والعراق، فضلاً عن الهنود واليونان والفرس، لكن المسلمين برعوا بعد ذلك وفاقوا أقرانهم،
وفيما يلي بعض أسماء الأطباء الذين اشتهروا قبيل البعثة النبوية وبعدها بعقود قليلة:

  • الحارث بن كلدة الثقفي: من الطائف، تعلَّم الطب في فارس واليمن، وكان أشهر الأطباء في عهده،
    عاصر عهد النبوة ولم يعتنق الإسلام، وأدرك بداية الدولة الأموية، حيث سأله معاوية بن أبي سفيان
    قائلاً له : ما الطب يا حارث؟ فقال الأزم، أي الجوع، وله قصة مشهورة مع كسرى، وقد ألَّف كتاب “المحاورة في الطب”.
  • النضر بن الحارث بن كلدة الثقفي، وهو نجل الحارث، وكان قد تلقى علوم الطب مثل أبيه في فارس،
    واشتغل وحصل من العلوم القديمة أشياء جليلة، كما عاشر  الأحبار والكهنة، وله اطلاع على علوم
    الفلسفة.
  • ابن حذيم : طبيب عربي جاهلي، مجهول تاريخ الميلاد والوفاة، والذي اُشتُهِرَ بكونه كان يداوي بالكَي بالنَّار، فأصبح مضرِب المَثَل، بل كان يقال: ” أطب في الكَي من ابن حذيم” أو “أطب من ابن حذيم”.
  • ابن أبي رمثة التميمي: عاصر النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، وزاول أعمال اليد وصناعة الجراحة، ولم يكن فائقاً في العلم.
  • عبد الملك بن أبجر الكناني: كان طبيباً حاذقاً، تعلَّم لدى الإسكندرانيين في مصر، ثم أسلم  على يد
    عمر بن عبد العزيز وذلك بعد وصول الفتح الإسلامي إلى المدينة المصرية الساحلية.
  • ابن أثال: كان طبيبا متقدماً من المتفوقين في دمشق، نصراني المذهب، اصطفاه معاوية بن أبي
    سفيان لنفسه، كان خبيراً بالأدوية المفردة والمركبة وقواها.
  • أبو حكم : كان طبيباً نصرانياً بارعاً في صنوف العلاج والدواء، وقد اعتمد عليه معاوية بن أبي سفيان
    في دمشق في تركيبات أدويته لأغراض طلبها منه.
  • حكم الدمشقي: سار على نهج أبيه في علوم الدواء والمداواة والأعمال الطبية، وقد عمَّر طويلاً كوالده.
  • عيسى بن حكم الدمشقي: المعروف بمسيح، صاحب الكناش الذي يعرف به وينسب إليه.
الطب عند العرب

المصادر:

قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية، الدكتور راغب السرجاني.

الوقاية من الأمراض النفسية وعلاجها في الطب العربي الإسلامي، الدكتور محمود الحاج قاسم.

موسوعة علماء العرب والمسلمين وأعلامهم، محمد فارس.

عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ابن أبي أصيبعة.

مكتبة الكونغرس الأميركية.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق